أقلام وأراء

علي حمادة – عودة السّفراء: حماية الأمن القومي العربي تبدأ من بيروت؟

علي حمادة ١٠-٤-٢٠٢٢م

لا يختلف اثنان من المراقبين للوضع في لبنان على أن البلد دخل منذ الحادي والثلاثين من تشرين الأول (أكتوبر) 2016 ما يمكن تسميته بـ”عصر إيران”، إذ مثّلت التسوية الرئاسية الثلاثية التي جاءت بالجنرال ميشال عون إلى سدة الرئاسة نقطة التحول الرئيسية نحو هذا “العصر”.

فرغم أن القوى التي دافعت عن التسوية – وصول عون إلى قصر بعبدا – زعمت أن الأخير، رئيساً، سيعيد تموضعه السياسي، بحيث يخرج من حضن قوى 8 آذار التي يقودها “حزب الله” ليتموضع كرئيس وسطي، جامع، لا ينحاز إلى فريق دون آخر، وأنه لن يقترب كثيراً من المواقف التي كانت تعبّر عنها جبهة 14 آذار السيادية، لكنه قطعاً لن يعود جزءاً من التحالف يقيادة “حزب الله”، الذراع الإيرانية في لبنان. تأكدت نقطة التحول التي نتحدث عنها في ما بعد، من خلال تباطؤ عون في الانتقال إلى موقع وسطي في اللعبة السياسية اللبنانية، مكتفياً بمواقف لفظية أكثر مما هي عملية.

والحقيقة أن عون وتياره في الحكم سرعان ما كشفا وهم الوسطية في قصر بعبدا، من خلال تماديهما في الحديث عن أنه “الرئيس القوي” الذي أتى لاستعادة حقوق المسيحيين “السّليبة”. فبعد مرور بضعة أشهر على انتخابه، كانت له قبل زيارة رسمية للقاهرة في ربيع 2017 مواقف في الإعلام المصري تشكك بقدرة الجيش اللبناني على حماية لبنان، وتقدم تبريراً من رأس الدولة نفسه لتمسك “حزب الله” بسلاحه.

كان هذا جرس الإنذار الذي أيقظ الكثيرين من الذين “ناموا” على “حرير” وعود عون قبل الحادي والثلاثين من تشرين الأول 2016. في مطلع صيف 2017، أطلق الجيش اللبناني ما سُمّي بـ”معركة الجرود” لتصفية جيوب “داعش” وعدد من التنظيمات الإسلامية على حدود لبنان الشرقية مع سوريا. يومها اكتشف اللبنانيون، ومعهم العالم، أن القيادة السياسية العليا منعت الجيش من حسم المعركة، من أجل فسح المجال أمام “حزب الله” لإتمام تسوية تخرج المسلحين من المنطقة بأمان في حافلات نقل “مبردة”. مُنع يومها الجيش اللبناني من الانتصار وحده، وبان مدى تغلغل “حزب الله” في القرار السيادي الوطني اللبناني، في ظل وجود الرئيس ميشال عون في قصر بعبدا.  مضت سنة لم يعد عون تموضعه في الوسط. بقي حيث هو متنصلاً من وعود قطعها وصدّقها داعمو التسوية الرئاسية. 

في تلك الأثناء كان العمل جارياً بقوة على إقرار قانون جديد للانتخابات، يقطع مع القانون السابق على أساس أن يؤمّن عدالة أكبر في التمثيل الطائفي. انتهى الأمر بقانون أدى بعد انتخابات أيار (مايو) 2018 إلى انتقال الأكثرية النيابية التي كانت تتمتع بها قوى 14 آذار السيادية إلى التحالف الذي يقوده “حزب الله”، ويضم في صفوفه حزب رئيس الجمهورية “التيار الوطني الحر”. ويومها تغنى القائد السابق لـ”فيلق القدس” قاسم سليماني بامتلاك طهران غالبية 74 نائباً في البرلمان اللبناني من أصل 128. 

في تلك الأثناء كان الرئيس عون يؤكد، بممارساته وممارسات وزير الخارجية جبران باسيل، الانحياز التام إلى المحور الإيراني، أكان من خلال لعب دور المدافع عن السلاح، أم منحه تغطية الشرعية الرئاسية. ولعل الاختبار الأمرّ الذي أكد انحياز الرئاسة إلى “حزب الله” وإيران رفض وزارة الخارجية التي كانت بعهدة صهر رئيس الجمهورية التنديد بالاعتداء الإيراني على منشآت “أرامكو” سنة 2019. حصل هذا في الوقت الذي بدا من الناحية العملية أن رئيس الجمهورية لم يكتف بالانحياز الفاضح، بل تمكّن، لأسباب عدة، من تحييد رئاسة الحكومة، ما أدى إلى مد هيمنة “حزب الله” على الرئاسات الثلاث، ومجلس النواب، والحكومة التي انبثقت من غالبية نيابية مؤيدة لـ”حزب الله”، وبالتالي تشكلت حكومات ما بعد صيف 2018 من غالبية مؤيدة وحليفة لـ”حزب الله”. 

هذا الواقع أدى إلى ترك “حزب الله” من دون ضوابط، وقلّص إلى أبعد الحدود الحد الفاصل بينه وبين الدولة اللبنانية. فالتدخل في شؤون الدول العربية وتهديد أمنها، انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، حيث كانت الدولة تمنح الحزب غطاءً شرعياً كاملاً، أدّيا إلى رفع درجة الغضب العربي تجاه الشرعية اللبنانية المستقيلة من واجباتها. فمن الاعتداءات انطلاقاً من اليمن على المنشآت المدنية السعودية، إلى تهديد أمن البحرين والإمارات والكويت، تميّزت الحكومات اللبنانية المتعاقبة بغيابها التام، وتمنّعها عن تحمل مسؤولياتها. كل هذا فيما شكلت رئاسة الجمهورية غطاءً دائماً لسلوك “حزب الله” انطلاقاً من لبنان. 

وبدا واضحاً أن لبنان دخل “عصر إيران”، وأن مؤسساته انصاعت لإرادة “حزب الله”، في وقت جرى الاستهتار بالعلاقات مع الدول العربية استهتاراً مخيفاً لا سابق له. 

عكست أزمة تصريحات وزير الإعلام السابق جورج قرداحي خطورة الأزمة التي كانت تعتمل. خرج السفراء العرب من لبنان في سابقة لم تحصل منذ نشوء الكيان. لكن القطيعة الدبلوماسة، والتجارية جزئياً، لم تؤدّ إلى قطيعة نهائية. ويمكن القول إن التنسيق السعوي – الفرنسي الذي تجلى من خلال بيان جدة في كانون الأول (ديسمبر) 2021، شكل المحطة الفاصلة التي تغيرت فيها المقاربة العربية للوضع في لبنان. ففي ظل تنسيق عربي – فرنسي، كان الهم ألا يُترك لبنان ساحة سائبة وخالية لكي يستكمل “حزب الله” سيطرته، ويرسّخ أمراً  واقعاً سيكون من المستحيل العودة عنه لمدة طويلة. من هنا بدأت مسيرة العودة المتدرجة التي واكبتها مواقف من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي متمايزة إلى حد بعيد عن “حزب الله”. وجرى تجاوز رئيس الجمهورية باعتباره غير قابل لإعادة تأهيل. فأتت كل الخطوات الفرنسية والعربية عبر نافذة رئيس الحكومة، وتعاظم عزل رئيس الجهمورية عربياً ودولياً، بعدما تبين أنه لن يخرج عن موقعه التحالفي مع “حزب الله”. بعدها أتت “المبادرة الكويتية” لكي تفتح قناة العودة إلى لبنان، ثم بيان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، ورد وزارة الخارجية السعودية، بالتزامن مع إطلاق صندوق الدعم الإغاثي للبنان بمبلغ أولي يصل إلى خمسة وثلاثين مليون دولار. 

كان واضحاً أن السعودية، ومعها شركاؤها العرب، قررت العودة قبل الانتخابات، ولا سيما في شهر رمضان. والأهم أن العودة أتت في ظل مطالبة رأي عام لبناني واسع يصر على عدم إدارة العرب ظهرهم للبنان وترك بلاد الأرز تغرق أكثر تحت ضغط الهيمنة الإيرانية عبر ذراعها المحلية. كل ذلك على قاعدة إقامة توازن يمنع مزيداً من تمدد “حزب الله”، أكان عبر المؤسسات أم عبر الانتخابات، أم عبر تأكيد الحضور العربي والدعم العربي لمقاومة مشروع “حزب الله”. 

صحيح أن “حزب الله” حقق اختراقات هائلة في المعادلة السياسية والمؤسسات والرئاسات. لكن هذه الاختراقات لن تكون نهائية إذا ما جرت مواجهتها بدعم عربي حقيقي. فإهمال لبنان في معركة السيادة له مفاعيل سلبية، لا سيما في ظل تنامي قوة ذراع إيران في لبنان، وهذا يفاقم من عامل تهديد الأمن القومي للدول العربية.

فمواجهة التهديدات تبدأ من العمل الجاد لإعادة التوازن في لبنان، بدعم المشروع السيادي الاستقلالي العربي على كل المستويات، لكي يمنع ابتلاع ما تبقى من لبنان. وإجهاض ما يسمى “العصر الإيراني” يبدأ من بيروت، وحماية الأمن القومي العربي تبدأ من بيروت أيضاً. بالنسبة إلى السياديين العرب هذا هو معنى عودة العرب إلى لبنان.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى