أقلام وأراءشؤون مكافحة الاٍرهاب

عمرو فاروق – ‘داعش’ في إسرائيل .. خداع تكتيكي

عمرو فاروق ٤-٤-٢٠٢٢م

مازالت القضية الفلسطينية تمثل الأداة الحاسمة في كسب التعاطف والتأييد الشعبي والسياسي والديني لحركات الإسلام السياسي والجماعات الأصولية المسلحة، ابتداءً من “الإخوان المسلمين”، مروراً بتنظيم “القاعدة”، انتهاءً بتنظيم “داعش” الذي نفذ خلال الأيام الماضية هجوماً إنغماسياً مزدوجاً في مدينة الخضيرة، فضلاً عن عملية دهس وطعن في مدينة بئر السبع. 

التخدير العاطفي وتزييف الوعي الديني سمة أساسية لدعاة الإسلام الحركي، في إطار خداع تكتيكي يمكنهم من تمرير أهدافهم سواء الطويلة أم القصيرة المدى، وهكذا كانت القضية الفلسطينية، حاضرة بقوة على مائدة الخليفة الداعشي المسردب أو المجهول الهوية، أبو الحسن الهاشمي، في الإعلان عن وجوده من خلال ارتداء عباءة البطولة الوهمية، والانتصار الكاذب، لكسب تأييد أتباعه وداوئرهم وفروعهم التنظيمية سواء الذين أبدوا ولاءهم أم مَن ترددوا في بيعتهم.

عمليات “داعش” الأخيرة  تجاه الدولة الصهيونية ذات وجهين، أحدهما يحقق أهدافاً ومكاسب عدة للكيان الداعشي في ظل خسائره الفادحة الحالية، وآخر يحقق مصالح المحرض والممول الرئيسي لتلك العمليات التي تعمل على إرباك الدائرة السياسية الإسرائيلية.

ربما يعتبر البعض أن ثمة تحولات في خريطة الأهداف المرحلية لتنظيم “داعش” في ظل انحساره في كل من سوريا والعراق، دفعه لتبنى استراتيجية “العدو البعيد”، التي تستهدف المصالح الغربية والصهيوأميركية، والتخلي ظاهرياً عن استراتيجية “العدو القريب”، التي تعمل على النيل من الأنظمة العربية الحاكمة، في محاولة لإعادة هيمنته على المشهد الجهادي الراديكالي.

من جملة المكاسب التي يرغب تنظيم “داعش” في الحصول عليها من تحركاته الأخيرة ضد الدولة الصهيونية، غسل سمعته من الإتهامات الموجهة إليه بتقاعسه عن إطلاق رصاصة واحدة تنال من الكيان المحتل، ومحاولة تقديم نفسه على أنه المدافع الأول عن القضية الفلسطينية، أملاً في إيجاد حاضنة فكرية وتنظيمية تمنحه إعادة تموضعه على الساحة الجهادية، عقب سقوط دولته المزعومة وتجفيف منابع التجنيد والاستقطاب للعناصر الجديدة، وخسارته الجغرافيا السياسية التي كان يتمركز بها في عمق المنطقة العربية.

حاول تنظيم “داعش” استثمار حالة السخط في الشارع العربي المتزامنة مع عقد قمة  النقب في إسرائيل، الأيام الأخيرة من آذار (مارس) الماضي، بحضور وزراء خارجية كل من دولة الإمارات ومصر والبحرين والمغرب والولايات المتحدة واسرائيل، بهدف تشكيل محور إقليمي عربي إسرائيلي يدفع لتغيير في تركيبة النظام الإقليمي، وبناء تحالفات أميركية عربية متماسكة، في ظل مخاوف واشنطن من التمدد العربي في اتجاه المعسكر الروسي.

 لم يكن الكيان الصهيوني هدفاً رئيسياً في متن الخطاب الأيديولوجي والإعلامي لتنظيم “داعش”، رغم محاولة توظيف أبو بكر البغدادي وأبو إبراهيم القرشي القضية الفلسطينية في إصداراتهما، لا سيما في حال الاضطرابات والإنشقاقات الداخلية، والتلويح باستهداف الدولة الإسرائيلية، لكنها في النهاية لم تكن سوى بروباغندا إعلامية في ظل تأكيد مرجعيات التنظيم كثيراً  أن “تحرير القدس”، ليس من “أولويات الجهاد المقدس”، فضلاً عن توجيه “داعش” إعتذاراً إلى تل أبيب بعد هجومه على الجولان عام 2017، وفقاً لتصريحات وزير الدفاع الأسبق، موشيه يعلون، التي نقلها موقع القناة العاشرة الإسرائيلية.

ثمة أدلة متعددة على تمدد العلاقة بين “داعش” واسرائيل وتشابكها، منها معالجة مقاتلي التنظيم في المستشفيات العسكرية الإسرائيلية في الجولان، وشراؤها النفط من قياداته عبر شبكة من الوسطاء، وكذلك بيعها السلاح الإسرائيلي إلى التنظيم، الى جانب مفاوضات تسليم أكثر من 200 داعشي من عرب 48 .

ربما اكد قوة تلك العلاقة موشيه يعالون، في كانون الثانث (يناير) 2016، قائلاً: “إسرائيل ليست مُهدَدة من تنظيم داعش، وإذا خيرنا بين وجود إيران وداعش في سوريا، سنختار بالطبع داعش، عدونا الأكبر هو النظام الإيراني الذي أعلن الحرب علينا، وسعى لفتح جبهة إرهابية ضدنا في هضبة الجولان، الهيمنة الإيرانية في سوريا ستشكل تحدياً كبيراً لإسرائيل”.

لاشك في أن التحالف العربي الإسرائيلي الجديد من شأنه أن يؤرق ويزعج مضاجع نظام  الملالي الصفوي، الذي لم يتلق رصاصة واحدة كذلك من الجماعات الأصولية المسلحة، ويرتبط معها بعلاقات وثيقة تاريخية رغم اختلاف الأيديولوجية الفكرية والعقائدية، تبلورت في إيوائه قيادات تنظيم “القاعدة”، ودعمه المستمر لأنشطة جماعة “الإخوان المسلمين”، وقدرته على استمالة عناصر تنظيم “داعش” وتمويلهم وتسليحهم في الداخل العراقي.

ليس مستبعداً أن تكون العمليات الأخيرة في عمق الكيان الصهيوني، جاءت بتخطيط مسبق من الحرس الثوري الإيراني، رداً على التحالفات الجيوسياسية في قلب المنطقة العربية والشرق الأوسط، بما يهدد مصالحه المباشرة، فضلاً عن وقوف تل أبيب عقبة أمام  المباحثات والتفاهمات الدائرة بين الإدارة الأميركية وطهران في فيينا حول إحياء الاتفاق النووي المبرم عام 2015 .

يشكل الملف النووي الإيراني أزمة حقيقية بين واشنطن وتل أبيب في ظل تأكيد الحكومة الإسرائيلية أن الإتفاق سيمنح طهران المزيد من النفوذ داخل الشرق الأوسط، ويهدد أمن الدولة الصهيوينة ومصالحها، وفقاً لما نشرته صيحفة  “وول ستريت جورنال”، الأميركية، في تقرير لها، نقلت  فيه عن مسؤول إسرائيلي بارز التلويح باللجوء إلى الخيار العسكري؛ بغية ما وصفه بـ”كبح جماح” طهران في المجال النووي.

اعتماد إيران على تنظيم “داعش” في الكثير من معاركها داخل الشرق الأوسط، ليس بالجديد، فالكثير من التقارير الأمنية الأميركية تحدثت عن تعاون خفي بين الحرس الثوري والمليشيات الداعشية، لعل ما يشير إلى ذلك ما صرح به مسؤول في وزارة الدفاع العراقية، موضحاً: “فيلق القدس الإيراني ومليشيات حزب الله بالتنسيق والتعاون مع مليشيات الحشد الشعبي نقلت المئات من مسلحي داعش من الأراضي السورية إلى العراق، وزودتهم بالأسلحة والذخائر ضمن مخطط إيراني لإعادة الحياة للتنظيم الإرهابي”.

في النهاية نحن أمام تنظيم داعشي تكفيري مسلح، تنضوى تحت لوائه مجموعات من المرتزقة، لا تحركهم العقيدة ولا تحدد مساراتهم القضايا الدينية مثلما يزعمون،بل تتحكم مآربهم الخاصة في علاقتهم بالأطراف الداعمة والممولة التي يدورون في فلكها.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى