عماد شقور يكتب - بداية العَدّ العكسي للمرحلة «الترامبية» - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

عماد شقور يكتب – بداية العَدّ العكسي للمرحلة «الترامبية»

0 37

عماد شقور  *- 12/11/2020

حقيقة الانتهاء العملي لـ«حقبة ترامب» في البيت الابيض، رئيساً للقوة العظمى الاولى في «عالم اليوم» يشكل بداية النهاية لمرحلة سيّئة في عصرنا، حيث أن لهذا السقوط دوِيّا يستدعي من الذاكرة ما قاله شاعر العرب، المتنبي: «تداوَلَ سَمْعَ المَرءِ أنمُلُهُ العَشرُ».

دونالد ترامب هو الرئيس الفعلي لمجلس ادارة «نادي الترامبية العالمي» وسقوطه هو بدء سقوط «ترامبات» عالمنا، الحاكمون في عدد من دول العالم، بدءاً من إسرائيل، مروراً بالهند والفلبين والبرازيل وبولندا وهنغاريا، ووصولاً الى «ترامبات» عالمنا العربي، وبعض حكام منطقة الشرق الأوسط.

شكّل وصول ترامب الى الرئاسة الأمريكية حماية فعلية لكل هؤلاء، وشكّل نهجه في الحكم والتعاطي مع جميع الملفات الوطنية المحلية، والملفات الدولية قاطبة، على السواء، مثالا يحتذى لهؤلاء، وهو اسلوب «بلطجة» خاصة على الصعيد الدولي، تمثَّل في فرض «أتاوات» و«بدل حماية» من عصابات بلطجية منافسة (بعضها حقيقية، وغالبيتها متوهَّمة) وحصارات وقوائم بدول ومؤسسات وافراد تفرض عليها عقوبات ومقاطعة، وتوزيع «ارزاق» من خزائن الغير واراضي اوطانهم بمزاجية مقيتة، هذا من جهة، والتصرف بدونية وتملّق وابتذال لمن لا ترهبه صواريخ وقنابل أمريكا، من جهة ثانية، (راجع اسلوب تعامل ترامب مع زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، والانتقال من «زر كبسة قنبلتي الذرية اكبر من زر قنبلتك، الى دونية اللقاءات الثلاثة معه وآخرها الاستئذان بالتقدم خطوة على طرف حدود كوريا الشمالية) والتنمّر الفج في التعامل مع كل من لا يملك سلاحا نوويا، من الأمم المتحدة والهيئات المتفرعة عنها: محكمة العدل الدولية واليونيسكو وصولا الى الأونروا وغيرها الكثير، من إيران وفنزويلا وسوريا وامارات ودول عربية، وحتى منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.

كل واحد من هذه الملفات، ومن هؤلاء «الترامبات» جدير بمقال خاص به، بل وربما بفصل من كتاب، اذا لم نقل بكتاب كامل. لكننا هنا محكومون بضيق المساحة المتاحة، وسنقصر ما هو متاح على معالجة موضوع «الانعكاسات المباشرة لإخراج ترامب من البيت الابيض على الساحتين: الإسرائيلية والفلسطينية» وحتى هذا باختصار يصل حد الإختزال:

1ـ إسرائيل: شيء من التاريخ، ودروسه، لا يضيرنا: كانت بريطانيا «العظمى» (!) منذ البدء وراء التخطيط والإعداد لإقامة إسرائيل على ارض فلسطين، (ولتفصل المشرق العربي عن المغرب العربي) وكانت إسرائيل منذ إقامتها حليفة/تابعة لبريطانيا، وللغرب الاستعماري عموما، وتطاولت هذه، مع بريطانيا وفرنسا في «العدوان الثلاثي على مصر» في خريف سنة 1956، واحتلت هذه قطاع غزة وكامل شبه جزيرة سيناء.

لم يرق الأمر لأمريكا، فأمر رئيسها في حينه، الجنرال دوايت آيزنهاور، (بتوافق نادر مع الاتحاد السوفياتي، ايام نيكيتا خروتشوف) بالإنسحاب الى خطوط هدنة سنة 1949، وكان قرار الانسحاب مشروطا بأن يتم حتى ظهر يوم 15 آذار/مارس 1957.

كان بن غوريون في بداية تلك المرحلة منتشياً، الى درجة انه تحدث عن مرحلة بدء حقبة «الهيكل الثالث» وقال ان التوراة تحدثت عن الجزر الثلاث في خليج العقبة، واعطاها اسماء منسوبة الى الاساطير فيها من «عهد سليمان» (الملك عند اليهود، والنبي في الإسلام).

“يجب التشدد المطلق في حصر المفاوضات في موضوع الجدول الزمني لتطبيق قراري مجلس الأمن: 242 و338 والمبادرة العربية، وما اقترحه الرئيس الأمريكي كلينتون بخصوص القدس “.

بإجبار إسرائيل على الانسحاب الكامل، وانهاء الهيمنة البريطانية على كل ما هو «شرق السويس» وترسيخ الهيمنة الأمريكية المطلقة على كل ما له علاقة بإسرائيل، اصبح بن غوريون، «مهندس» دولة إسرائيل (!) عبئاً على إسرائيل، لكنه تمكن من المحافظة على كرسي رئاسة حكومتها سبع سنين، الى ان اخلاه سنة 1963 لصالح ليفي اشكول، الذي نقل غالبية «البيض الإسرائيلي» من سلّة اوروبا الغربية، إلى السلة الأمريكية. (وتروي مصادر صحافية إسرائيلية، من تلك الأيام، ان وزير الزراعة في حكومة اشكول، حاييم غباتي، شكا وتخوف من تعرض إسرائيل لمصاعب بسبب الجفاف وندرة المطر، وتقلص الانتاج الزراعي في تلك السنة، فسأله اشكول عن «موسم الامطار في نبراسكا» وعندما اخبره ان الوضع في تلك الولاية/الدولة الامريكية جيد، انهى اشكول الحوار بقوله: اذا كان الوضع جيدا في نبراسكا، فإن إسرائيل بخير ولا خطر مجاعة يتهددها».

رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي، بنيامين نتنياهو، تحوّل، (مع سقوط ترامب) من مجرد «عبءٍ» على إسرائيل، الى «عبءٍ استراتيجي» عليها، لأسباب كثيرة، لا يتسع المجال لتعدادها وشرحها، لكن اهمها انه تسبب في خسارته كل تأييد له، (وبدرجة اقل لكل اليمين العنصري الفاشي في إسرائيل) حتى من اكثر المعتدلين في الحزب الديمقراطي. واذا كان سقوط مؤسس إسرائيل استغرق سبع سنين، فإن سقوط نتنياهو (في اعتقادي) لن يستغرق اكثر من سبعة اشهر.

2ـ فلسطين: يشكل سقوط ترامب بداية لعودة علاقات فلسطينية أمريكية، (يمكن تحمّلها) بعد كابوس متواصل لأربع سنين قضاها ترامب. وعلامات ذلك واضحة في نص ما قاله الاخ الرئيس ابو مازن تعقيبا على فوز الرئيس الامريكي المنتخب، خطياً، وبعد ذلك شفهياً في كلمته امس الاول في الذكرى السادسة عشرة لاستشهاد القائد والزعيم المؤسس ياسر عرفات.

على انني هنا، ساعود للتاريخ هذه المرة ايضا: كان الرئيس الأمريكي الاسبق، جون كيندي، على عتبة بناء علاقات متوازنة مع الزعيم العربي، جمال عبد الناصر، ونذكر في هذا السياق رسالة عبد الناصر الى كنيدي، التي تضمنت الجملة الخالدة: «لقد اعطى من لا يملك لمن لا يستحق». لكنه تم اغتيال الرئيس كيندي بعد ذلك بأشهُر، وورثه، في البيت الابيض، نائبه ليندون جونسون، في نوفمبر/تشرين الثاني 1963، وكان له الدور الأكبر في تعزيز قدرات إسرائيل العسكرية ودعمها في انزال اكبر هزيمة مشينة للأمة العربية، في حزيران/يونيو 1967، وحماية ما كسبته من احتلال الارض العربية.

ثم من التاريخ القريب جدا: الرئيس الأمريكي المنتخب، بايدن، قام بزيارة لإسرائيل عندما كان نائبا للرئيس باراك (حسين) اوباما، (كما يحب أن يسميه نتنياهو واليمين العنصري الإسرائيلي، وكذلك اليمين الظلامي الأمريكي) واختار نتنياهو الاعلان عن قرار توسيع كبير للمستوطنات/المستعمرات على اراضي الدولة الفلسطينية، في الضفة الغربية، («الضفة الفلسطينية» كما يحرص الكاتب الصحافي حمادة فراعنة على تاكيدها) وهو ما اعتبره بايدن صفعة شخصية له. هذا الرئيس المنتخب، الحريص على التمركز في الوسط داخل الحزب الديمقراطي الأمريكي، اختار لمنصب نائب الرئيس، كامالا هاريس، وفي ملفها مواقف شديدة التأييد لإسرائيل، ومتزوجة من يهودي امريكي. هذه حقيقة يجدر بالمسؤول الفلسطيني اخذها بالحسبان، وتحديد اسلوب تعامل معها، يحرص ويسعى ويبذل جهدا كبيرا لضمان دفعها لاتخاذ مواقف متوازنة في كل ما له علاقة بفلسطين والقضية الفلسطينية. ولعل ما يزيد من اهمية ذلك، حقيقة أن بايدن سيحتفل في العشرين من الشهر الجاري بعيد ميلاده الثامن والسبعين، ما يعني احتمال ان تخلفه هاريس في الرئاسة الأمريكية، ولكن المؤكد انها ستكون أكثر انخراطا في رسم السياسات الأمريكية، ومتابعة تطبيقها مِن كل مَن شغل منصب نائب الرئيس قبلها. وكل ذلك دون ان يغيب عن ذهننا ان بايدن هو ثاني رئيس امريكي كاثوليكي، أي من خارج الـ»WASP» حيث كان الرئيس كيندي هو الأمريكي الكاثوليكي كيندي، الذي تعرض لعملية اغتيال متقنة، لا تزال تحظى بتفسيرات وتعليقات وتكشف حقائق رغم مرور 57 سنة على وقوعها.

واضح تماما اننا على ابواب مرحلة جديدة في العلاقات الفلسطينية الأمريكية. وواضح ان امريكا بايدن ستعيد فتح طريق «مسيرة التسوية» (!!) وفتح باب «المفاوضات» (!!). يجدر بالمسؤول الفلسطيني الحرص على عدم الوقوع في أيٍّ من الخطأين: خطأ رفض «مبدأ» المفاوضات، وخطأ القبول بالسير في طريق «المفاوضات العبثية»؛ وهذا ما يستدعي التشدد المطلق في حصر المفاوضات في موضوع الجدول الزمني لتطبيق قراري مجلس الأمن: 242 و338 والمبادرة العربية، وما اقترحه الرئيس الأمريكي كلينتون بخصوص القدس.

*كاتب فلسطيني .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.