عيسى الشعيبي يكتب دفاعاً عن صاروخ النقب - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

عيسى الشعيبي يكتب دفاعاً عن صاروخ النقب

0 85

عيسى الشعيبي 27/4/2021

ليس مهماً إذا ما كان الصاروخ السوري، الذي انفجر في سماء صحراء النقب، وهو السنونو الأول المبشّر بربيعٍ قد يتلكأ الى حين، صاروخ أرض ــ جو، أو أرض ــ أرض، فالمهم أنّ هذا المقذوف الذي يزن نحو سبعة أطنان قد عبر سماء القلعة الإسبرطية الجديدة، المسيّجة بأربع منظومات دفاع جوي متقدّمة، قد وصل إلى أقرب نقطة من أشد المواقع الإسرائيلية تحصيناً، وأكثرها حساسية، وهذه هي المرة الأولى أيضاً، التي يلوّح فيها أحد من “الأغيار” بقبضة يده، ويسدد لكمةً على الأنف، ويعد بإمكانية المسّ بقدس أقداس الدولة التي تنام على نحو مائتي رأس نووي، ويمرّ هذا الأزعر أمام مأدبة اللئام من دون أن يتمكّن الحرس من اعتراضه.

وأحسب أنّ في هذه السابقة دلالات رمزية وافرة، أكثر بكثير مما تنطوي عليه من نتائج عملانية، إذ لم يكن إطلاق هذا الصاروخ كاسراً للتوازنات، أو مبدلاً قواعد الاشتباك، ولا مبشّراً بانقلابٍ في المعادلات القائمة على الاحتفاظ بحق الرد المتهافت، في الزمان والمكان الملائمين لتغطيةٍ على العجز، وفوق ذلك إنّ إطلاق هذا الصاروخ اليتيم لا ينطوي على روح قتالية باسلة، مماثلة لتلك الروح التي كمنت وراء صواريخ حركة حماس خلال العدوان على غزة عام 2014، على الرغم من الفوارق في الموازين، أو تلك الروح التي تجلت في أثناء قصف العراق عام 1991، على الرغم من القبضة الأميركية المطلقة على فضاء بلاد ما بين النهرين.

ذلك أنّ الصراع التاريخي المتواصل منذ مائة عام لا يدور حول الأرض والحدود والممتلكات فقط، وإنّما يحتدم أيضاً حول الهوية والذاكرة والرواية والوعي والصورة، وكلّ المفردات التي تُشكل الخلفية التاريخية للحرب متعدّدة الأشكال والأدوات، الجارية على قدم وساق، بين حق القوة الغاشمة وقوة الحق المغلوب على أمره، إذ مثّلت هذه المفردات المتجذّرة عميقاً في الوجدان روافع قوية لإدامة الاشتباك، وعملت بنجاعةٍ على تحصين هذه الروافع ضد عوامل الترك والنسئ والإهمال، وأبقت على جذوة الكفاح متّقدة تحت الرماد.

على هذه الخلفية، يمكن فهم أهمية المغزى الثمين الذي حفل به وصول هذا الصاروخ، حتى وإن كان تائهاً، يسير خبباً إلى تخوم القرية النووية الرابضة في صحراء النقب، خلف أسوارٍ دونها خرط القتاد، كما يمكن كذلك الوقوف على الأثر المعنوي العميق لهذه السابقة النادرة في سجل المعارك الواقعة بين حربين، بما تنطق به من إيماءات، وبما تختزنه من ممكناتٍ في بطن غد قد يكون بعيداً الآن، ونعني به أنّ إسرائيل، المعلّق مصيرها على خسارة معركةٍ واحدة، ليست كلية القدرة، ولا هي عصية على الاختراق في مرّة أخرى، وذلك على الرغم من أنّ مطلقي هذا الصاروخ لم يكونوا على درايةٍ مسبقةٍ بتحقيق مثل هذه النتيجة الحسنة.

نقول هذا كله دفاعاً عن صاروخ، ربما كان رميةً من غير رامٍ، ونحن نعني مسبقاً الأسباب وراء تهوين إسرائيل التافه، واستهانتها المفرطة بهذه الفعلة الاستثنائية التي نثني عليها بلا تردّد أو تحفظ، بمنأى عن المبالغات الإيرانية المعهودة، وبمعزل عن خطاب ما يسمى محور الممانعة، المحشوّ بالتهويل والهرطقة والديماغوجية، خصوصاً عندما يتم تصوير الواقعة مجرّد رسالة تحذيرية، لا أكثر ولا أقل، وليست ضربة تستهدف مفاعل ديمونا وإحداث كارثة، أو حين يجري تظهيرها ردّاً على الرد، أو عيناً بعين، ومن ثمّة اعتبارها هجمة حربية معادلة لعملية تدمير مفاعل نطنز، ولكلّ ما سبق ذلك من اختراقات مهينة.

ندرك أنّ هذا الصاروخ لم يكن يستهدف مفاعل ديمونا، كونه صاروخ أرض ــ جو على الأرجح، وأنّه سقط على بعد أكثر من أربعين كيلومتراً من عين الهدف، ونعي أنّ هذا المقذوف الثقيل لم يكسر لوح زجاج في تلك المنطقة المحروسة جيداً جداً، وفوق ذلك أنّه لا يشير إلى مواجهة منهجية مختلفة، على الأقل في المدى المنظور. مع ذلك، فإننا نحتفي بهذا الفالت من عقاله، ونغبط أنفسنا، ليس بتحقيق شيء لم يتحقق، وإنّما بفشل إسرائيل المتبتلة في محراب القوة، بإخفاق الدولة التي تعيش تحت حدّ سيفها، لا ترمش لها عين ساهرة، ولا تنفكّ عن تعزيز ردعها، ومراكمة عوامل قوتها، والحفاظ على صورتها، قلعةً محصّنة؛ معسكراً على جناح طائرة حربية، محظور عليها أن تخطئ وإن مرة واحدة، ولا أن تنام في نوبة الحراسة، وهي نوبة طويلة، وربما بلا نهاية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.