أقلام وأراء

عمر حلمي الغول – أوكرانيا وخلفيات الصراع

عمر حلمي الغول 23-1-2022م

رغم برد الشتاء القارص، الا ان الملف الاوكراني يشهد ارتفاعا شديدا في حرارة الصراع في الداخل والاقليم وعلى المستوى العالمي. فما يجري في أوكرانيا لا يخصها لوحدها، لا بل ما هي الا المفتاح الصغير لبوابة الصراع الدولي، واحد نقاط الصراع الساخنة جدا لتقاسم النفوذ الجديد في العالم، وخاصة بين القطبين الروسي والأميركي، والأخير معه الغرب الأوروبي، لان الجميع يخشى من تنامي صحوة الدب الروسي، الذي يحاول استعادة الأوضاع لما قبل العام 1997، وانهاء الوجود الأميركي خصوصا واتباعه عموما في حلف الناتو في اقصى الجنوب الشرقي في أوروبا (بولندا ورومانيا وبلغاريا)، وبالمقابل تحاول الولايات المتحدة التمدد في الحديقة الخلفية لروسيا الاتحادية، وفرض حقائق جديدة في الإقليم الروسي، والسيطرة على قطاع من نفوذ موسكو القديم زمن الاتحاد السوفييتي السابق.

ومن خلال المتابعة الحثيثة لما تشهده الاجتماعات الثنائية الأميركية الروسية من فينا لبروكسل لجنيف من عام 2021 وحتى الان، مازالت الأمور تقريبا تراوح مكانها. لاسيما وان هناك أولا انقسام داخل دول حلف الأطلسي حول كيفية التعامل مع كييف لجهة انضمامها للحلف، ولكيفية دعمها عسكريا وسياسا وديبلوماسيا؛ ثانيا خشية دول غرب أوروبا ان تخذلهم واشنطن عبر مساومة ثنائية مع موسكو؛ ثالثا رغم التهديدات المتصاعدة من الغرب عموما وأميركا خصوصا ضد روسيا، ووضع ثمانية عشر سيناريو للمواجهة معها، الا انها تخشى جميعها من اشتعال شرارة الصراع لما تحمله من عواقب وخيمة؛ رابعا إضافة لذلك تعمل دول الغرب عموما وأميركا خصوصا لدفع الكرملين للاقدام على خطوة متهورة لاستثمارها عالميا ضده في المحافل الدولية.

ومن الواضح ان بوتين يتعامل مع الغرب بسياسة الرأس الباردة، وغير المتعجل لارتكاب أي خطوة غير محسوبة سياسيا او عسكريا. ولكن من موقع الدفاع عن الحصة التاريخية لروسيا في اطارها الإقليمي، وتطويق أي تمدد غربي في المنطقة، ودحره عبر سياسة فرض الوقائع دون طلقة عسكرية من قواته، وترك المعارضة الأوكرانية في إقليم دونباس لتنغيص حياة القيادة في كييف، بالتلازم مع تعزيز الوجود العسكري على الحدود الروسية الأوكرانية، حيث يتواجد الان حوالي 100 الف جندي روسي مجوقل، ويترافق ذلك مع اجراء سلسلة مناورات عسكرية بحرية وبرية في الإقليم وفي مياه المتوسط الدافئة، والاهم لم يتراجع الكرملين قيد انملة عن مطالبه السياسية والعسكرية من الغرب.

ومن المطالب التي طرحها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف في لقائه مع وزير الخارجية الأميركي، انتوني بلينكن في اللقاءات التي جمعتهما مرات عدة، والتي كان اخرها يوم الجمعة الماضي 21 يناير الحالي، تتمثل في أولا عدم انضمام أوكرانيا لحلف الناتو؛ ثانيا سحب القوات الأميركية من اقصى الجنوب الشرقي لاوروبا؛ وثالثا وهو ذات صلة بالثاني تقليص عدد العسكريين التابعين للحلف في أوروبا الشرقية. ولسان حال الكرملين يقول للغرب، تعاملوا مع روسيا، كما هي اليوم، لا بحسابات نهاية ثمانينات ومطلع تسعينيات القرن الماضي؛ رابعا لا تقتربوا من منطقة النفوذ الروسي لا في الإقليم ولا خارجه في اسيا (سوريا) وافريقيا (افريقيا الوسطى ومالي).

وبالمقابل فتح الغرب ملفاته، وعرضها بالجملة على الاتحاد الروسي، ومنها الاتي: الحفاظ على الامن في أوروبا؛ ثانيا انسحاب القوات الروسية من الحدود الروسية الأوكرانية؛ ثالثا نزع سلاح المعارضة في إقليم الدونباس؛ خامسا إعادة العلاقات الديبلوماسية بين اميركا وروسيا إلى المستوى الذي كانت عليه الزمن السابق لمجيء بوتين للحكم؛ سادسا تقليص دور مجموعة فاغنر الروسية شبه العسكرية في ليبيا وجمهورية افريقيا الوسطى؛ سابعا وقف الهجمات الاليكترونية؛ ثامنا حماية الحريات الديمقراطية في روسيا، واطلاق سراح المعارض الروسي اليكسي نافاليني؛ تاسعا تبادل السجناء بين البلدين وغيرها من القضايا.

وكان الرئيسان الروسي بوتين والأميركي بايدن التقيا افتراضيا في اليوم الأخير من العام 2021 وتحادثا لوقت يزيد على الساعتين حول القضايا المختلفة، ومع ذلك مازالت الأمور تراوح مكانها. رغم الحديث يوم الجمعة من قبل وزير الخارجية الأميركية عن تقدم نسبي، بيد ان الخارجية الروسية وتحديدا لافروف قال من السابق لاوانه الحديث عن تقدم، وحتى عن تحديد موعد قريب للقاء الرئيسين. وبالتالي الوضع مازال يراوح، رغم سخونة الأوضاع.

وما زاد الأمور ضبابية، ونفيا لاي تقدم، قيام دول البلطيق بتقديم الدعم العسكري لاوكرانيا اول امس، وهو احد السيناريوهات التي كانت مطروحة لعدم تدخل أميركي مباشر، وهو ما يشير الى ان الصراع سيبقى قائما ما لم يتراجع احد الطرفين عن خياراته، وتحديدا الغرب الرأسمالي عموما وأميركا خصوصا. التي ارادت ان تقضم اعدائها بالتدريج، الان الدب الروسي وغدا التنين الصيني. لكن يبدو ان امنيات اميركا بعيدة عن الواقع كثيرا، لان ما تعانيه من أزمات وتراجع لا يؤهلها لاكل قطة صغيرة كما كوريا الشمالية.

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى