شؤون مكافحة الاٍرهاب

عمرو فاروق: الجماعات الأصولية و”الإرهاب الرقمي”

عمرو فاروق ٦-٦-٢٠٢٢م

على مدار السنوات العشر الماضية انتقلت معركة الجماعات الأصولية في الهيمنة على العقول من ساحات المساجد إلى الفضاء الرقمي، لما يتمتع به من مقومات وخصوصية، وضعته على قائمة الأساليب غير التقليدية في البلورة الفكرية، والانخراط التنظيمي، وصناعة القوالب المسلحة.

الإرهاب التقليدي بطبيعته عابر للقارات والحدود، لكن منحته الرقمنة الإعلامية، الكثير من فرص التمركز الجغرافي والامتداد الفكري والتأثير المجتمعي، فضلاً عن المقدرة في بناء الخلايا الهلامية الكامنة والبعيدة من إمكان المراقبة أو الملاحقة الأمنية، والمعتمدة على عنصري المغافلة والمفاجأة في تنفيذ عملياتها الإجرامية المسلحة.

عوامل كثيرة ساهمت في استغلال الجماعات الأصولية لمنصات “الإعلام الرقمي”، مثل “التلغرام” و”الفايسبوك”، وغيرهما، في تشكيل هياكلها التنظيمية، ونشر ضلالاتها الفكرية، وتعبئة أتباعها، وتجنيد ضحاياها، وصياغة خططها ومشاريعها، وجمع الأموال وتهريبها، وصناعة حملاتها للنيل من خصومها على المستويات الفكرية والتنظيمية والسياسية.

تمثل منصات “الإعلام الرقمي”، مساحة آمنة لتمرير المنهجية الفكرية للجماعات الأصولية، وبناء جدار من الثقة بين مرجعية التنظيم والدوائر المستهدفة، وصناعة حالة من الجاذبية تجاه خطاب العنف والتكفير، من منطلق استدعاء المجد التاريخي لدولة الخلافة، مقابل التباكي على الواقع الإسلامي المعاصر خداعاً.

اعتمدت الجماعات الأصولية على المنصات الرقمية، في خلق صورة ذهنية توحي بقوة وتماسك جبهتها الداخلية وارتكازها على جوانب فقهية عقائدية مستقاة من مفردات المنهج الحركي للسيرة النبوية، في إطار توظيفي للميراث الدعوي، يدعم توجهاتها الحركية في استخدام العنف، ويمنحها الصبغة الشرعية تأصيلاً.

في إطار تطوير تيارات الإسلام السياسي لأدواتها وأساليبها في الفترة الراهنة، استخدمت الغرف الرقمية المغلقة، في تنفيذ مرحلة “الغرس الفكري”، التي تعرف اصطلاحاً بمراحل “الدعوة الفردية” السبع، وفقاً لأدبيات جماعة “الإخوان المسلمين”، التي أوردها المرشد الخامس مصطفى مشهور في كتابه “الدعوة الفردية”، واعتمدها الكثير من التنظيمات الأصولية، وتضمنت مرحلة “الاختيار” أو “الانتقاء”، ومرحلة “الاحتواء”، والتهيئة الإيمانية والتهيئة الفكرية، وجاهلية الواقع الإسلامي، ووجوب العمل الجماعي، انتهاء بفرضية العمل التنظيمي المسلح.

يتمتع “التجنيد الرقمي” بنوع من السرية المطلقة سواء للقائمين عليه، أو المشاركين في فاعلياته، نتيجة الاعتماد على “غروبات مغلقة”، أو “برامج مشفرة”، يمكنها التأثير في أشخاص محددين، يتم انتقاؤهم بعناية فائقة، ما يعني أن التأثير الفكري انتقل فعلياً من داخل التجمعات المهنية والتعليمية إلى ساحة الفضاء الرقمي، بعيداً من الرقابة والتتبع الأمني.

لا يخفى على أحد أن منصات “الإعلام الرقمي”، كانت سبباً مباشراً في صياغة وظهور مصطلح “الذئاب المنفردة”، و”خلايا التماسيح”، التي أربكت حسابات الأجهزة الأمنية العربية والغربية، نتيجة تكليفها بتنفيذ العمليات المسلحة “من بعد”، في إطار تشبعها بالإطار الفكري من دون انتمائها للقوالب التنظيمية.

لم يقتصر “الإرهاب الرقمي” على التأثير الفكري المتطرف، في ظل اتجاه الجماعات الأصولية، لتوظيفه في قرصنة المواقع، أو الهجمات الفيروسية المُخلقة، والسطو على المعلومات السيادية والعسكرية، وتدمير البنية المعلوماتية للمؤسسات الحيوية المتعلقة بالتنمية الاقتصادية.

واقعياً بات “الإرهاب الرقمي” أو الإلكتروني، يمثل خطراً على أمن المجتمعات العربية واستقرارها في إطار تمرير سيناريوات “خرائط الدم”، التي وضعها مفكرو الإدارات الغربية والأميركية، نظراً لتمكنه من تطوير وسائله وآلياته تماهياً مع التكنولوجية الحديثة، وقدرته في صناعة فجوة كبيرة بين الجماعات الأصولية والأجهزة الأمنية المعنية بتتبع النشاط الديني ومحاصرة أطرافه وتجفيف منابع تمويله ودعمه اللوجستي.

لم تعد فصول النهاية للجماعات الأصولية بالقريب العاجل، في ظل احتلالها للإعلام الرقمي، الذي منحها القدرة على التمدد والبقاء والتأثير لسنوات طويلة، مع ضعف الدور الرقابي الأمني والمجتمعي، فضلاً عن إجادتها استغلال حالة “العزلة” التي فرضتها التطبيقات التكنولوجية حول الأفراد المستهدفين، وانفصالهم واقعياً عن محيطهم الاجتماعي، وتوظيفها في بناء “العزلة الشعورية”، تدريجياً، والتي نظَّر لها سيد قطب في كتاباته حول الجاهلية والحاكمية.

لا شك في أن تيارات الإسلام الحركي، نجحت في إغراق المنصات الرقمية، بآلاف الوثائق والكتب، والتقارير المصورة، والأناشيد الثورية، التي تعبّر عن توجهاتها الفكرية، وتبرز سيطرتها على بقاع جغرافية عديدة، من خلال “بروباغندا إعلامية” مصنوعة تمكنها من ضم مناصرين جدد، (“داعش” و”القاعدة” نموذجاً).

تستلزم المرحلة الحالية أدوات مختلفة للتعامل مع الجماعات الأصولية في ما يخص تجفيف منابع استقطاب وتجنيد الشباب عبر منصات “الإعلام الرقمي”، لعل من أهمها تكثيف تأسيس المنصات البديلة التي تعمل على تفنيد الانحرافات الفكرية والحركية لهذه الجماعات، وتفضح تاريخها الإجرامي ومخططها المختبئ خلف القيم الدينية.

تفعيل دور المؤسسات الدينية الرسمية في طرح رسائل إعلامية رقمية، له أهمية كبيرة في الحد من هيمنة تيارات الإسلام الحركي، على المشهد الديني، واستنطاقهم للمنهج القرآني والنبوي في شرعنة جرائمهم، إلى جانب تشكيل كيانات ضغط سياسي وإعلامي للعمل على حجب المحتوى المتطرف من منصات “الإعلام الرقمي”، لخطورة تأثيره السلوكي والنفسي على الدوائر المجتمعية.

تمثل إسهامات “مراكز الفكر” والمؤسسات البحثية الرسمية والمدنية، في إطار المعركة الوجودية مع جماعات الإسلام السياسي، نقطة فاصلة في استبيان جوانب وإشكاليات ظاهرة “الإرهاب الرقمي”، المتعلقة بدوافعه النفسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ووضع طرق المعالجة والوقاية.

سيظل وباء “الإرهاب الرقمي” ينخر في عظام المجتمعات العربية وسلامتها، ما لم يتم صياغة مشاريع قومية كبرى، تتضافر فيها جهود المؤسسات الرسمية، وتعمل على وقف المد الفكري والتنظيمي للجماعات الأصولية، وتمتلك القدرة على تفكيك بنية خطابها الاستعلائي، وتطرح البديل الدعوي المعتدل والآمن، والمتوافق مع روح الرسالة المحمدية ومقاصدها.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى