Take a fresh look at your lifestyle.

عماد شقور – فلسطين وأفغانستان من سُرّة آسيا إلى سُرّة العالم

0 110

عماد شقور *- 26/8/2021

 يقولون أن أفغانستان «سُرّة آسيا». ويقولون إن فلسطين «سُرّة العالم».

تربط أفغانستان بين ست دول، لها حدود مشتركة معها: الصين (من الشرق) إيران (من الغرب) باكستان (من الجنوب) وجمهوريات طاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان (من الشمال). وأفغانستان (بلاد الأفغان) «دولة حبيسة» بمعنى انها لا تُطِلّ على أي بحر.

تربط فلسطين بين قارتين، (وليس بضع دول فقط): آسيا وإفريقيا. وفلسطين، (باعتبارها واحدة من دول «بلاد الشام» الأربع: سوريا ولبنان والأردن وفلسطين) تربط بين قارات العالم القديم كلّها: إفريقيا وآسيا وأوروبا. وفلسطين (بلاد الفلسطينيين) تُطِلُّ على البحر الأبيض المتوسط، الذي يلامس البحر الأحمر، (بفضل قناة السويس)؛ ويلامس البحر الأسود، من مضيقي البوسفور والدردنيل؛ ويلامس المحيط الأطلسي، عند مضيق جبل طارق.

[ويقولون أن سُرّة فلسطين هي القدس، وأن سُرّة القدس هي كنيسة القيامة، وأن «القدس وضواحيها» هي دائرة قطرها 20 ميلاً، ومركز هذه الدائرة هو كنيسة القيامة، وذلك حسب الحكم الصادر عن «المحكمة الدائمة للعدل الدولي» في لاهاي، التي أنشأتها «عصبة الأمم» وما لبثت أن ورثتها «الأمم المتحدة» وحوّلت اسمها الى «محكمة العدل الدولية». عملت تلك المحكمة ستة عشر عاما، من سنة 1922 حتى نشوب الحرب العالمية الثانية سنة 1938، وأصدرت خلال هذه السنوات 22 حكماً فقط، كان أحدها هذا القرار الخاص بفلسطين، والذي ألغى قرار «المندوب السامي» البريطاني، اليهودي الصهيوني،«هربرت سامويل»؟، بسبب تجاوزه ومصادرته حقّاً ومُلكاً شرعياً ورسمياً، صادر من صاحب السيادة على أرض فلسطين، هو السلطة العثمانية، في حينه، وإعطاء مواطن يهودي روسي، هو الصهيوني بنحاس روتنبيرغ، امتياز انتاج وتوزيع الكهرباء لكامل الأراضي الفلسطينية، من النهر إلى البحر. لست خبيراً قانونياً، ولست متخصّصاً في القانون الدولي، لكنني مقتنع تماماً بإمكانية الإستناد إلى هذا الحكم، من المحكمة الدولية في أي مطالبات فلسطينية لإلغاء قرارات وأحكام إسرائيلية غير شرعية، في كل ما يخص ملايين المصادرات الإسرائيلية لأملاك وامتيازات لأفراد وهيئات فلسطينية، في مناطق الـ48 وأراضي الدولة الفلسطينية. وأقول لكل من يثير حقيقة ان المحكمة الدولية لا تقبل من الأفراد رفع قضايا أمامها: كم كنت محظوظاً ايها المواطن اليوناني، يوربيدس مفروماتس، الذي تبنّت اليونان، دولتك العريقة، قضيّتك العادلة، وحقّك في امتياز إقامة «شركة كهرباء القدس» من السلطة العثمانية، الذي حصلت عليه يوم 7.1.1914، ورفعتْ سُلطتُك قضيّتَك باسمها وأعادت لك حقّك الشرعي. فهل من سميع في فلسطين؟.. وهل من مُجيب في السُّلطة الفلسطينية؟].

من حق أهل أفغانستان الوطنيين الإحتفال بهزيمة الولايات/الدول المتحدة، ومن والاها من ضعاف النفوس في أفغانستان، ومن حقهم الإحتفال بيوم 15 آب/أوغسطس، يوم دخول مقاتلي حركة طالبان العاصمة كابول، وفرار «الرئيس/الدمية».. ومن واجب الفلسطينيين الوطنيين لفت انتباه فلسطينيين يوالون الإحتلال والاستعمار الإسرائيلي، الى صُوَر أمريكيين يحتضنون كلابهم الى مقاعد طائراتهم فارّين من «مستعمرتهم» ومتخّلين عن آلاف عملائهم الذين يتشبّثون عبثاً بأذيال الطائرات الهاربة، تماماً مثلما تخلّى جيش الإحتلال والاستعمار الإسرائيلي عن عملائه في جنوب لبنان عام 2000، عندما انهزم وهرب بفعل شجاعة وضربات المقاومة اللبنانية.. فهل يستيقظون؟.

على أن هزيمة وانسحاب وجلاء أي جيش استعمارٍ، ليس نهاية الطريق. انه أقرب الى كونه بداية الطريق التي يتوجب ان توصل الى ترميم ما هدمه الاستعمار، وبدء مرحلة الاستقرار والسعي الى تأمين حريات المواطنين وصون حقوقهم وتأمين مستقبل لهم ولأجيالهم اللاحقة.

عرف الزعيم المصري العربي، جمال عبد الناصر، كيف يستفيد، ويفيد شعبه المصري، وأُمّته العربية، من جلاء قوات الاستعمار البريطاني عن ارض مصر سنة 1956؛ وعرف الرئيس التونسي، الحبيب بورقيبة، كيف يستفيد ويفيد شعبه من جلاء قوات الإستعمار الفرنسي عن ارض تونس، (وإن بقيت مدينة بنزرت وميناؤها الى مرحلة قصيرة لاحقة)؛ وعرفت الجزائر، بلد المليون شهيد، أن تستفيد من هزيمة جيش الإستعمار الفرنسي، بعد 132 من الإستعمار؛ لكن غالبية بقية الدول العربية والإفريقية لم تحسن التصرف. كل ذلك لا يعني عدم ارتكاب اخطاء في مصر وتونس والجزائر.. لكن المحصلة النهائية اقرب الى الإيجابية. كما ان هناك خطوات وقفزات إيجابية في تلك البقاع المتحررة من الإستعمار المباشر.

فلسطينياً: انقلع الاستعمار الإسرائيلي عن قطاع غزة الفلسطيني. كيف هو الحال الآن في القطاع؟. طبعاً أنّ إسرائيل تحاصر القطاع من جهاته الست.. لكن ماذا عن الحريات بكافة أشكالها؟ ماذا عن التعليم؟، ماذا عن العدل؟ وغير ذلك الكثير.

لا بد من وقفة للتّمعّن وللتعمّق في صورتّي أفغانستان وفلسطين، وصورتَي أمريكا وإسرائيل: أفغانستان ليست مثل فلسطين: أفغانستان 650 ألف كيلومتر مربع، ما يعادل أكثر من 25 ضِعفاً عن مساحة فلسطين (من النهر الى البحر). أراضٍ جبلية وعرة هناك، وأراضٍ سهلية وتلال وبضع جبال هنا. أعلى قمة في أفغانستان 7500 متر عن مستوى سطح البحر، وعندنا البحر الميّت وأريحا 400 متر تحت مستوى سطح البحر. عدد سكان أفغانستان حوالي 40 مليون نسمة.. ثلاثة أضعاف أهل فلسطين في فلسطين وبلاد اللجوء والمهاجر. عندهم «تورا بورا» وكهوف لا تحصى، ليس عندنا لا تورا ولا بورا، ولا كهوف. عندهم باكستان (صاحبة أول قنبلة ذرية إسلامية) وعندهم الصين، ومحيط إسلامي داعم، (ومنافس الى معادٍ أحياناً) وعندنا محيط شعبي عربي داعم (لكنه مقهور) وأنظمة حكم عربية تغضُّ الطّرف عن قنابل دولة الإحتلال والاستعمار الإسرائيلي، (حسب مصادر أجنبية) وتتحالف ضد من يمكن أن يكون قادراً على انتاج «قنبلة ذرية إسلامية» (وإن كانت شيعية)؛ بل وإن إنتاجها وامتلاكها قد يكون سبباً لردع الإحتلال والإستعمار الإسرائيلي، من جهة، ودافعاً ومبرّراً لإنتاج قنبلة ذرية مصرية أو جزائرية أو عراقية مثلاً تردع إسرائيل.

في مقابل ذلك: إسرائيل ليست مثل أمريكا. الولايات المتحدة 50 دولة ورئيس واحد. من هذه الولايات/الدول (كاليفورنيا) صاحبة الاقتصاد السابعة بين دول العالم. في حين أن إسرائيل مجرّد دولة/حاملة طائرات، مزروعة في وسط أرض محيط عربي معادٍ. قوة أمريكا ذاتية ثابتة لا تحول ولا تزول (طالما بقيت لكل الولايات/الدول الأمريكية، عاصمة واحدة هي واشنطن، ورئيس واحد هو حالياً جو بايدن، وإدارة واحدة تخضع للرئيس مباشرة. وفي أسوأ الحالات، وفيما لو نجحت الصين في تحقيق طموحاتها، فإن تلك الولايات/ الدول المتحدة، ستكون الثانية كقوة أعظم في العالم) في حين أن «قوة إسرائيل الذاتية» (رغم ما يقال عن انتاجها وامتلاكها للقنبلة الذرية) تلامس الصفر، خاصة وأن عدوها المباشر الحقيقي هو أهل غزة ونابلس والخليل، وأي قنبلة ذرية عليها ستحرق تل ابيب ذاتها لو استهدفت أيٍّ من هذه الأهداف.

وسط هذا المحيط من أمواج وعواصف وأعاصير، سياسية وعسكرية وأمنية، خلقتها التطورات في العقد الأخير والسنوات الأخيرة، بل والأسابيع القليلة الماضية، وصل رئيس الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينيت، أمس في أول زيارة له، (وهو في منصبه الحالي) إلى واشنطن، للقائه الأول مع الرئيس الأمريكي، جو بايدن، في البيت الأبيض/الأسود. ماذا يمكن لهذا الثنائي، (بينيت بايدن) أن يرمّم مما هدمه الثنائي السابق، نتنياهو ترامب في السنين الأربع الماضية؟.

الثنائي ترامب نتنياهو بالغا في العداء والقرارات الهوجاء ضد الثنائي الإيراني الفلسطيني: خروج ونقض أمريكا اتفاق إيران مع 5+1 بخصوص تخصيب اليورانيوم في إيران، وفرض عقوبات وحصار على إيران، كان نعمة على طهران التي صمدت ووصلت، (حسب كل التقارير الصحافية والسياسية والأمنية) الى حافة القدرة على تخصيب اليورانيوم اللازم لإنتاج قنبلة ذرية خلال أسابيع معدودة، وليس سنوات وأشهُراً، كما كانت تقيّدها بنود ذلك الإتفاق.

اما على صعيد النتائج الملموسة للسياسة الغبيّة للثنائي نتنياهو ترامب تجاه فلسطين، فإنها أعطت للرئيس الفلسطيني، الأخ أبو مازن، محمود عباس، إمكانية تسجيل نقطة بالغة البياض الناصع في سِجلّ عهده: الوقوف بثبات ضد سياسة القوة الأعظم في العالم، من الإعتراف بالقدس، ( دون تحديد حدودها) عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية اليها، وإغلاق القنصلية الأمريكية في القدس العربية، إضافة الى افشال قرارات ضم أراضٍ من مناطق الـ1967 الى إسرائيل. وعن ازدياد قوة حماس.. حدّث ولا حرج.

كل ما يمكن للثنائي بايدن بينيت أن يرمّماه من خرائب وتدميرات الثنائي ترامب نتنياهو، لن يعيد الأمور الى الدّرك الذي كانت عنده الأوضاع، لا في فلسطين، ولا في إيران.

كوتيشن: هزيمة وانسحاب وجلاء أي جيش استعمارٍ، ليس نهاية الطريق. إنه أقرب الى كونه بداية الطريق التي يتوجب أن توصل الى ترميم ما هدمه الاستعمار، وبدء مرحلة الاستقرار والسعي الى تأمين حريات المواطنين وصون حقوقهم .

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.