علي الجرباوي يكتب - السلطة وبايدن : الفرصة الأخيرة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

علي الجرباوي يكتب – السلطة وبايدن : الفرصة الأخيرة

0 79

علي الجرباوي – 2/11/2020

عنوان المقال مقصود، وسيتضح من السياق.

***

أربع سنوات عجاف بانتظارنا في حال فوز ترامب، ولا حاجة لتوضيح ذلك، ففترة إدارته الأولى تُثبت ذلك بامتياز. ومن دون استسلام فلسطيني كامل، لن تشهد فترته الثانية، إن نجح، أي فرصة حقيقية لترميم العلاقة مع السلطة.

***

أما في حال فوز بايدن فمن الممكن أن يكون الأمر مختلفاً، بعض الشيء، وقد يفتح ذلك منفذاً ضيّقاً للسلطة؛ فرصة وإمكانية محددة، ولكنها ستُشكّل لها تحديّاً، لأنها لن تكون مجانية، بل ستأتي مقابل ثمن سيُتطلب منها دفعه، وستكون – برأيي – الفرصة الأخيرة المتاحة لها.

***

سيكون بايدن، إن نجح، رئيساً لفترة واحدة. ومع أن ذلك قد يكون مفيداً، إذ قد يحرره ذلك من التزامات عليه أن يفي بها لمراكز قوى وجماعات ضغط، عليه استمالتها لو كان سيترشح لفترة ثانية، إلا أن ذلك يعني، بالمقابل، أن الفرصة ستكون معه قصيرة ومحدودة، لا تسمح بالتلكؤ والتردد.

في إشارة مشجّعة، كان بايدن قد أعلن عن معارضته لخطة الضمّ التي أعلنت عنها إدارة ترامب، وتمّ لاحقاً إرجاؤها، ولكن ليس إلغاؤها. ومع أن ذلك يبدو مشجعاً، وقد يبعث الطمأنينة في نفوس البعض منا، إلا أنه يتوجب التحذير من ضرورة عدم الانزلاق بسببه في مربع الاطمئنان والارتياح، فذلك سيقود إلى مزيد من التهلكة.

بايدن مؤيد تقليدي لإسرائيل، عن قناعة، وملتزم بحماية وجودها ودعم أمنها. هذا أمر محسوم ومفروغ منه. هو ينطلق من ذلك الموقف، وتبقى تفاصيل من الممكن الاختلاف بشأنها مع حكومة نتنياهو اليمينية، ومن يواليها في واشنطن. يخطئ من يتوقع، ويبني آمالاً على إمكانية أن يغيّر بايدن اتجاه مسار السياسة الأميركية التقليدية المتعلقة بإسرائيل والقضية الفلسطينية، إذ إنه أحد أركانها لنصف قرنٍ ماضٍ. من حاول أن يغيّر هذه السياسة، ونجح في خلخلتها، كان ترامب. إن أكثر ما يمكن أن يُتوقع من بايدن القيام به هو إعادة هذه السياسة إلى مسارها التقليدي، ولكن مع التغاضي عمّا قام به ترامب من إجراءات، كنقل السفارة الأميركية إلى القدس، من جهة، وتشجيع المضي قُدماً في مسار تطبيع العلاقات الإسرائيلية – العربية، من جهة أخرى.

ما معنى أن يُعيد بايدن السياسة الأميركية إلى مسارها التقليدي؟

معنى ذلك العودة إلى مربع “إدارة الصراع”، وليس السعيّ لإيجاد حلّ له. و”إدارة الصراع” تعني السعي لتخفيف حدّة الصراع بين الطرفين قدر الإمكان، وترحيل الصراع بينهما إلى المستقبل المفتوح على بارقة أمل، وإن غير واقعية، بإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مقبولة. ولذلك يعتمد مسار “إدارة الصراع” على إبقاء خيار “حل الدولتين” حيّاً، إذ يُمثّل غطاء مناسباً، وعلى الأغلب مرغوباً، تتغطى به جميع الأطراف. فهو يمثّل لكثير من الفلسطينيين فتحة الأمل المرتجى، والمستقبل الواعد، التي تفتح المجال لتخطي ضرورة اتخاذ قرارات مصيرية. وهي بذات الوقت تعطي إسرائيل الفرصة للاستمرار في سياساتها التوسعية، وعلى رأسها الضم الصامت للأراضي الفلسطينية. كما وتمنح المجتمع الدولي والإقليمي الراحة الناتجة عن الادعاء بعدم التخلي عن مسعى البحث عن تسوية سياسية.

بإعادة بايدن السياسة الأميركية إلى مسارها التقليدي القائم على “إدارة الصراع”، وتحت خيار “حل الدولتين”، من المتوقع منه أن يتخذ عدة خطوات استرجاعية، كأن يجد طريقة لإعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وأن يعيد تدفق المساعدات المالية للسلطة، ومن الممكن للأونروا، وأن يتجه لإعادة فتح القنصلية الأميركية في القدس الشرقية.

ولكن هذه الخطوات ستكون مرهونة، بالمقابل، بخطوات استجابية متوقعة، بل مطلوبة، من الجانب الفلسطيني. يقف على رأس هذه الطلبات إعادة الوضع إلى سابق عهده مع إسرائيل الاحتلالية، بما في ذلك التنسيق الأمني معها، والعودة إلى مسار المفاوضات المفتوحة، والقبول بالتطبيع العربي – الإسرائيلي. هذا هو الثمن المقابل لعودة الأمور مع أميركا إلى سابق عهد ترامب، مضافاً إليه ازدراد تبعيات ذلك العهد.

***

كيف يتم فلسطينياً تقييم الثمن المطلوب؟ هل يجب قبوله، حتى وإن كان باهظاً وغير منصف أم يجب رفضه إدارة بايدن، هذا إن نجح؟

الوضع على مفترق طرق، ولا يحتمل المزيد من المواربة أو الاحتماء خلف شعارات أصبحت مستهلكة، بل يتطلب الكثير من المصارحة. إن الإجابة عن الأسئلة أعلاه تعتمد على تحديد الأولوية الفلسطينية للمرحلة القادمة. وبشكل مباشر: هل الأولوية هي للحفاظ على بقاء السلطة، أم لخط طريق ساعٍ لفرض مسارٍ هدفه إيجاد حلٍ للقضية الفلسطينية، ما قد يتطلب التضحية بوجود هذه السلطة. ويجب الوضوح التام، والإيضاح الكامل للناس، أن الإبقاء على السلطة وحلّ القضية الفلسطينية حلّاً مقبولاً، هدفان على الأغلب لا يلتقيان، لأن الأول يتطلب تقديم تنازلات تُجحف بإمكانية تحقق الثاني. فأي من الهدفين له الأولوية؟

يبدو جليّاً أن النخبة السياسية الفلسطينية، بكل مكوناتها، وبغضّ النظر عن شعاراتها العلنية، ترغب في بقاء السلطة، بل وتتصارع مع بعضها عليها، ولا يغُرّ في ذلك الدعوات المجوّفة المطالِبة بإصلاحها. كما ويتضح من استطلاعات الرأي لفلسطينيي الأرض المحتلة عام 1967، أن أغلبية عريضة منهم تريد بقاء السلطة، لارتباط حياتهم من جوانب متعددة بها، وبغضّ النظر عن انتقاداتهم اللاذعة لأدائها.

إذا كان هدف الإبقاء على السلطة، الهدف الأول، هو الهدف المرغوب، ولكن المتسَتر عليه بنفحات من الشعارات التي تُنظّر للهدف الثاني، دون ارتباطها بالأفعال التي تقود إليه، لأن كلفتها عالية ولا توجد رغبة حقيقية في تحمّلها، فإن نجاح بايدن، إن حصل، سيكون الفرصة الأخيرة والقصيرة المتاحة لتحقيق ذلك. ومع أن تقدير الموقف السياسي هذا قاس وجاف، ويدفع بالفلسطينيين إلى الخروج من نطاق “دائرة الراحة” التي يفضّلون البقاء داخلها والاحتماء بها، إلا أنه تقدير مبني على الحقائق، وإن كانت مزعجة ولا يراد مواجهتها بالمسؤولية والصراحة اللازمتين، وليس على الاستمرار بالتورية على الذات وإيجاد الراحة في عالم التمنيات.

***

إن كان تقدير الموقف صحيحاً، والهدف الأول لفلسطينيي الأرض المحتلة، هو الحفاظ على السلطة الفلسطينية، فإن تحقيق ذلك، في حال نجاح بايدن، يتطلب من القيادة الفلسطينية عدم التلكؤ أو الانتظار، بل الإعراب الواضح والصريح والسريع عن الرغبة في إعادة العلاقات مع أميركا إلى مجاريها، واتخاذ ما يلزم من خطوات لتحقيق ذلك. هذا التوجه الفلسطيني سيؤدي إلى إنعاش وضع السلطة، وإنهاء “صفقة قرن” ترامب، ولكنه لن يؤدي إلى إطلاق مسار يؤدي إلى حل القضية الفلسطينية، وإنما إلى تعويمها من خلال القذف بها مجدداً إلى مستقبل الأيام. وفي حالة الوهن الفلسطيني الحالي، قد يكون في ذلك الحد الأدنى المرتجى من المصلحة والفائدة.

أما إذا كانت هناك نيّة فلسطينية حقيقية للمواجهة، فعلاً وليس قولاً فقط، فكل التحليل السابق يصبح بلا أهمية أو فائدة. المهم الآن هو عدم الاستمرار في التورية، بل اتخاذ قرار ينهي حالة “الغمغمة”، التي وإن كانت مفيدة في “تقليط” الوضع الفلسطيني سابقاً، فإنها لم تعُد كذلك الآن، ونحن في خضّم حالة حرجة.

هل نتعظ، أم سنبقى في حالة نكران؟ إن نجح بايدن فإن اكتشاف ذلك لن يحتاج سوى لبضعة أسابيع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.