Take a fresh look at your lifestyle.

عمر حلمي الغول يكتب –  دحض نظرية خاطئة

0 110

عمر حلمي الغول – 10/6/2021 

يسود في الأوساط السياسية الفلسطينية، وحتى في بعض أوساط عربية ودولية، مقولة نظرية فكرية سياسية خاطئة، مفادها، أن اليمين الصهيوني المتطرف، هو الأقدر على صنع السلام. وأخذ العديد من النخب السياسية الترويج لمنطقه في المنابر المختلفة على اعتبار أن مقولته باتت مسلمة، وحقيقة راسخة، ليس هذا فحسب، إنما أخذ في السعي لفتح حوار سياسي مع نخب صهيونية يمينية من مختلف الأحزاب في محاولة لكسر الغيتو الأيديولوجي والإعلامي الصهيوني، وفتح أذانهم على الصوت والرؤية الفلسطينية السلمية لإزاحة التابوهات والمسلمات اليقينية في الرؤية الصهيونية المتطرفة والمعادية للسلام، والرافضة لمبدأ الحوار والتفاوض مع الشعب الفلسطيني وقياداته المؤمنة بخيار السلام، وتقريب المسافات السسياسية بعيدا عن الأيديولوجيا وحتى عن التاريخ. 

والنقطة الأخيرة تعتبر الحلقة المركزية عند أية مجموعة صهيونية تنخرط في الحوار مع أية مجموعة فلسطينية، لأنهم يخشون التاريخ، ولا يقبلون القسمة عليه. رغم الخطاب الديماغوجي الغوغائي، الذي ينهلون منهم، ويرددونه كالببغاوات كل صباح مساء للدفاع عن روايتهم المزورة والكاذبة. بيد أن الغالبية منهم تدرك في حقيقة نفسها، أنها تتلطى وراء خطاب وهمي، لا أساس له من الصحة. لا سيما وأنهم يعيشون في كنف شعب أصيل، كل معلم من معالم البلاد من البحر إلى النهر التاريخية والحضارية والعمرانية والثقافية يؤكد أن فلسطين أرض الشعب الفلسطيني، ولم تكن يوما لغيرهم. وما الحديث عن ممالكهم قبل الفين أو أكثر من الأعوام، إن كان وجودها صحيحا، إلا لذر الرماد في العيون، لأنها أولا ممالك صغيرة جدا، ثانيا لم تترك أثرا واحدا في فلسطين، مع أن علماء الآثار الإسرائيليين نبشوا الأرض الفلسطينية شبرا شبرا، ولم يجدوا دليلا واحدا على تلك الممالك. حاول نتنياهو وزمرته سرقة أحجار تاريخية من سور المسجد الأقصى وغيرها من الآثار التاريخية الفلسطينية ليفبركها لاحقا باعتبارها “آثارا من تلك الممالك”، التي لم تعمر طويلا، كما هو حال المملكة الثالثة الحالية، التي لن تعمر، ولن تقوى على البقاء لمجموعة من العوامل تاريخية واجتماعية وثقافية ودينية وكفاحية. 

المهم أن كل المجموعات الصهيونية تأتي وتذهب للحوار بعقول مغلقة، أو مكلفة أمنيا، بعضهم يحاول أن يجامل محاوريهم، لكن أيا من تلك المجموعات لم يرق لمستوى الاقتناع بخيار السلام، باستثناء مجموعات صغيرة جدا وغير مرئية من اليسار أو قريبة من اليسار. وهي غير مؤثرة، ليس هذا فحسب، بل إنها منبوذة ومضطهدة، ومرفوضة من الشارع الإسرائيلي عموما، وليس من المؤسسة الرسمية الصهيونية في الموالاة والمعارضة فقط. رغم أن المحاورين الفلسطينيين عادة يكونون مرنين، ومنفتحين على الأفكار والرؤى كافة، ويناقشون بروية وعقلانية، لكنهم يصطدمون بمتاهات الأيديولوجيا، والنزوع العنصري الاستعلائي الاستعماري الصهيوني. 

النتيجة المنطقية لأي متابع للحوار مع المجموعات والنخب الصهيونية، تؤكد أن قوى اليمين بكل تلاوينه من أقصاه لأقصاه لا تقبل القسمة على السلام من حيث المبدأ، ولا تريد السلام، وليست مستعدة لدفع ثمنه، وهو ثمن بالمحصلة من الجيب الفلسطيني التاريخي، من رصيده، ومن وطنه الأم، ومن روايته وحقوقه وثوابته. ومع ذلك لا يقبل أي صهيوني مسؤول الإقدام على توقيع اتفاق سلام. قد يوافقون داخل الغرف المغلقة على بعض الأفكار. لكن في ملفات تتعلق بالقدس وبالعودة وبالحدود والأمن والمستعمرات تتعطل لغة الحوار، ويبدأ الاجترار، ويأخوذن الفلسطينيين إلى متاهات التفاصيل، ويهربون من العناوين الرئيسية، ويغطون الشمس بغربال. وبالتالي هناك فرق بين الحوار والتفاوض لمجرد الحوار، وبين صناعة السلام.

بتعبير أدق اليمين الصهيوني بكل مكوناته وأطيافه لا يمكن أن يصنع السلام، ولن يكون قادرا لا بالمعنى الشخصي، ولا الأيديولوجي، ولا بالخشية من الصهيوني الآخر على دفع فاتورة السلام، وما لم يهزم الصهيوني أو يصبح مشروعه الاستعماري في مهب الريح  لن يقبل السلام. 

السلام يريد إيمانا وقناعة مبدئية بفكرة السلام والتعايش، السلام يحتاج إلى إرادة وقوة وتخلٍ عن الأيديولوجيا، والذهاب للمصالح، والمصالح لا تصنعها إلا العوامل الآتية: أولا القوة الفلسطينية على الأرض؛ ثانيا قناعة الصهيوني أن لا ملاذ له إلا عبر بناء جسور السلام، وأن مصيره على كف عفريت، بمعنى أدق، رفع كلفة الاستعمار الصهيوني، الذي لا يأتي من بوابة الحوار، إنما من بوابات الكفاح، التي ترغم العدو لطلب الحوار، والاستعداد لدفع استحقاقات السلام؛ ثالثا عبر فرض الإرادة الدولية على دولة المشروع الصهيوني الكولونيالية، التي مازالت حتى الآن تراوح مكانك عد، ولم ترق منذ العام 1948 لمستوى بناء السلام، وتأمين الحد الأدنى من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين على أساس القرار الدولي 194، والمساواة الكاملة لأبناء الشعب في الجليل والمثلث والنقب والمدن المختلطة. 

oalghoul@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.