منوعات

عيسى قراقع: الذي خرج من السجن محمولًا على قلبه… لا على قدميه

عيسى قراقع 5-4-2026: الذي خرج من السجن محمولًا على قلبه… لا على قدميه

وداعًا يا رياض العمور،
يا من لم تخرج من السجن،
بل خرج السجن منك
محمّلًا بعروقك المتعبة،
بصمتك الطويل،
بقلبٍ صار زنزانةً أخرى
لا تُفتح أبوابها
الا بنبضاتك المدهشة.
.
ثلاثة وعشرون عامًا
لم تكن سنوات…
كانت طبقاتٍ من العتمة
تتراكم فوق صدرك،
حتى صار الهواءُ تهمة،
والمقاومة ارهابا
والألمُ حارسًا في الأقبية.

يا صديقي،
حين أُفرج عنك
لم يكن الإفراجُ حرية،
بل كان نفيًا مؤجّلًا
من الحياة إلى الحياة،
كأنهم قالوا لك:
اذهب…
لكن اترك قلبك هنا
كي نظل نعدّ عليه أنفاسك،
في القاهرة.

لم تكن غريبًا عن الجغرافيا،
بل غريبًا عن جسدك،
تمشي على ذكرياتك
كمن يمشي على شظايا،
تعدّ أسماء الرفاق
كما تُعدّ جراحك،
وتحاول أن تُقنع قلبك
أن العالم خارج القضبان
ليس سوى اسلاك شائكة.

لقد قتلوا الان سجين
مات جوعا وتعذيبا،
الان علق المجرمون حبل المشنقة،
الان تتحرك اسنان المقصلة.
ومضيت يا صديقي إلى موتك بلا قناع،
وقلت لي:
الق على قبري الف رصاصة وزهرة.

أيها الخارج من الموت
هل كانوا يعرفون
أن القتل لا يحتاج الى بهرجة؟
قتلوك وشربوا كاس الانتقام،
قتلوك الف مرة،
لكن جراحك ظلت تقول:
دمي هنا وعيني على غزة.

ياصديقي الحبيب ما اجملك،
خرجت من الجدار حيا واقفا،
شاهدتك في ساحة الميلاد
تقرع جرسا وتضيئ شجرة،
صافحك اليسوع وابتسمت النجمة.

الإبادة تدور وتدور في المطحنة،
يمكن أن تكون سماعة طبيبٍ مسلح،
يمكن أن تكون تجويعا وهراوة،
يمكن أن تكون اعداما بقرار من محكمة،
لا هواء ولا ماء ولا دواء،
ساحات موت وقبور مقفرة.

كل شهيد رسالة،
لا تتركونا بين الوحوش الهائجة،
لا تتركونا بين الكلمات الراجفة،
لا تتركونا لابن غافير وعصابته الفاجرة،
لا زالت بندقيتي تحت الوسادة،
والقدس ويافا والناصرة.

قانون اعدام الاسرى ليس حبال فقط،
أنه حرب على الهوية والرواية،
حرب على العشب والحصى والارادة،
يريدونك رقما أو جثة.

إنه إبرةٌ تُنسى في الوريد،
دواءٌ يُسحب في اللحظة الأخيرة،
زيارةٌ تُمنع،
شمسٌ تُحجب،
ووقتٌ يُسكب قطرةً قطرة.

يا رياض:
أنت لم تُعدم مرةً واحدة،
بل أُعدمت ثلاثًا وعشرين سنة،
في كل صباح
حين تُفتح الزنزانة
ولا يخرج منها أحد،
وفي كل مساء
حين يعود الليل
ليعدّ أسماء الناجين
ولا يجدك بينهم،
مغارة الميلاد فارغة.

من بيت لحم
حملتَ زيتونك في القلب،
لكنهم جعلوا قلبك حقلًا
للتجارب الباردة،
فصار الزيت دمًا،
وصارت الأغصان
أسلاكًا تنغرز في عروقنا الناشفة.
.
أيها الشهيد الذي تأخر موته
حتى ظنوه نبي الحياة القادمة،
لم يكن موتك مفاجئًا…
كان نتيجةً طبيعية
لسياسةٍ تُسمّى:
الإبادة الصامتة.

هناك بين العجز والخوف،
حيث لا تُسمع الطلقات،
لكن تُسمع القلوب وهي تتكسر،
حيث لا يُرى الدم،
لكن يُرى الزمن
وهو يلتهم الأجساد في صمت.

وداعًا يا صديقي،
يا من أثبتَّ
أن الحرية لا تُقاس بالخروج من السجن،
بل بقدرتك على حمل السجن
دون أن تنكسر روحك.
نمْ الآن…
فلا حراس بعد اليوم،
ولا عدّ للأيام،
ولا قانون
يستطيع أن يلاحق قلبك.

خبات في حوش بيتك دمعتي،
زهرة عباد شمس فوق الجبل،
اغنية سماوية تقرأ الفاتحة.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى