عمرو العملة: إنتخابات البلديات ٠٠ وتأزيم التحديات!

عمرو العملة 10-4-2026: إنتخابات البلديات ٠٠ وتأزيم التحديات!
اليوم تبدأ المرحلة ما قبل الأخيرة من مراحل انتخابات مجالس الهيئات المحلية ؛هي مرحلة الدعاية الإنتخابية ؛ والتي تستمر لمدة أسبوعين ٠
لا مراء إذا ما قلنا ؛ أن هذه الإنتخابات ؛ تشكل محطة وطنية لافتة ليس فقط من حيث توقيتها ؛ بل كذلك من حيث دلالاتها العميقة ؛ في مسار تنمية ونهضة المجتمعات المحلية ؛ وركيزة أساسية للحفاظ على الإستقرار الداخلي وبناء مرتكزات وأعمدة الدولة ٠
ولعل؛ من باب الخبرة والتجربة في قطاع الحكم المحلي ؛ والمسؤولية الوطنية ؛ لا من باب إدعاء أو إحتكار الحقيقة ؛ حُق علينا أن نضع النقاط على الحروف ونسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقة ٠
ما يجري اليوم على سطح المشهد الإنتخابي ؛لا علاقة له بالتعاطي الديمقراطي ؛ بل هو تخريب ممنهج ؛ تقوده نفس الجهات ؛ التي تدعي وترفع شعارات الإصلاح والتغيير ؛ لكنها في الحقيقة تُضعف السلطة ومؤسساتها ؛ ولا تدافع أو تحمي إستقرار المجتمعات المحلية ؛ بل تعبث بها وتقوض عناصره الأساسية ؛ لا تدافع عن المصلحة العامة ؛بل عن مصالحها ومعادلاتها وحساباتها الذاتية الأنانية والآنية٠
إنه منطق مقلوب ؛
وأنا هنا أسجل العديد من الملاحظات ؛وسأركزها في نقاط محددة ؛ ودقيقة ؛ لمن يريد مناقشتها أو دحضها٠
من خلال مراقبتنا ومتابعتنا للمشهد الإنتخابي؛ نلحظ أن هذا المشهد ؛ بات مشهد متحول؛ يطفو على سطحه؛ تناقض صارخ ؛
لعل من أهم مظاهره:
١- كثرة وتنوع القوائم الإنتخابية؛ سواء على الصعيد الوطني ؛ أم الصعيد المحلي؛ وحيث الواقع الفلسطيني أثبت أن كثرة القوائم الإنتخابية لا يعني بالضرورة ؛ امتداداً شعبياً؛أوعمقاً ديمقراطياً؛ أو مؤشراً على حيوية ديمقراطية حقيقية ؛بقدر ما يعبر عن تعدد الولاءات الجهوية والعشائرية الضيقة ؛وتضارب المصالح والأهداف ؛ وممارسات إنتهازية ؛وبما يقود في أغلب الأحيان إلى التشتت والإنقسام والتنافس السلبي؛ والإخفاق في تحقيق الغايات المرجوة ؛وفي الوقت نفسه ؛ لتعري هشاشة التحول المدني ؛ والإنتقال من العصبية إلى المواطنة ٠
٢- لا يوجد أي ميزة لأي قائمة ؛ تميزها عن باقي القوائم ؛ في غياب التصورات والرؤى والأهداف والإستراتيجية المشتركة لكل واحدة منها ٠
٣- تحالف هذه القوائم ؛ تحالف شكلي ؛ وليس تحالف إنتخابي ٠
٤ـ العديد من القوائم ؛ قوائم يغلب عليها الطابع العشائري ؛ وافتقار مرشحيها إلى الأدلجة السياسية والفكرية ٠
٥-افتقاد قدرة هذه القوائم على التعاطي الديمقراطي ؛ من خلال بروز التنافس والصراع داخل القائمة الواحدة ؛وكذلك بروز الفردانية ؛ حيث كل مرشح داخلها؛ اختار ان ينشط منفرداً؛ يغرد خارج سرب الإجماع؛ بل يستحضر الطرح الفئوي أو القبلي والنزعات الشرائحية الضيقة٠
٦-الإنتخابات لم تعد محكومة بقيمة الفكرة أو عمق الرؤية والخبرة والتجربة ؛ بقدر ما أصبحت أسيرة ؛ منطق السوق ؛ حيث القيمة تقاس بمدى التداول والإنتشار وضجيج الشهرة؛ وقوة الصوت والمال وشراء الذمم؛ والحضور الصاخب الذي تصنعه المنصات الرقمية ؛ حيث يمنح المنبر لمن يمتلك سطوة المال؛ ويجيد الملبس والمظهر ( بدلة ؛ربطة عنق ؛شعر مصفف) لا لمن يمتلك الرصيد المعرفي ؛ والفهم والتحليل والتفكيك والإضافة؛ وهو ما يقود إلى تحول المشهد الإنتخابي من ميدان للتنافس ؛ إلى مجرد ” ضجيج انتخابي” أشبه ما يكون بضجيج أعراسنا وأفراحنا؛ينجم عنه تلوث سمعي؛
لا أحد منا يسمع احد؛ وهو ضجيح يرهق الإرادة الشعبية ؛ دون أن يعبر عنها وعن تطلعاتها وانتظاراتها من هؤلاء المرشحين٠
٧-والأخطر من ذلك كله ؛أن بعض المرشحين ؛ يعتقد أنه الشخصية الأهم في القائمة أو في البلد أو حتى في الكون ؛ولا يمكن أن يتخيل نفسه ألا يكون رئيس للمجلس البلدي ؛ ولو على حساب الآخرين وأنقاض بلدته ؛فمعظم المرشحين ؛ يضع عيناً على الرئاسة ؛ والأخرى على الجاه والنفوذ ؛ بل وزعامة عشيرته٠
٨- حتى القوائم التنظيمية ؛ وأشير هنا بالتحديد إلى قوائم( حركة فتح)؛ التي تعاني من غياب “الإلتزام التنظيمي” وطغيان الفردانية؛والأنا والأثرة والتنافس والصراع الداخلي ؛ وكذلك غياب الصراحة والصدق والوضوح وقانون المحبة الذي كان يحكم علاقاتها الداخلية؛بل أبعد من ذلك ؛ الا وهو التخريب المتعمد من قبل المغاضبون الذين ينتمون للحركة ؛ أومن مناصريها ؛ والذين لم يجدوا نصيبهم للترشح في هذه القوائم؛ وهم بذلك يخضعون لمقولة:” يا لعيب ؛ ياخريب”٠
٩-أثبتت التجارب الإنتخابية السابقة أن المواطنون ؛ يصوتون للأشخاص اكثر من البرامج أو التنظيمات والأحزاب التي ينتمون إليها٠
١٠- وأخيراً غياب الشفافية في الحضور والشفافية في مخاطبة الرأي العام المحلي ؛ لوجود شيء مخفي ” تحت الطاولة” لدى كل مرشح ؛ ووجود مال أسود ؛ بدأ يوزع مبكراً كمقدمة لحملة الدعاية الإنتخابية ٠
الخلاصة التي نستطيع الوصول إليها ؛ من مجموع هذه النقاط العشر ؛ هي أن مخرجات هذه الإنتخابات ستكون من السوء ؛ مالم تشهده أي انتخابات سابقة؛ حيث هشاشة التوافقات الداخلية؛ مؤشر حول مدى قدرة أو جاهزية؛مرشحي القوائم الفائزة لتقديم تنازلات متبادلة والإنخراط في مسار توافقي؛ يخدم المصلحة العليا ؛مما يشكل بيئة مثالية؛للفائزين أصحاب المال والنفوذ والعلاقات والمصالح ؛الذين سينشطون إلى عقد التحالفات ؛ المبنية على المال الأسود ؛ والمحاصصة داخل المجلس ؛ للفوز ؛ ب”مقعد الرئاسة”٠
ومن باب إكتمال الصورة ؛ في تقديري الشخصي ؛ سنكون أمام حالة من الفشل في ولادة مجالس متجانسة متناغمة ؛ وافتقارها إلى الرؤى المشتركة والبرنامج الواحد ؛ وستبقى ضعيفة تتجاذبها المصالح الذاتية؛ وهياكلها ضعيفة ؛ يصعب عليها؛ قيادة وتطوير العملية التنموية والخدمية في مجتمعاتها المحلية ٠
والمحصلة النهائية ؛ التأزيم من الداخل ؛ وتأزيم الأزمة التي تعاني منها البلديات ؛وتنوء بثقلها على كاهلها؛ حيث تتشابك التحديات التنموية والإستثمارية والخدمية؛ مع تطلعات مجتمعاتها المحلية ؛وتعالي نداءاتها لإصلاح ولتصويب ولتطوير هذه الهيئات ؛ ومحاربة الفساد المعشعش في أروقتها ؛ونهب المال العام ووقف الهدر والإنفاق العشوائي والنزف في موازناتها٠
*عمرو العملة خبير ومستشار في شؤون الحكم المحلي وإدارة البلديات


