عماد شقور يكتب - يا فاتح القدس خلِّ السيف ناحية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

عماد شقور يكتب – يا فاتح القدس خلِّ السيف ناحية

0 69

عماد شقور  *- 21/1/2021

اخيراً، وبعد ليل طويل تمدّد حتى غطّت عتمتُه أربعَ سنوات عجاف، ليلٍ حافل بكوابيس متلاحقة، متطابقة البدايات؛ يعرض فيها «رجل برتقالي» غريب الأطوار، تسكن جسده روح شريرة؛ ببث مباشر من البيت الأبيض/الأسود من السواد، «فرمانات» موقّعة بحبره الأسود فوق دماء ضحاياه، هي هدايا وأعطيات لإسرائيل، دولة الاحتلال وآخر استعمار في العالم: القدس عاصمة لإسرائيل، هضبة الجولان السورية أراض إسرائيلية «محرّرة» الأغوار الفلسطينية تضم إلى إسرائيل، (الدولة العضو الوحيدة في هيئة الأمم المتحدة التي لم تودع في ملفها خريطة تبين حدودها) شطب الأونروا، وغير ذلك الكثير الكثير.

لم تقتصر «فرمانات الرجل البرتقالي» على محاولات شطب شعب فلسطين وحقوقه الطبيعية والشرعية والمشروعة، بل تعدت ذلك بالخروج والانسحاب من اتفاق 5+1 مع إيران؛ واتفاق باريس بخصوص البيئة والاحتباس الحراري؛ ومن اليونيسكو؛ والمناكفات مع الهيئات والمؤسسات القضائية العالمية المنبثقة عن الأمم المتحدة؛ ورفع من وتيرة التنافس مع الصين، حد الوقوف على عتبة صدام عسكري كان سيشعل حربا عالمية ثالثة، بأسلحة حديثة قادرة على تدمير العالم بأسره، وغير ذلك الكثير.

ثم لم يكتف بالإساءة لفلسطين، وللعرب، وللمسلمين، ولقارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية (والجدار مع المكسيك، وإبعاد آلاف الاطفال عن عائلاتهم)؛ فمدّد أذاه الى الولايات المتحدة ذاتها، حيث حرّض على الأقليات في بلده؛ وكابر في مواصلة التقليل من مخاطر وباء الكورونا، وتسبب في وفاة اكثر من 400 ألف أمريكي (حتى الآن) جراء اصابتهم بعدوى هذا الوباء؛ وختم هذا الأذى بتحريض مهووسين من مناصريه على اقتحام صرح الديمقراطية الأمريكية في العاصمة واشنطن، بهدف منع اقرار خسارته في الانتخابات، ونصب مشنقة لنائبه.

أراد الرجل البرتقالي غريب الأطوار فك العزلة عن إسرائيل، مستخدما موقعه في مركز القرار في بلاد القوة الأعظم في العالم، فأجبر عددا من الأنظمة العربية على التطبيع مع إسرائيل، لكن النتيجة الحقيقية العملية الواضحة، أنه أدخل بلاده، رغم أنها الأقوى في العالم، إلى دائرة العزلة، حيث صارت أمريكا نفسها هي المعزولة عن أقرب حلفائها في أوروبا وغير أوروبا؛ وانتهى به الأمر امس ان اصبح، هو شخصيا، «الرئيس المعزول» من غالبية الأمريكيين، ومن حزبه، الحزب الجمهوري الأمريكي، بل ومن نائبه مايك بِنِس،..ولن نتفاجأ ابدا اذا وصل مسلسل العزل الى زوجته (الحالية) مالينيا، التي أظهرتها لقطات تلفزيونية عديدة وهي حريصة على الابتعاد عنه.

تذلّل الرجل البرتقالي لرئيس كوريا الشمالية، كيم جونغ اون، لأنه يمتلك سلاحا نوويا. وتنمرد على الشعب الفلسطيني، لأنه اقل شعوب الارض امتلاكا للسلاح، ولعناصر القوة العسكرية، بفعل خضوع مكوناته الثلاثة للتمييز، والأبرتهايد، والاحتلال، والاستعمار، والحصار، والتهجير، واللجوء. لكنه تلقى صفعتين: لم يحصل، رغم التذلل لكوريا الشمالية، على أي تنازل أراده؛ ولم يحصل، رغم تنمرده على شعب فلسطين، على التنازل ولو شعرة واحدة عن الحقوق الشرعية الفلسطينية التي اقرتها الشرعية الدولية، ممثلة بقرارات الأمم المتحدة.

أعطى ترامب سيفه الأمريكي لنتنياهو ليفتح القدس، فأعاد الى الذاكرة ما ترويه كتب التاريخ عن دخول الجنرال البريطاني، ادموند اللنبي، يوم 11.11.1917 مدينة القدس «فاتحاً» بعد خضوعها للحكم العثماني اربعة قرون كاملة، (1517 ـ 1917) وفي حينه، نشر أمير الشعراء، احمد شوقي، قصيدته التي انتهت بالابيات الثلاثة، (التي كررها المطران الفلسطيني، بطرس المعلم، في كلمة له عندما استقبله الزعيم الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، في مقر الرئاسة في رام الله، ربيع 2002):

يا فاتح القدس خلِّ السيف ناحية // ليس الصليب حديداً كان بل خشبا،

اذا نظرتَ الى اين انتهت يدُه // وكيف جاوز في سلطانه القُطًبا،

علمتَ أنّ وراءَ الضَّعف مقدرة // وأنّ للحقِّ لا للقوةِ الغلبا.

طالما عدنا الى تاريخ تلك الحقبة والحادثة، قبل قرن وثلاث سنين، فانه لا يضيرنا التذكير بروايتين تتناقلهما الكتب والألسن، حيث يروون ان الجنرال اللنبي ترجّل عن حصانه عند أسوار القدس، وقال لمستقبليه انه لن يدنس شوارع المدينة المقدسة بحوافر حصانه، وسيدخلها مشيا على قدميه. اما الحادثة الثانية، فهي ما ترويه الأناجيل عن ان السيد المسيح دخل القدس، في يوم أحد الشعانين، (الذي يسبق احد عيد الفصح والقيامة) «ممتطياً ظهر حمار ابيض ابن أتان» ويقول بعض مفسري وشارحي الاناجيل واهدافها وايحاءاتها، ان هذا كان تطبيقا لنبوءات سابقة من جهة، وكان، من جهة ثانية، ايحاء بأن الدخول الى القدس يتم سلميا، وليس على ظهر حصان، في زمن كانت فيه الأحصنة رمزاً للغزو والقتال والمعارك، في حين يرمز الحمار الى السلام والطيبة والوداعة.

ننتقل من كل هذا التاريخ الى واقعنا في هذه الايام، حيث نرى في سقوط ترامب، (وما يرمز اليه من ظلم وتمييز واستقواء على الأقليات، وعلى والجماهير التي تناضل للحصول على حقوقها الطبيعية في الحياة الحرة الكريمة، وعلى شعبنا الفلسطيني، الذي يعاني من التمييز والاحتلال والاستعمار والتهجير) بداية لسقوط «قلاع الترامبية» ومن أبرزها وأكثرها وقاحة، قلعة نتنياهو الإسرائيلية، وامثاله في الهند وبولندا وهنغاريا، والكثير من انظمة الحكم الشعبوية في العالم.

يرث الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، من سلفه، دونالد ترامب، بلدا ممزقا، يعاني من توتر غير مسبوق بين مكوناته وأصول هذه المكونات العرقية والدينية والطائفية، ويعاني من عزلة غير مسبوقة عن حلفائه التاريخيين، وعلاقات متوترة مع العديد من دول عظمى عالميا واقليميا. وتقول تقارير المتابعين انه سيعتمد سياسات نقيضة لسياسات ترامب في العديد من الموضيع والقضايا الأمريكية الداخلية، والقضايا الدولية، وسياسات شبه نقيضة في مواضيع وقضايا اخرى.

يعرف الفلسطينيون أن سياسة بايدن في ما يخص صراعنا مع إسرائيل، وكذلك ما يخص الصراع العربي الصهيوني، لن يكون مطابقا لسياسة ترامب، ولكنه لن يكون نقيضا لها أيضا.

هذه الأيام التي نعيشها، والأسابيع والأشهر القليلة المقبلة، هي مرحلة جديدة في مسلسل صراعنا مع الاحتلال والاستعمار الإسرائيلي، يتحدد فيها، ومنذ لحظاتها الأولى، الاتجاه الذي تتطور الأوضاع نحوه. ومن هنا تنبع أهمية كل خطوة وكل مبادرة فلسطينية وكل رد فعل فلسطيني. وربما كان في إقرار التقدم باتجاه الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني، وللرئاسة الفلسطينية، للمجلس الوطني الفلسطيني، ما يبشّر بالخير، ويعيد للديمقراطية الفلسطينية رونقها وحيويتها، الأمر الذي يشكل قاعدة صلبة لانطلاقة نضالية تنهي لعنة الانقسام والتمرد.

تعرف الإدارة الأمريكية الجديدة، ويعرف العالم اجمع، بل وتعرف إسرائيل ايضا، أن الشعب الفلسطيني لم يتنازل عن ذرة من حقوقه التي أقرتها الشرعية الدولية، حتى وهو في اضعف حال يمر به منذ انطلاقة فتح، ومنذ تسلمها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قبل اكثر من خمسة عقود، ورغم المعاناة من الانقسام، ومن الحصار، ومن تخلي بعض»ذوي القربى» ايضا.

وهذا ما يعني استحالة التقدم دون الإقرار والتنفيذ العملي لما أقرته تلك الشرعية، وأن تنكر إسرائيل لهذه الحقوق، مدعومة من اقوى قوة في العالم وصلت الى طريق مسدود.

كثيرا ما يتردد تعبير «الضوء في نهاية النفق». لكن ما نشهده هذه الأيام هو تقدم إسرائيل بقيادة نتنياهو، على طريق ساطع الإنارة، بخطى واسعة وسريعة، باتجاه مدخل نفق مظلم لا مخرج لها منه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.