أقلام وأراء

عمّار الجندي: ريشي سوناك يصنع التاريخ

عمّار الجندي: ريشي سوناك يصنع التاريخ 25-10-2022 

ريشي سوناك (42 عاماً)، وزير المالية الأسبق، صار زعيم حزب المحافظين رئيس الوزراء الجديد في بريطانيا. فقد حقق الهدف المزدوج الذي راوغه قبل نحو ستة أسابيع حين قرع باب 10 داونينغ ستريت بقوة من دون جدوى. وها هو الآن مقر رئاسة الحكومة يستقبله بحماسة، بعدما صدقت تكهناته بالبلاء الذي سيصيب البلاد جرّاء سياسات ليز تراس رئيسة الوزراء المنتهية ولايتها.

وفي طريقه الى قمة السلطة التنفيذية، سجل أمس سوناك عدداً من الأرقام القياسية، إذ إنه أول رئيس وزراء بريطاني من أصول هندية-أفريقية لا يتمتع ببشرة بيضاء. والسياسي الذي يعتنق المذهب الهندوسي، هو الأكثر شباباً بين رؤساء الوزراء في البلاد منذ قرنين من الزمن على الأقل. كما أنه الأغنى بين من سبقوه إلى هذا المنصب ربما منذ أواسط القرن التاسع عشر، إذ احتل المرتبة الـ222 في قائمة “الصنداي تايمز” للأكثر ثراء في بريطانيا هذا العام بفضل ثروته هو وزوجته التي تقدر بـ 750 مليون جنيه استرليني.

انسحبت منافسة سوناك الوحيدة الوزيرة بيني مورداونت في الجولة الأولى لأن التأييد الذي تلقته كان أقل بكثير مما تحتاجه لدخول الانتخابات، ما أنقذه من اقتراع لأعضاء الحزب العاديين الذين خذلوه في المرة الماضية وعبّدوا طريق الزعامة أمام تراس. وعلى أي حال حظي بدعم كبير (200 صوت) من نواب حزبه (357 نائباً). ولإلحاح النواب على إنجاحه ما يبرره. فالصعوبات التي يواجهها اقتصاد البلاد بعدما هشمته تراس بفعل “الموازنة المصغرة” الكارثية، كبيرة للغاية وهو الأقدر على التعامل معها.

ولم يكن بوريس جونسون رئيس الوزراء السابق ذلك الخصم الذي لا يقهر الذي روجت بعض الصحف منذ أيام لرغبته بخطف الزعامة ومعها رئاسة الوزراء بعدما جُرد منهما بنحو ثلاثة أشهر. فقد أعلن نحو 50 نائباً عن دعمه وهذا عدد لم يؤهله لخوض الانتخابات، فاضطر الى عدم ترشيح نفسه. ويجب أن يتمنى سوناك وانصاره ألا يبدأ جونسون بتدبير “مؤامرات” ضده، كما فعل بعد انسحابه من انتخابات الزعامة في 2016 وسعى إلى القضاء على ولاية تيريزا ماي حتى كان له ما أراد.

فرئيس الوزراء الأسبق عازم على استعادة المنصب، ولم يفته أن يلمّح عند انسحابه الأخير إلى رغبته بتسلم الحكم “في الوقت المناسب”. لعله نسي، أو تناسى أن وصوله الى الزعامة مرة ثانية، كما فعل بطله ونستون تشرشل، لن يكون سهلاً على الاطلاق. فهو فقد ثقة حزبه الذي ينتظر نتيجة التحقيق البرلماني بتهم الكذب الموجهة اليه، عدا عن أن نيران فضيحة “بارتي غيت” لم تخمد بعد. والحق أن “رائحته فاحت” وكثرت فضائحه الأمر الذي حمل 60 وزيراً على الاستقالة من إدارته.

مع ذلك، كان هناك بين النواب والوزراء الحاليين والسابقين من يصر على ترشحه. ويدل ذلك على الانقسام الحاد في الحزب الحاكم، الذي يعاني من شرخ عميق ساهم جونسون خلال حملة البريكست، بخلقه، كما عززته تراس، التي لم تستبعد المعتدلين فحسب في الحزب من حكومتها، بل نبذت حتى أقطاب اليمين ممن دعموا سوناك في الانتخابات الماضي، وكأن الحكم “اقطاعية” شخصية للزعيم لا يدخلها إلا من يقول له نعم.

ويؤشر تباين آراء النواب حول المرشح الكفوء إلى بعض أسباب تغيير القادة بهذه السرعة التي جعلت المعلقين في داخل البلاد وخارجها يصفون انتخابات زعامة حزب المحافظين المتتالية بـ”السيرك”. وبسبب وتيرة التغيير السريعة فإن سوناك هو رئيس الوزراء الثالث للبلاد في غضون ثلاث سنوات.

صحيح أن فشل الزعيم، كما في حالة تراس، وفضائحه الشخصية والحكومية مثلما هو الوضع مع جونسون، قد لعبا دوراً في إطاحتهما. وصحيح أيضاً أن المناخ المملوء بأزمات استثنائية، كالبريكست ثم كوفيد فالحرب الأوكرانية وتداعياتها على الطاقة، قد سهلت كلها مضاعفة الخلافات التي تمهد لعزل رئيس الوزراء. وتتعزز الرغبة بتغيير من يمسك بالسطة بفعل الأنانية التي تحمل النائب على تبديل ولاءاته بحثاً عن مصلحته الشخصية، كما يشجع هذه الرغبة التشرذم القائم على خلافات إيديولوجية.

ومن جانبه، شدد سوناك في الكلمة التي وجهها للشعب إثر فوزه بأنه سيعمل على توحيد البلاد وبسط الاستقرار فيها والمواءمة بينها وبين حزب المحافظين وخدمة الجميع. وهو أكد في مناسبات شتى على فهمه مدى أهمية رصّ صفوف حزبه حتى يساعده في حربه المزمعة على الجبهات الاقتصادية المتعددة. وقد أظهر سلفاً القدرة على استقطاب تأييد النواب المحافظين بمختلف توجهاتهم.

والواقع أن حشد الجهود كلها لا بد منه، لبدء سوناك في معالجة الصعوبات الاقتصادية الخطيرة حتى يعيد لبلاده تصنيفها الائتماني وللجنيه الإسترليني قيمته وهيبته، ويساعد أبناء البلاد على مواجهة أزمة تكلفة المعيشة وفقر الطاقة والجوع والمرض لا سيما أن معدل التضخم الى ارتفاع ويتوقع أن تزيد فاتورة الغاز لمتوسط البيوت البريطانية 500 جنيه إسترليني في الشهر.

لعل وزير المالية الأسبق هو أقدر المحافظين على إدارة الأزمات الاقتصادية. وقد يساعده ذلك على معالجة مشكلة المصداقية التي لا بد أن يعاني منها لأنه لم ينتخب شعبياً. فهو وجه محافظ جديد. تميزه مهاراته بقوة عن تراس، كما أن مقارنته مع جونسون تُبرز صفاته الحميدة. كان سلفه ولا يزال متهماً بعدم الرغبة في قول الحقيقة. أما سوناك فتعامل بصراحة وشفافية مع “فضائح” راجت حوله، كامتناعه عن ذكر ثروته هو وزوجته في السجل الوزاري ذي العلاقة، والتستر المزعوم على حصوله على “البطاقة الخضراء الأميركية” ومحاولته تقليل الضرائب المترتبة على زوجته الثرية ابنة المياردير الهندي ناريانا مورتي. فهو تعاون مع التحقيقات بشأن هذه التهم وتمت تبرئته من أي مخالفة للقانون في الحالات الثلاث.

لا يعني هذا أن سوناك رئيس حكومة مثالي بالضرورة. وثمة تساؤلات عن قدرة شاب حقق هذا النجاح الهائل في غضون عشرين سنة وبنى ثروة فضفاضة، أن يحس بمن يكادون لا يجدون اللقمة؟ كما أن وعوده المفترضة بالتصلب إزاء قضية البروتوكول الإيرلندي هي مدعاة للتشاؤم بحل معضلة إيرلندا الشمالية وتيسير العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، الذي كان سوناك من خصومه المؤيدين للبريكست. ومن غير الواضح كيف سيجري تنظيم علاقته بالكنيسة الانغليكانية الرسمية التي يعين رئيس الوزراء الأنغليكاني عادة قادتها من مطارنة وكبير أساقفتها، ولا يُعقل أن يخول هندوسي تأدية هذا الدور.

لكن لا يستبعد أن يقوم بمراجعة لتعهداته السابقة بشأن إيرلندا الشمالية إذا كان مرناً بما فيه الكفاية ليدرك أن العودة عن الخطأ فضيلة. ضاق أبناء الشعب ذرعاً بـ”سيرك” المحافظين الذي يجري في منأى عنهم، وتفيد استطلاعات الرأي بأن حزب العمال متقدم على المحافظين بما يتراوح بين 20 و30 في المئة. ولما كان عدد أعضاء حزب المحافظين أقل من 200 ألف شخص، فهل يستطيع الزعيم الذكي أن يتجاهل الخمسين مليون ناخب آخر، ولا يتعب نفسه بمحاولة إصلاح العلاقة معهم؟ وإذا فاته أن يجتهد لتقليل نفور الناخبين من حزبه ستكون هناك تداعيات خطيرة حاسمة ليس على مستقبله السياسي فحسب، بل أيضاً على مصير حزبه المهدد بالتحول الى جماعة ضغط كبيرة نسبياً لن تعمر طويلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى