شؤون مكافحة الاٍرهاب

عمرو فاروق: الإخوان بين بيعة المقابر وبيعة لندن

عمرو فاروق 21-11-2022م: الإخوان بين بيعة المقابر وبيعة لندن

تُعد أزمة “البيعة” داخل جماعة “الإخوان”، أحد عوامل تفككها التنظيمي، على مدار المراحل الزمنية المختلفة، ابتداءً من فترة حسن الهضيبي، ومصطفى مشهور، مروراً بسنوات محمد بديع ومحمود عزت وإبراهيم منير، انتهاءً بـ”بيعة لندن”، وما يترتب عنها من نتائج تنتظرها القواعد التنظيمية خلال الأيام المقبلة.
تمثل “بيعة المقابر” التي ابتدعها مأمون الهضيبي، نقطة تحول في علاقة التنظيم الدولي لـ”الإخوان”، بـ”مكتب الإرشاد” في القاهرة، بعد مبايعته مصطفى مشهور، أثناء دفن المرشد الرابع، محمد حامد أبو النصر، في كانون الثاني (يناير) 1996، متجاهلاً الضوابط التنظيمية التي تنظم عملية انتخاب المرشد، من قبل مكتب شورى التنظيم الدولي.
كانت “بيعة المقابر”، بمثابة مراوغة حركية لتفويت الفرصة على “إخوان الكويت”، و”إخوان لبنان”، واتفاقهما في ما بينهما على اختيار المراقب العام لـ”الإخوان” في لبنان، فيصل مولوي، مرشداً عاماً للجماعة، عقب مشاورات وتأييدات واسعة تمت على نطاق فروع التنظيم الدولي، احتجاجاً على وقف منصب “المرشد” على “إخوان” القاهرة.
ما زالت جماعة “الإخوان” على صفيح ساخن منذ إعلان وفاة إبراهيم منير، القائم بأعمال مرشد الجماعة، والأمين العام للتنظيم الدولي، والممثل الرسمي لجبهة “لندن”، في ظل التنازع الدائر حالياً بين جبهات “الإخوان” الثلاث، على شرعية الجماعة، والهيمنة على قواعدها ومؤسساتها التنظيمية.
الصراع “الإخواني” المكتوم والكامن في عمق العاصمة البريطانية، منقسم بين أطراف محسوبة على جيل القيادي التكفيري سيد قطب، المعروفين تنيظيماً برجال “التأسيس الأول”، وبين جيل المرشد الثالث، عمر التلمساني، المعروفين برموز مرحلة “التأسيس الثاني”.
الخلاف الراهن حول “بيعة”، مرشد “الإخوان”، تضع الجماعة ومستقبلها التنظيمي على مفترق الطرق، إما أن ترمم العلاقات المتصدعة بين جبهاتها المتصارعة، وتعيد تشكيل كياناتها الداخلية، وإما أن تسير في طريق اللاعودة والتشرذم، وتشهد المزيد من الانشقاقات المتوالية.
التكهنات التي تم تسريبها أخيراً من داخل الجدار التنظيمي، تطرقت لقضية “البيعة العامة” للمرشد، وليس لنائبه أو للقائم بالأعمال، في ظل اختلال المشهد الداخلي، وانتفاء شروط الإبقاء على محمد بديع في منصبه كمرشد عام لـ”الإخوان”، وفقاً للوائح الداخلية التي تسقط وتعطل صلاحية “السجين”، تماهياً مع قاعدة “ولاية الأسير” التي تعتمدها الجماعة كمرجعية حركية وفقهية، لا سيما بعد صدور أحكام ضده تترواح بين المؤبد والإعدام في قضايا جنائية عدة.
الأيام المقبلة ستشهد ما يترتب على “بيعة لندن”، من نتائج وقرارات مصيرية متعلقة بتوجهات الجماعة وهيكلها التنظيمي، في ظل صراع قائم بين “جبهة إسطنبول” بزعامة محمود حسين ومصطفى طلبة، وبين “جبهة لندن” المنقسمة حالياً حول اختيار خليفة إبراهيم منير، ومدى قدرتها على التمسك باستراتيجية التحول إلى الإطار الفكري، ومضامين ما عُرف بـ”وثيقة لندن”.
لم تجد “جبهة لندن” سبيلاً أمامها سوى الإعلان عن اعتماد محيي الدين الزايط، مسؤولاً إدارياً عن الجماعة، للخروج من المأزق التنظيمي، في ظل منافسة قوية بين حلمي الجزار، ومحمود الإبياري، ومحمد البحيري، ومحمد عبد المعطي الجزار.
يمثل جيل سيد قطب، كل من محمد البحيري، المتهم الرقم (25) في قضية تنظيم (65)، والذي يحظى بتأييد واسع من قواعد “الإخوان” التنظيمية، ويعرف بمسوؤليته عن الكثير من الملفات الخارجية، والملقب بـ”المرشد السري”، للجماعة خلال المرحلة الماضية، وكذلك محمد عبد المعطي الجزار، المتهم الرقم (16) في قضية تنظيم (65)، والمسؤول الإداري لـ”إخوان” القليوبية سابقاً.
التسريبات الأخيرة، أظهرت الميل إلى اختيار محمد البحيري، لملء الفراغ التنظيمي الناجم عن وفاة إبراهيم منير، كمرشد عام للجماعة، في ظل مقدرته على حسم المنافسة أمام كل من حلمي الجزار، ومحيي الزايط، فضلاً عن إمكانه صناعة صيغة توافقية لاحتواء الجبهات الثلاث، لا سيما أن شخصية إبراهيم منير، حالت دون إتمام مساعي التوافق وإنهاء الخصومة التي قادها محمد أحمد الراشد.
الاستقرار على تنصيب محمد البحيري مرشداً لـ”الإخوان” بديلاً رسمياً لمحمد بديع، وليس قائماً بأعمال المرشد، تجاوزاً للوائح الداخلية، من شأنه عرقلة محاولات تصعيد محمود حسين لمنصب القائم بالأعمال من قبل جبهة “إسطنبول”، وفقاً لتسريبات داخلية، وتمكينه من السيطرة على الجماعة، نظراً لقوة موقفه لوائحياً وتنيظيماً، كونه عضو مكتب الإرشاد الوحيد الموجود في الخارج، في ظل بطلان قرارات الفصل الصادرة عن إبراهيم منير قبل وفاته ومخالفتها قرارات مجلس الشورى العام.
من المتوقع خروج محمود الإبياري من السباق الإرشادي، في ظل تزكيته لتولي منصب الأمين العام للتنظيم الدولي، ودخوله في مفاضلة مع إبراهيم الزيات الملقب بوزير مالية “الإخوان”، وأحد المشرفين على نشاط التنظيم في ألمانيا، لتمتعهما بعلاقات قوية مع مؤسسات التنظيم الدولي، وخبراتهما الطويلة في هذا الصدد.
السيناريو الأخر المطروح أمام قيادات الجماعة، يتمثل في اختيار أحد أبناء جيل عمر التلمساني، مثل حلمي الجزار، والذي يعد التوافق عليه، استكمالاً لمشروع العودة بالتنظيم إلى مرحلة ما قبل 2011، والتوقف موقتاً عن ممارسة السياسة، والتراجع عن الدخول في أي صدام أو تنافس مع النظام المصري، وفق استراتيجية غسل سمعة الجماعة من منهجية التكفير والعنف التي تروج لها جبهة “لندن” على مدار الأشهر الماضية.
كذلك يأتي محيي الدين الزايط، ضمن عملية ترميم الفراغ التنظيمي، في إطار “بيعة لندن” المنتظرة، ويعد التوافق عليه استمراراً للدخول بالجماعة في مسلسل الخلافات والصراعات الداخلية، فضلاً عن زيادة وتيرة الهجوم على الدولة المصرية، لا سيما أنه يتسم بطباع حادة، تميل إلى العنف والصدام والتصلب في الرؤية ووجهات النظر.
* كاتب مصري وباحث في شؤون الجماعات الأصولية

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى