ترجمات أجنبية

عودة نظرية الرجل المجنون

نينا خروشيفا * – موسكو – 3/10/2017

في السبعينيات، أصدر الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون تعليمات إلى وزير الخارجية الأميركية، هنري كيسنجر، بإقناع زعماء الدول الشيوعية المعادية بأن رئيسه قد يكون متقلباً ولا يمكن توقع تصرفاته، خاصة عندما يكون تحت الضغط. وقد رأى كيسنجر الذي عرف بدهائه السياسي وخبرته في الواقعية السياسية إمكانية نجاح هذا النهج الذي نفذه بسهولة. ومن هنا ولدت “نظرية الرجل المجنون” في الدبلوماسية.

كان نيكسون بعيداً عن الجنون على الرغم من إفراطه في شرب الكحول في ذروة فضيحة ووترغيت السياسية، مما دفع كيسنجر ووزير الدفاع، جيمس شليسنجر، إلى وضع وسيلة لمراقبة سيطرته على الشيفره النووية. وكان هدف نيكسون من التركيز على طبيعته المتقلبة المزعومة هو إثارة الخوف بين خصومه الأجانب، مما يعني أن إغضابه أو الضغط عليه يمكن أن يؤدي إلى ردة فعل غير عقلانية –حتى أنه يمكن أن يرد عليهم بالسلاح النووي– وبالتالي إجبار خصومه على الحذر في التحقق من سلوكهم.

اليوم، مع قيادة دونالد ترامب للولايات المتحدة، فإن عقيدة الرجل المجنون تظهر مرة أخرى وبقوة. ولكن ليس من الواضح على الإطلاق هذه المرة أن ما يفعله ترامب هو على سبيل التمثيل، وأنه لن يقرر بالفعل في لحظة غضب أو إحباط الهجوم على خصومه -أو حتى استخدام الأسلحة النووية ضدهم.

يجب أن يكون الدليل (أ) في جلسة الاستماع حول الصحة العقلية لترامب هو خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يشبه ثرثرة إيريس تارغريان المجنونة وهو “الملك المجنون” في المسلسل التلفزيوني “لعبة العروش”، حيث أضاف ترامب لمسته الخاصة لمقولة تارغريان المشؤومة “فلنحرقهم جميعاً”، عندما هدد بأن الولايات المتحدة “ستدمر تماماً” كوريا الشمالية إذا استمرت في تطوير برنامجها النووي.

كما هاجم ترامب أيضاً بشدة في الخطاب نفسه الاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه سنة 2015، وبينما كان ترامب يتحدث، كان رئيس الموظفين لديه، الجنرال المتقاعد من قوات المارينز، جون كيلي، الذي عين في تموز (يوليو) من أجل إحلال النظام ونشر درجة من الاستقرار في معسكر ترامب في البيت الأبيض، كان جالساً ورأسه في يديه وكأنه في حالة صدمة أو يأس.

يمكن أن يكون العديد من الأميركيين قد فقدوا الشعور بالحساسية من خطب ترامب الغاضبة بعد أن تحملوا لشهور هجماته عبر “تويتر” في أوقات متأخره من الليل على الصحافة وعلى معارضيه وعلى زملائه الجمهوريين -وحتى على أعضاء حكومته، مما يعني أن ترامب الذي عادة لا يتحمل الانتقادات يمكن أن ينتقم إذا تم استفزازه أو إهانته.

ولكن، على عكس العديد من تصريحات ترامب السابقة غير المترابطة، قام بقراءة خطاب الأمم المتحدة من خلال جهاز تلقين، مما يعني أنه تم التحقق من الخطاب قبل أن يقوم بقراءته. ويبدو أن أولئك الذين يعتقدون أن “الكبار” في إدارة ترامب، مثل كيلي ووزير الدفاع جيم ماتيس ومستشار الأمن القومي هربرت ريمون ماكماستر،

سوف يعملون على بقاء استراتيجية الأمن الأميركية في حدود العقل والمنطق بحاجة إلى إعادة التفكير.

لعل الجزء الأكثر جنوناً من ذلك كله هو حسابات ترامب الظاهره بأن ملك كوريا الشمالية الصغير، كيم جونغ-أون قد يتراجع في مواجهة تهديداته. وبعد أن أطلق الرئيس رونالد ريغان على الاتحاد السوفياتي لقب “إمبراطورية الشر” في العام 1983، تم توجيه النصح له بعدم تكرار ذلك من أجل تحسين العلاقة الثنائية. ولأن ريغان يدرك أهمية هذا التحسن للتخفيف من التهديد النووي، فقد اتبع نصيحة مستشاريه. ولا يمكن أن يقال الشيء نفسه عن ترامب الذي من المؤكد أنه قد تم تحذيره من مخاطر إطلاق الشتائم مثل “رجل الصاروخ” على كيم المتوحش وعديم الخبرة.

عندما تبنى نيكسون شخصيته “المجنونة”، فإنه كان يحتذي إلى حد ما حذو بنيكيتا خروتشوف، خصم نيكسون خلال فترة ولايته كنائب للرئيس الأميركي. وفي ما يسمى “مناقشة المطبخ” سنة 1959 -وهي من اللحظات الغريبة في الحرب الباردة- تشاحن نيكسون مع خروتشوف في موسكو فيما يتعلق بتفوق الرأسمالية على الاشتراكية.

وبعد ذلك بعام، ظهر خروتشوف في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بشكل مسرحي، وقام الزعيم الثوري الجديد في كوبا، فيدل كاسترو، حسب عادته بإصدار تهديدات مبالغ فيها بطريقة استعراضية. وحتى لا يتم التغلب عليه، استغل “إعصار نيكيتا” كل فرصة متاحة لإثارة الجدل الدبلوماسي مع التلويح بقبضته -بل وحتى ما زعم عن وضعه الحذاء على الطاولة.

كانت هناك أدلة كثيرة على أن القوى الغربية كانت تحاول خداع الاتحاد السوفياتي. وقد تم إسقاط طائرة استطلاع من طراز (يو- 2)، والتي أنكر الرئيس دوايت أيزنهاور وجودها فوق الأراضي السوفياتية. وعلاوة على ذلك، طالبت الولايات المتحدة الاتحاد السوفياتي باحترام عقيدة مونرو التي خصصت أميركا اللاتينية للنفوذ الأميركي، ولكنها لم تكن راغبة في قبول الهيمنة السوفياتية في أوروبا الشرقية، ورفضت على الفور خطة نزع السلاح التي بدأها الاتحاد السوفياتي، وهي أول محاولة رسمية للتعايش السلمي.

اعتقد خروتشوف أن الغرب لم يأخذه على محمل الجد، وهو ما يفسر تصرفاته الطائشه في الأمم المتحدة. وقد شرح خروتشوف في وقت لاحق أنه تصرف كما كان سيتصرف البلاشفة الأوائل. فعندما لا تتفق مع الخصم، يجب أن تقدم حجتك بوضوح وبصوت عال، بالإضافة إلى التشويش على آرائه.

في العام 1962 أخذ خروتشوف هذا النهج أبعد عندما قام باختبار الرئيس الشاب جون فيتزجيرالد كينيدي، من خلال خطة مجنونة لنشر صواريخ نووية في كوبا. وهي الخطوة التي أثارت أزمة الصواريخ الكوبية التي شكلت أخطر مواجهات الحرب الباردة. ولكن جون فيتزجيرالد كينيدي لم ينكمش خوفاً، كما أنه لم يرد بعنف. وبدلاً من ذلك، تجاهل بذكاء تهديدات خروتشوف ورد على رسالة أظهرت رئيس الوزراء السوفياتي كزعيم عقلاني يتفاوض من أجل المساواة في الشؤون العالمية. وتلك الحسابات الباردة التي تدل على رباطة الجأش مكنت جون فيتزجيرالد كينيدي وخروتشوف من نزع فتيل التوترات وإنقاذ العالم من الصراع النووي.

يجب على العالم الآن أن يأمل في إمكانية أن يبدأ ترامب في التصرف بهدوء في تقييم كيم، كما فعل جون فيتزجيرالد كينيدي في التعامل مع خروتشوف. وقد رد كيم

على خطاب ترامب في الأمم المتحدة بوصفه ترامب بأنه “مختل عقلياً” و”خرف”. ويعني هذا إما نجاح تقمص ترامب لشخصية الرجل المجنون، أو أن كيم قد أصاب كبد الحقيقة بشكل غير مقصود.

*مؤلفة كتاب “تخيُّل نابوكوف: روسيا بين الفن والسياسة”، وخروشوف الضائع: رحلة إلى غولاغ العقل الروسي”، وهي أستاذة الشؤون الدولية وعميد مساعد للشؤون الأكاديمية في المدرسة الجديدة، وزميلة بارزة في معهد السياسات العالمية.

*خاص بـ “الغد”، بالتعاون مع “بروجيكت سنديكيت”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى