عصمت منصور يكتب- سياسة الاغتيالات الإسرائيلية : الأداة الأقل جدوى والأكثر استخداماً ! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

عصمت منصور يكتب- سياسة الاغتيالات الإسرائيلية : الأداة الأقل جدوى والأكثر استخداماً !

0 100

عصمت منصور *- 30/11/2020

يعيد التقرير الذي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” حول اغتيال الرجل الثاني في تنظيم القاعدة (أبو محمد المصري) في طهران، تسليط الضوء من جديد على سياسة الاغتيالات التي انتهجتها إسرائيل على مدى عقود طويلة وبشتى الوسائل ضد مقاتلين وقادة سياسيين وعسكريين عرب وفلسطينيين، ويعيد طرح سؤال جدوى هذه السياسة في محاربة (الإرهاب) ومدى أخلاقيتها وانسجامها مع القانون الدولي، خاصة وأن التقرير أشار إلى أن الموساد الإسرائيلي هو الذي نفذ عملية الاغتيال السرية لصالح الولايات المتحدة، التي سبق أن اعلنت عن مكافأة مادية لكل من يقدم لها معلومات تمكنها من الوصول إلى المصري الذي يتهم “بشنّ هجمات على سفارات أميركية في شرق أفريقيا العام 1998، والمدرج اسمه على لائحة الإرهابيّين المطلوبين لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي”.

الجدل حول سياسة الاغتيالات بأبعادها المختلفة، ليس جديدا على الساحة الإسرائيلية، فهو وإن خبا لبرهة من الزمن، يعود من جديد مع كل عملية اغتيال جديدة، كما حدث عند اغتيال القيادي في سرايا القدس التابعة لحركة الجهادالإسلامي بهاء أبو العطا في العام الماضي في قطاع غزة في ذروة حملة بنيامين نتنياهو الانتخابية وقبل أيام معدودة من الانتخابات، وهو ما أثار شبهة استخدام الاغتيال لأغراض انتخابية، ليثار السؤال مجددا حول الاعتبارات التي تقف خلف اللجوء إلى هذا الأسلوب وجدواه والأطر والدوائر التي يجب أن يمر بها قبل إقراره، بعد أن تبين أن رئيس الحكومة نتنياهو حاول تمرير قرار الاغتيال دون مصادقة الكابينيت، الأمر الذي عارضه بشدة (وأدى إلى تأجيله) المستشار القانوني للحكومة، كما كشف المراسل العسكري للقناة 13 ألون بن دافيد في مقالة له في صحيفة “معاريف”.

تعريف الاغتيالات وأهدافها

درجت إسرائيل على استخدام كلمة اغتيال لوصف عملية التصفية الجسدية التي تقوم بها أجهزتها الأمنية ضد قادة ومقاتلين فلسطينيين وعرب تتهمهم بالتورط في نشاط أو عمليات ضدها، وقد بقي هذا الاسم متداولا حتى العام 2000 حيث قدم القاضي في المحكمة العليا إلياكيم روبنشتاين الاسم “الأقل إجحافا” بحق إسرائيل حسب وصفه، وهو إحباط موضعي والذي يوحي بإلحاحية وعدم القدرة على الاستعاضة عن التصفية لمنع عملية وشيكة، ليصبح هذا التعريف (المحايد) هو الاسم المعتمد لدى نائب رئيس الشاباك يوفال ديسكين في ذلك الوقت، والذي يعتبر مهندس هذا الأسلوب في مواجهة الانتفاضة، ليتبناه الإعلام والدوائر الرسمية بشكل حصري وذلك لتحقيق عدة أهداف تمت بلورتها مع الزمن وتطويرها إلى أن تحولت إلى نظرية قائمة بذاتها.

يعتبر الدكتور بنحاس يحزقيلي، وهو رئيس سابق لقسم الأبحاث الاستراتيجية والسياسات في الجيش الإسرائيلي، أن كلمة اغتيال هي “صيغة ملطفة للقتل العمد والإعدام دون محاكمة” وأن الدول تلجأ إلى هذه السياسة ضد جهات تعتبرها (إرهابية) لتحقيق عدة أهداف تتراوح بين أغراض عسكرية بحتة مثل الردع ومنع تنفيذ عملية وشيكة أو ما يوصف إسرائيليا بالقنبلة الموقوتة، وصولا إلى أغراض معنوية مثل رفع معنويات الجمهور والانتقام والرد على عملية موجعة.

يقر يحزقيلي في تلخيصه حول الأهداف من وراء سياسة الاغتيالات، أنها لن تنهي ظاهرة (الإرهاب) وإنما، وفي أحسن الحالات، وعندما يكون هدف الاغتيال شخصية مركزية في شبكة يعتمد وجودها على هذه الشخصية، “إدخالها (الشبكة) في حالة من الفوضى لفترة من الزمن” قبل أن تستعيد عافيتها وربما على نحو أكثر عنفا كما حدث مع اغتيال عباس موسوي، أمين عام حزب الله السابق، الذي خلفه حسن نصر الله والذي “حول الحزب من جماعة صغيرة إلى جيش منظم” كما يصفه ألون بن دافيد، او كما في حالة الدكتور فتحي الشقاقي الذي لم يمنع اغتياله من تحول التنظيم الذي أسسه إلى قوة أكثر تهديدا لأمن إسرائيل.

رغم حضور عنصر العقوبة والانتقام كأحد مبررات اللجوء إلى سياسة الاغتيالات، إلا أن المنظومة الإسرائيلية تفضل التعريفات التي تصور الاغتيال على أنه مجرد أداة تنبع من اعتبارات وقائية ضد حالات استثنائية (تضطر) فيها إلى استخدام قوة قاتلة بشكل موجه ومقصود ضد أشخاص معروفي الهوية بشكل واضح ومسبق.

التعريف أعلاه تعوزه الدقة ولا يغطي مئات حالات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل إما بدافع العقوبة أو الانتقام وتدفيع الثمن، إلى جانب المس بمواطنين أبرياء لا علاقة لهم بالقضية وبعائلات وممتلكات من تصفهم بأنهم مطلوبون.

تاريخ الاغتيالات

ارتبطت سياسة الاغتيالات لدى المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية بشعار “يد إسرائيل الطويلة” القادرة على الوصول إلى كل مكان، والتي أدت إلى جعل “المقابر تمتلئ” بالضحايا ممن وصلت إليهم هذه اليد وقادت إلى تصفيتهم في مختلف أرجاء العالم، وفق تعبير ألون بن دافيد.

يمكن التأريخ لسياسة الاغتيالات التي يتم فيها استهداف شخص معين محدد الهوية، يتم اختياره بشكل مسبق بهدف تصفيته بقرار رسمي، بالعام 1972 حين قررت رئيسة حكومة إسرائيل غولدا مائير ملاحقة واغتيال منفذي عملية ميونيخ التي نفذتها منظمة أيلول الأسود التابعة لحركة فتح ضد رياضيين إسرائيليين كانوا يشاركون في الأولمبياد في ألمانيا.

قرار مائير حوّل إسرائيل، وفق ألون بين دافيد الذي أعد سلسلة من أربع حلقات عرضها في القناة 13، إلى “الدولة الوحيدة في الغرب التي يأمر فيها رئيس الحكومة بإعدام شخص دون أن يعود لأحد أو أن تشرف على قراره لجنة رقابية برلمانية” لتتواصل بعدها عمليات الاغتيال والتصفية وتطال أدباء مثل غسان كنفاني وقادة أمنيين مثل أبو علي حسن سلامة وأمناء عامين مثل الشقاقي وعباس موسوي ومفكرين وقادة سياسيين في أصقاع الأرض المختلفة.

أخذت سياسة الاغتيالات بعدا جديدا أكثر كثافة وتركيزا مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في العام 2000 حيث “تحولت إلى سياسة ممنهجة وعلنية وجزء أساس من الحرب على الإرهاب” وفق معهد الاستراتيجية الصهيونية، والذي أحصى خمسين عملية اغتيال عن بعد عبر استخدام الطائرات والمروحيات في عام واحد (2005) وهو ما يكشف عن الوتيرة الكبيرة التي تم استخدام هذا الأسلوب فيها ضد المقاتلين الفلسطينيين في هذه الموجة التي اعتبرت الأعنف منذ احتلال العام 1967 داخل الأراضي المحتلة.

تميزت الاغتيالات في فترة الانتفاضة الثانية ليس بكونها أكثر كثافة، بل بكونها أصبحت بديلا مريحا عن الاعتقال وكمحاولة تقديم المشتبه به إلى المحاكمة، كما أنها طالت عناصر وجهات ميدانية غير مركزية لا يترك غيابها الفردي (بحد ذاتها) أي أثر جدي على الواقع السياسي والأمني، إلا أن استهدافها بشكل مكثف يخلق حالة من الترهيب والردع والانشغال في الحماية الشخصية ومحاولة التخفي بدل المبادرة لتنفيذ أو التخطيط لعمليات جديدة.

كثافة اللجوء إلى سياسة الاغتيالات وتوسيع دائرة ومستوى المستهدفين وردود الفعل العنيفة التي قادت إليها، كما حدث مع اغتيال القيادي في كتائب شهداء الأقصى في طولكرم رائد الكرمي في العام 2002 الذي أدى إلى موجة عمليات تفجير في قلب المدن الإسرائيلية وانضمام حركة فتح للعمليات التفجيرية داخل الخط الأخضر، أثارت جدلا كبيرا في إسرائيل حول قضيتين أساسيتين: جدوى وأخلاقية وقانونية الاغتيالات.

الجدل حول سياسة الاغتيالات: الجدوى

يجزم ألون بن دافيد أن سياسة الاغتيالات “لا تؤدي إلى انتهاء ظاهرة الإرهابيين بل استبدالهم بآخرين فقط” وأنها قد تقود إلى نتائج عكسية وإلى تغذية دوامة الدم والعنف وتوسيعها، كما أنها لا تشكل بديلا عن الوسائل الأخرى، بالإضافة إلى ضررها على صورة إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، وتعريض ضباط وقادة إسرائيليين للملاحقة قضائيا في المحاكم الدولية، إن لم يكن بسببها مباشرة فبسبب الأضرار الجانبية التي تنتج عنها والمس بالمدنيين الأبرياء كما حدث في عملية اغتيال القيادي في حركة حماس صلاح شحادة الذي أدت عملية اغتياله بإلقاء قنبلة تزن طنا من طائرة حربية على المبنى المكتظ الذي يقيم فيه إلى مقتل 14 مواطنا بريئا، وتقديم دعاوى ضد قائد سلاح الجو دان حالوتس.

نتج عن هذا الجدل بين من يؤيد السياسة ويعارضها وضع معايير لتقييد والحد من استخدامها، نشر موقع (واللا) في العام 2019 ملخصها بالتشديد على أن تتم بشكل مدروس وفي حالات استثنائية وبعد استنفاد الوسائل الأخرى وامتلاك معلومات تؤكد أن الهدف المنوي اغتياله سينفذ فعلا عملية وأن اغتياله فقط يمكن أن يوقفها، إلى جانب التأكد من عدم المس بالآخرين.

الدكتورة رونيت مرزن، المستشرقة والمحاضرة في جامعة حيفا، تقول إن “الاعتبارات تتداخل” ولا أحد يمكن أن يضمن أن لا “يدخل عامل الرغبة في الإذلال القومي والانتقام” لدى متخذ القرار الذي لا يمكن إلزامه بهذه المعايير في ظل غياب الرقابة التي يقابلها “ضغط الجمهور” الذي يريد أن يرى نتائج. وتقترح إضافة ثلاثة أسئلة للمعايير السابقة، وأنه فقط في حال الإجابة عليها بشكل إيجابي يمكن اللجوء إلى اغتيال الشخص وهي: هل غياب هذا الشخص سيؤدي إلى إحداث ضرر لا يمكن إصلاحه للمنظومة التي يقودها؟ وهل سيزيد غيابه من فرص التقدم في المسار السياسي؟ والأهم، هل من سيحل مكانه معتدل أكثر منه أم لا؟

إن تجربة السنوات الماضية تثبت ليس فقط أن هذه الأسئلة لم تطرح، بل ان النتائج جاءت عكسية في الكثير من الحالات.

الجدل حول قانونية الاغتيالات

الإدانة الواسعة دوليا لسياسة الاغتيالات وتحديداً في الانتفاضة الثانية، والجدل الإعلامي والسياسي الداخلي الذي رافقها في إسرائيل، دفع اللجنة العامة ضد التعذيب إلى تقديم التماس ضد استخدام الجيش لهذه السياسة بدعوى أنه “وسع استخدامها أكثر من الغاية الأصلية التي حددها لها” وأن اللجوء إلى هذه السياسة، بهذه الكثافة، والتسبب في وقوع ضحايا في صفوف المدنيين يتعارض مع القانون الدولي.

القضية وضعت على طاولة أعلى هيئة قضائية في إسرائيل، هي المحكمة العليا، في ذروة الانتفاضة الثانية في 2002، إلا أنها بقيت تماطل وتتجنب البت في القضية لأربع سنوات متواصلة، وفقط بعد أن هدأت الانتفاضة وتراجعت عمليات الاغتيال، أصدرت قرارها المخيب للآمال، والذي لم يتضمن إدانة واضحة لسياسة الاغتيالات ولا وضع قيود للحد منها، معتبرا أن “من يشارك في تنفيذ عملية إرهابية، يجب أن يـأخذ بالاعتبار أنه سيكون عرضة للمس من قبل الجيش”.

المحكمة العليا التي ترأس هيئتها التي بتت في القضية رئيسها الأسطوري المعروف بمواقفه الليبرالية أهارون باراك، تعاملت مع الجيش بأكف من حرير، واكتفت بتقديم توصيات عامة تطالبه “بتفضيل الاعتقال والتحقيق مع المتورطين وتقديمهم إلى المحاكمة، وعدم استهدافهم، إذا كان هذا الاستهداف سيؤدي إلى المس بأبرياء قريبين منهم” وتوخي توفر معلومات دقيقة حول الشخص المستهدف والتأكد استخباراتيا أنه متورط بشكل مباشر في عمل “إرهابي”، لا بل إنها فوق ذلك، قدمت تفسيرا للقانون الدولي يشرعن هذه السياسة، عندما حددت أن المقاتل “هدف شرعي” وأن أعضاء المنظمات (الإرهابية) ليسوا مواطنين ولا يلتزمون بقوانين الحرب وبالتالي “لا تنطبق عليهم الحماية الدولية الممنوحة للمواطنين”.

إن موقف المحكمة العليا المنحاز للمؤسسة مكن الجيش من امتلاك مظلة لتبرير سياسة الاغتيالات وإقفال الباب حول الجدل القانوني حول شرعيتها ومدى أخلاقيتها، وهو ما عززته الكثير من الدراسات اللاحقة وأبرزها دراسات معهد أبحاث الأمن القومي والذي أعد دراسة في العام 2018 اعتبر فيها أن قضية الاغتيالات التي يتم اللجوء اليها في سياق الحرب على (الإرهاب) تجسد التصادم بين قيميتين أساسيتين هما الأمن الشخصي للمواطنين وحقوق الإنسان، وأن ضمان الأمن يبرر اللجوء إلى هذه السياسة التي وصفها الباحث عيدو روزنتسفايغ بأنها الأداة التي “ابتدعتها إسرائيل وتحولت إلى ظاهرة دولية وأداة مركزية في الحرب على الإرهاب على مستوى العالم” وهو الأمر الذي يمكن الاستدلال عليه من خلال الإحصائية التي قدمها المعهد الذي وجد أن “ثلاث دول غربية متقدمة تستخدم سياسة الاغتيال ما بعد العام 2000”.

لا يوجد بحث واحد ولا تجربة تثبت أن سياسة الاغتيالات حققت الردع أو ساهمت في تخفيف حدة العنف، بل على العكس من ذلك تثبت التجربة العملية أن هذه السياسة قادت إلى تأجيج العنف وتوسيع دائرة المنخرطين فيه وتوسيع نطاقه، وأن من تم اغتيالهم شغل مكانهم أشخاص أكثر راديكالية اعتبروا أن مهمتهم الأولى الثأر لقادتهم الذين تمت تصفيتهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.