أقلام وأراء

الاستراتيجية الإسرائيلية في مواجهة عمليات المقاومة الفلسطينية الحالية

عليان الهندي

عليان الهندي ٢٤-٤-٢٠٢٢م

خلال الاسبوعين الماضيين شنت أربعة عمليات مقاومة مسلحة ضد أهداف إسرائيلية في المدن المختلفة من دولة الاحتلال، قتل خلالها 14 إسرائيليا، التي حاولت في بدايتها إلصاق التهمة بتنظيم الدولة الاسلامية “داعش”. لكن سرعان ما تبدد الاعلان بعد العملية العسكرية الثانية، التي تبين منها أنها لمقاوم من مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين الواقع في شمال الضفة الغربية.
العمليات الأربع، نفذت منها اثنتان من قبل فلسطينيان يحملان الجنسية الإسرائيلية، بينما نفذت الأخريتان من فلسطينيان من الضفة الغربية. وجميع العمليات المذكورة عمليات فردية، لم تدعم رسميا من قبل أي تنظيم، لاعتبارات تتعلق بالثمن الذي سيدفعه التنظيم في حال تبنيه أفراد هذه العمليات، إن كان في الضفة الغربية، أو في قطاع غزة.
نتيجة ذلك، شنت قوات الاحتلال عملية عسكرية حملت اسم “كاسر الأمواج”، استشهد خلالها العشرات من الفلسطينيين وأصيب المئات، في محاولة منها لوقف هذه العمليات، ومنع تمددها وانتقالها لمقاومة منظمة، تزيد من الخسائر الإسرائيلية، وربما إذا استمرت تدفع نحو تدخل دولي يعيد الحياة للمسار السياسي المغلق في وجه الفلسطينيين.
لذلك، تحاول الورقة الحالية، الاجابة على سؤال متعلق باستمرار مثل هذا النوع من العمليات أم لا في المرحلة الحالية، وما هي الاجراءات الإسرائيلية لقمعها.

الاستراتيجية الإسرائيلية
انتهت مسيرة السلام عمليا بعد إفشال مفاوضات كامب ديفيد وطابا من قبل حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وفشلت معها كل محاولات إحيائها، ما دفع الحكومات الإسرائيلية المختلفة بعد عام 2008 إلى عدم طرح القضية الفلسطينية، لا على جدول الأعمال العام، ولا على جدول كل الحكومات التي شكلت فيما بعد، بما في ذلك حكومة الائتلاف الحالي التي يترأسها اليميني العنصري المتطرف نفتالي بينت، الذي أعلن في أكثر من مناسبة أن الملف الفلسطيني، ملف مجمد لا يمكن الحديث فيه طالما كان رئيسا للوزراء، أو جزءا من الائتلاف الحكومي الحالي.
في المقابل، وانسجاما مع السياسات الإسرائيلية الحكومية الرافضة للتفاوض مع قيادات الشعب الفلسطيني، وضع الجيش الإسرائيلي استراتيجيته التي تجدد كل خمسة أعوام، القاضية بأن سقوط العراق عام 2003 واندلاع الثورات العربية، خاصة في الجمهورية العربية السورية عام 2010 أنهى عصر التهديدات العربية التقليدية، والحروب التي رافقتها، لصالح تهديدات وحروب من نوع مختلف.
فمن جهة، لم تعتبر الاستراتيجية الاسرائيلية لا السياسية ولا العسكرية، المشروع النووي الإيراني تهديدا لها فقط، بل اعتبرت كل الجمهورية الإسلامية الإيرانية عدوا لها، ما دفع بعض الدول الخليجية إلى إقامة علاقات وتعاون عسكري وأمني معها منذ ما يقارب من ثلاثة عقود، ظهر إلى العلن العام الماضي على شكل علاقات رسمية.
وتدرك دولة إسرائيل، أنها لا تستطيع وحدها مواجهة التهديد النووي الإيراني عسكريا، لعدم امتلاكها القدرات العسكرية اللازمة لتدمير هذا المشروع، وللبعد الجغرافي ما بين الدولتين، بل بتظافر جهود دولية أهمها موافقة ومشاركة الولايات المتحدة، التي لم ترغب ببمواجهتها الإدارات الأميركية المختلفة سوى بالوسائل الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية، وذلك لصالح مواجهة تهديدات أكثر خطرا عليها مثل التهديد الصيني والروسي. وعليه، يعتبر التهديد الإيراني بالنسبة لإسرائيل، تهديدا مؤجلا وإبقاؤه على سلم جدول أعمالها منذ أكثر من عقدين، جلب لها علاقات إقليمية، لم تنجح اتفاقاتها مع الفلسطينيين في تحقيقها. إضافة إلى أن سمح جدول الاعمال الايراني، بصرف الأنظار عن ضرورة مواجهة وحل القضية الفلسطينية، وغيرها من الأزمات التي تواجهها إسرائيل.
أما في مجال الحروب، فقد اعتقدت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية أن حروبها ،منذ ذلك الوقت، وحتى اليوم، هي حروب مع تنظيمات تسيطر على أراضي مثل حزب الله في لبنان وحماس بقطاع غزة أو موجهة انتفاضة شعبية وكفاح مسلح ،أو الاثنين سويا، في الضفة الغربية.
ففي مجال الحروب، أعتقدت دولة إسرائيل أنها نجحت في ترسيم قواعد الصراع مع لبنان وحزب الله، منذ عدوان عام 2006. في حين تركت معايير العدوان على قطاع غزة مفتوحة، نظرا لاستمرار حصارها الخانق وسيطرتها المطلقة على كل حدود القطاع، باستثناء حدوده مع مصر، حيث الامنيات الإسرائيلية بأن تقدم مصر على فتح حدودها كاملة مع القطاع، كي تتحول بشكل تدريجي مسئولة عما يجري في تلك المنطقة.
أما في الضفة الغربية، فقد نصت استراتيجيتها على مواجهة تهديدين أساسيين هما : الأول، مواجهة انتفاضة ثالثة نتيجة للعدوان الإسرائيلي على الأرض والانسان الفلسطيني، وهي بذات السياق بذلت جهود كبيرة جدا خلال الاعوام الماضية لمنع أندلاعها، نظرا للأثمان السياسية التي تتطلب دفعها، كما هو الحال في الانتفاضة الاولى والثانية. والثاني، مواجهة عمليات مقاومة عسكرية، فردية أو منظمة، حيث الاعتقاد الإسرائيلي بأن أفضل الطرق لمواجهتها هي بإنشاء المزيد من الوحدات الخاصة “المستعربين”، وهو ما يفسر العدد الكبير للشهداء في الضفة الغربية خلال العامين الماضيين.

צה”ל החל בתהליך הקמת יחידה לוחמת חדשה שתשלב זרועות שונות
طرق المنع
تعددت الطرق الإسرائيلية لمنع ومواجهة أية محاولة لاندلاع انتفاضة ثالثة من أهمها الاقتحامات اليومية للمدن والقرى الفلسطينية وإلقاء القبض على الوقود الطبيعي للمقاومة الشعبية من شبان وطلاب ونشطاء ميدانيين، ونشر عدد كبير من قوات الأمن يفوق بأضعاف تلك القوات التي احتلت الضفة الغربية عام 1967، والوجود العسكري المكثف في القدس أكبر مثال على طرق مواجهة انتفاضة شعبية. في حين واجهت عمليات المقاومة الفلسطينية بالتصفيات والإعدامات الميدانية، التي تفننت في اختراع مبررات واسماء لها مثل “التصفية الوقائية” أو “التحييد” أو “القنابل الموقوتة” التي استخدمت ليس فقط بحق المقاومين، بل حتى بحق المدنيين ،ذكورا وإناثا، معتقدة أن “من لم يأت بالقوة يأت بمزيد من القوة”، في رغبة منها لخلق حالة من ردع والاستسلام في صفوف الشعب الفلسطيني.
ولم تشذ القاعدة المذكورة، عن الوضع الحالي، حيث ركزت دولة الاحتلال جهودها الأمنية والعسكرية على شمال الضفة الغربية ،خاصة في جنين ومخيمها، الذي فرضت عليه ما يشبه الحصار الداخلي، مقتحمة إياه بشكل متكرر ومفاجأ في النهار والليل، بهدف كسر ما تسميه دولة الاحتلال الاسطورة السائدة في أوساط سكان مخيم جنين، بعدم قدرة الجيش الإسرائيلي على دخول المخيم في النهار ما زاد من روح التحدي والمقاومة في صفوف الشعب الفلسطيني. وخلال اقتحاماتها المتكررة وتقتل وتصيب وتخرب وتعتقل المواطنين بغض النظر إن كانوا مشاركين أو غير مشاركين في أية نشاطات تحمل طابع مقاوم.
كما تضمنت الاجراءات الإسرائيلية، منع دخول الفلسطينيين من الداخل المحتل إلى مدينة جنين، ومنع رجال الأعمال الفلسطينيين من دخول دولة إسرائيل بهدف ضرب اقتصاد المدينة، ودفع رجال الاعمال وغيرهم المعنيين بالأوضاع الاقتصادية في المدينة إلى ممارسة الضغوط على النشطاء الميدانيين للحد من نشاطاتهم العسكرية، بهدف المحافظة على نشاطاتهم التجارية مع دولة الاحتلال.
الأمر الأخير الذي تحدثت عنه الاجراءات الإسرائيلية هو إبقاء أبواب العمل الإسرائيلية مفتوحة أمام العمال الفلسطينيين من منطقة الشمال، خشية أن يزداد الفقر ومعه الرغبة في الانضمام إلى خلايا المقاومة المسلحة ضد الاحتلال.

خلاصة
باستثناء فترة أوسلوا، الذي حاولت فيه دولة الاحتلال فرض أجندتها النهائية للحل مع الفلسطينيين. تصر دولة إسرائيل على أن المسار الوحيد للتعامل معهم هو في المجالين الأمني والعسكري، في حين تأتي الحلول الاقتصادية لحل المشاكل الفردية لسكان المناطق المحتلة، خوفا من انضمام هؤلاء الإفراد إلى خلايا المقاومة الفلسطينية. وهي حلول ثبت فشلها منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، لكنها ما زالت تجربها، لأنها لا تملك حلولا غيرها.
وطالما ظلت إسرائيل ترفض،منح الفلسطينيين حقوقهم الوطنية المشروعة المتمثلة بإقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، ستظل المقاومة مستمرة، رغم القمع الممنهج بحقهم، ولن تنفع معها لا الوجود المكثف لجيش الاحتلال الإسرائيلي، ولا زيادة عدد الوحدات الخاصة فيه، التي تمارس إرهابها من دون أية حدود.
وفيما يتعلق بالموجة الحالية من عمليات المقاومة المسلحة، ومن أجل استمرارها وتحقيق نتائج تمكن من ردع إسرائيل ،ولو نسبيا، من مواصلة إرهابها بحق الشعب الفلسطيني، وربما دفعها إلى التفكير في البحث عن حلول أخرى للقضية الفلسطينية، تحتاج إلى غطاء تنظيمي حقيقي من قبل كل الفصائل الفلسطينية، وتكثيف العمليات العسكرية وتفعيل حقيقي للمقاومة الشعبية. وإذا لم يتم ذلك، ستضعف هذه الموجة من العمليات، إلى حين توفر ظروف أخرى لعودتها بقوة.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى