عماد شقور يكتب – المنتصران في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة
عماد شقور 3/10/2019
ما زال الارتباك سيد الموقف في إسرائيل، على صعيد شكل الحكم، وتركيبة الائتلاف الذي تتشكل منه الحكومة المقبلة. ولا يعود الارتباك لسبب واحد، وانما لعدة اسباب متشابكة، يزيد كل واحد منها تعقيدا على تعقيد قائم ومتواصل منذ اكثر من عام.
يمكن تسجيل الأهم بين تلك الاسباب على النحو التالي:
1 ـ وضع بنيامين نتنياهو، كرئيس للحكومة من جهة، وكمتهم في قضايا رشوة وسوء ائتمان وغير ذلك من جهة اخرى. فهو، (أ)، رئيس لحكومة مؤقتة، تستعد لتسليم المفاتيح، للحكومة التي يجري العمل على تشكيلها، وهو العمل الذي لم يحرز بعد أي تقدم، ويتذبذب ما بين المراوحة والتراجع، في احتمالات النجاح في تشكيلها؛ و(ب)، مكلف بتشكيل حكومة جديدة؛ و(ج)، متورط بقضايا جنائية عديدة، بدأ امس، الاربعاء، مسلسل الاستماع لأقوال «كتيبة» المحامين العشرة الذين كلّفهم بالدفاع عنه، وسيستمر هذا المسلسل اربعة ايام، يقرر بعدها المدعي العام الإسرائيلي، تقديم نتنياهو الى المحاكمة في كل، او بعض القضايا المرفوعة ضده، او اسقاط هذه القضايا واغلاق ملفاتها، وهو احتمال ضئيل للغاية، في حين ان الاحتمال الآخر المتوقع، هو جرجرة كامل الموضوع لأسابيع عديدة، وربما لأشهُر ايضا، تنتهي بتقديمه للمحاكمة واحتمال ادخاله الى السجن، او بتسوية تقوم على اساس اعتزاله العمل السياسي مقابل الغاء محاكمته، على غرار ما تم التوصل اليه قبل سنين، مع رئيس الدولة الإسرائيلي الاسبق، عيزر وايزمان.
2 ـ شبه تعادل بين قوة الحزبين الأكبر: الليكود وكَحول لَفان، (ازرق ابيض، او قل: كحلي لبني)، وشبه تعادل ايضا بين معسكري اليمين المتطرف واليمين العنصري والحزبين الدينيين اليهوديين المتزمتين، (الشرقيين والإشكناز)، من جهة، واحزاب الوسط واليسار، (بالمقاييس الإسرائيلية الصهيونية)، من جهة ثانية.
3 ـ مسارعة نتنياهو، وفور اعلان نتائج الانتخابات الاخيرة، الى بناء تكتل من 55 عضو كنيست، (من اصل 120 عضوا)، من حزبه، الليكود، وحزب «يمينا»، وحزبي اليهود المتزمتين، وتوقيع اتفاقية خطية، تنص على بقائهم موحدين، سواء في حال تشكيلهم الحكومة المقبلة، او في حال انتقالهم الى المعارضة، وتكليف نتنياهو بالتفاوض نيابة عن هذا التكتل. هذه الخطوة، الذكية/الخبيثة، حالت حتى الآن دون اجراء مفاوضات جدية مع حزب كحول لفان، الذي يصر أن تكون المفاوضات بينه، ممثلا للمقاعد الـ33 التي له في الكنيست الجديدة، وبين الليكود بمقاعده الـ32، وليس كممثل للتكتل الذي «اخترعه» نتنياهو. وهذا ما يجعل إمكانية نجاح أي من الحزبين الكبيرين في تشكيل حكومة جديدة امرا بالغ الصعوبة، (وإن يكن غير مستحيل)، الأمر الذي يعني احتمال سوق الإسرائيليين الى انتخابات ثالثة خلال عشرة اشهر فقط.
كل ما له علاقة بموضوع تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، هو امر بالغ الاهمية، بالنسبة لنا كفلسطينيين، نظرا لانعكاسه الفوري والمباشر على حياة مليوني فلسطيني يحملون بطاقة الهوية الإسرائيلية، ولانعكاسه ايضا على كل ما له علاقة بالقضية الفلسطينية بجميع أبعادها. لكن ما يفوق ذلك أهمية هو معرفة ان الانتخابات العامة الإسرائيلية في الاسبوع الماضي، والتطورات خلال الاسبوعين التاليين لها مباشرة، خلقت معادلات سياسية جديدة في إسرائيل، وليس على صعيد الآني والفوري فقط، وانما على صعيد المستقبل المنظور والمتوسط والبعيد ايضا.
خرج من هذه الانتخابات منتصران اثنان:
1 ـ منتصر تكتيكي مؤقت، محدود الصلاحية زمنيا، هو افيغدور ليبرمان، مؤسس وزعيم حزب «يسرائيل بيتينو»، (إسرائيل بيتنا)، اليميني العنصري لليهود المهاجرين من دول الاتحاد السوفياتي سابقا، وعددهم اكثر مليون يهودي إسرائيلي، هو القادر على ترجيح أي واحدة من الكفّتين المتنافستين على تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة.
كان النجاح في تشكيل قائمة مشتركة لخوض الانتخابات العامة في إسرائيل، عاملا غالبا وحاسما في احراز القائمة ثلاثة عشر مقعدا في الكنيست، ولتكون هي القائمة الثالثة من حيث الحجم في الكنيست
ونقول انه انتصار تكتيكي لأنه مجرد لعب محصور في ساحة إسرائيلية موبوءة اصلا بالعنصرية والشوفينية؛ ونقول انه انتصار مؤقت بصلاحية زمنية محدودة، لأن القاعدة الاساسية لهذا الانتصار، والمنبع لهذه الأصوات التي حصدها ليبرمان وحزبه، هم المهاجرون «الجُدُد».. الذين تلتغي عنهم صفة كونهم «جديدين» مع مرور الايام والسنين، وتقترب هذه القاعدة الانتخابية من اضمحلالها كلما اقترب وازداد ذوبان هؤلاء المهاجرين في المجتمع اليهودي الإسرائيلي، وانتهاء تشكيلهم كتلة متميزة وغريبة عنه، وهو الامر الذي يلاحظه ويراه كل متابع للأوضاع في إسرائيل. ولا بد، في هذا السياق، من الاشارة الى التصريح العنصري لليبرمان قبل ايام، من ان اليهود المتدينيين المتزمتين هم «خصوم ومنافسون»، في حين ان العرب في إسرائيل «اعداء».
2 ـ اما المنتصر استراتيجيا فهُم الفلسطينيون العرب في إسرائيل. هؤلاء المليونا فلسطيني، (وهم العرب الوحيدون في الشرق الاوسط، الذين ينعمون بالقدرة على ممارسة حقهم في التصويت، وبدون خوف، في ظل حكم عنصري بغيض، لكن فيه ديمقراطية حقيقية، وانتخابات حرة وشفافة).
هؤلاء المليونا عربي، اصحاب الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة، وبطاقة الهوية الإسرائيلية، قالوا كلمتهم صريحة مدوية في هذه الانتخابات العامة في إسرائيل، قالوا: نعم للوحدة الجامعة للفلسطينيين العرب، حول القضايا المصيرية الأساسية، في ظل اختلاف في التوجهات والآيديولوجات، وقضايا التدين والعلمانية والإلحاد والنظام الاقتصادي وكل ما له علاقة بذلك. قالوا: نلتقي حول الاهداف الوطنية الجامعة، ونختلف ونتنافس في مواجهات ديمقراطية سلمية. قالوا: موحَّدون حول حقوقنا الوطنية والقومية، نؤمن بأهدافنا النهائية، ونختلف حول الطريق والتوجه، ونتنافس على كسب تأييد جماهير شعبنا في إسرائيل.
لقد كان النجاح في تشكيل قائمة مشتركة لخوض الانتخابات العامة في إسرائيل، عاملا غالبا وحاسما في احراز القائمة ثلاثة عشر مقعدا في الكنيست، ولتكون هي القائمة الثالثة من حيث الحجم في الكنيست، والمرشحة لأن تكون زعيمة المعارضة في حال تشكيل حكومة وطنية إسرائيلية، او كتلة مشاركة في الائتلاف الحكومي، (وهو امر مستبعد جدا، في هذه المرحلة)، او جسما مانعا، مقابل تحقيق مطالب على الصعيد المحلي الحياتي، بكل ما له علاقة بالحقوق كأقلية وطنية، فيما يخص المساواة ووقف التحريض، والتمييز الايجابي تعويضا عن سنوات وعقود عجاف من الظلم والقهر والمصادرات والتهجير، وعلى الصعيد السياسي العام، بكل ما يخص القضية الفلسطينية، واقامة دولة فلسطينية مستقلة، وحل عادل للاجئين خارج خطوط/حدود سنة 1967.
كان هذا في معركة الانتخابات. لكن التيار الذي قاده رئيس القائمة المشتركة، ايمن عودة، واسفر عن توصية القائمة المشتركة في لقائها مع الرئيس الإسرائيلي، بتكليف زعيم حزب كحول لفان، بيني غانتس، تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، سجّل تطورا غير مسبوق على الاطلاق في تاريخ إسرائيل منذ اعلان اقامتها حتى الآن، حيث دخل العامل الفلسطيني في إسرائيل حَلَبَة الساحة السياسية في إسرائيل، وهو التطور الذي اعتبرته الغالبية العظمى من الكتاب والسياسيين في إسرائيل، «نقلة نوعية» و«تطورا تاريخيا»، و«خطوة مؤسِّسة» لمستقبل مغاير، (كما كتب بن كسبيت في معاريف)، و «ما يقوم به ايمن عودة الآن، وما يعرضه، وما يضعه على الطاولة، هو ثورة»، (كما كتب كوبي نيف في هآرتس، 29.9.2019)، وهو حدث مختلف عن كل ما شهدته الساحة السياسية الإسرائيلية منذ انشائها. وليس خروج حزب «التجمع»، لاحقا، على اجماع مكونات القائمة المشتركة، الا حدث طارئ، يمكن معالجته.
لا نبالغ إذا قلنا ان اعتماد ايمن عودة للنهج السياسي الواضح والشجاع والحكيم، والذي بدأت خطوته الجريئة المعلنة الأولى قبل اربعة اسابيع من الانتخابات، هي العامل الاهم، الذي دفع عشرات ومئات آلاف المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، لممارسة حقهم في التصويت، ورفع عدد المقاعد التي حصلت عليها القائمة المشتركة، من ثمانية مقاعد، (حسب غالبية الاستطلاعات قبل تلك المقابلة)، الى ثلاثة عشر مقعدا، وجعلت من القائمة العربية ثالث اكبر كتلة في الكنيست، بكل ما في ذلك من فوائد ومزايا وتأثير على السياسة الإسرائيلية.
كل ذلك، على اهميته البالغة، هو بداية الطريق لا اكثر، للأقلية الوطنية الفلسطينية في إسرائيل، وهو جدير بالدعم والتشجيع، لمواصلة النضال الفلسطيني المشروع، بكل ما هو متاح من ادوات عناصر القوة، لكل تجمّع فلسطيني، في داخل اراضي الدولة الفلسطينية، وفي داخل الداخل، مناطق الـ48، وفي مخيمات اللجوء والشتات.



