عصمت منصور يكتب - التعريف الجديد للاسامية .. في الجوهر "تحصين" الاحتلال ! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

عصمت منصور يكتب – التعريف الجديد للاسامية .. في الجوهر “تحصين” الاحتلال !

0 84

عصمت منصور 10/8/2020

قبل45 عاما تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 72 دولة ومعارضة35 دولة قرارها رقم 3379 والذي تبنى التعريف الجديد للصهيونية الذي يصنفها على أنها “شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري وأن على العالم مقاومة هذه الأيديولوجيا لأنها تشكل خطرا على الأمن والسلم العالميين”، لتعيد نفس الجمعية إلغاء القرار الذي لم يعمر سوى 16 عاما، وليشكل هذا الانتقال الذي تزامن مع أحداث كبرى في التاريخ مثل انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج الأولى ومؤتمر مدريد للسلام، أحد الأحداث الرمزية الدالة على عمق وشمولية التحول الذي يشهده العالم ولأي جهة في الصراع تميل دفة الأمور.

وفي هذا الصدد يمكن القول إن تعريف مصطلح اللاسامية يصلح “بشكل رمزي” لأن يكون واحدا من أدوات قياس التحولات السياسية والأخلاقية والعملية في العالم، وأداة قياس للحقب التي مر بها الصراع الذي يسير بشكل صاعد على المستوى الرسمي لصالح الرواية الإسرائيلية وتعريفها للاسامية وتحولها إلى أداة للتصدي للانتقادات الموجهة ضدها وتكميم أفواه الأصوات المعارضة لسياساتها وانتهاكاتها لحقوق الإنسان وتبنيها لسياسات تؤبد الاحتلال وتحوله من حكم عسكري مؤقت إلى نظام أبارتهايد عنصري.

الوقائع.. انتصار للدعاية الصهيونية

في العام 1998 تم الإعلان عن تشكيل التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة النازية، وهو تحالف ضم في البداية ثلاث دول هي السويد التي بادرت إلى تشكيله بعد أن اتضح من أبحاث أجرتها في أوساط الجيل الشاب أن 35 بالمئة منهم لم يسمعوا بالمحرقة (وهو ما تبين أنه استطلاع خاطئ فيما بعد) والولايات المتحدة وبريطانيا، وكان الهدف المعلن من وراء إقامة هذا التحالف هو التثقيف وإحياء ذكرى المحرقة ومحاربة منكريها.

عقد هذا التحالف الثلاثي بعد عامين من تأسيسه قمة في ستوكهولم ضمت 35 دولة فتحت باب العضوية أمام الدول الراغبة في الانضمام إليه (شريطة أن تكون ديمقراطية) ليصبح عدد الدول المنضوية في هذا التحالف 30 دولة. وتلخص الجهد التثقيفي للتحالف والقيم التي بشر بها ونذر نفسه لنشرها في نهاية الأمر بإعلانه في العام 2016 مقترح تعريف جديد وشامل (وغير ملزم) للاسامية تمت صياغته من قبل 3000 محام وقانوني من الـ30 دولة المشكلة للاتحاد، بهدف (محاربة الإرهاب واللاسامية ونزع الشرعية عن دولة إسرائيل والربط بين القوانين القائمة في دول العالم والتعريف الجديد في كل ما يخص التحريض والتمييز العنصري) وهو تعريف يتخطى هدف التثقيف ونشر الوعي في أوساط الشباب حول أهوال المحرقة الذي أقيم التحالف لأجله عند تأسيسه.

التعريف الجديد الذي تبناه التحالف، والذي (يعتبر اللاسامية على أنها نظرة معينة لليهود يمكن التعبير عنها بكراهية اليهود بتعبيرات لفظية وجسدية، موجهة ضد أفراد يهود أو غير يهود و/أو ضد ممتلكاتهم ومؤسساتهم ومواقعهم الدينية…. تعبيرات يمكن أن توجه ضد دولة إسرائيل التي تعتبر جماعة يهودية… وإنكار حق الشعب اليهودي في تقرير مصيره والادعاء أنقيام إسرائيل جزء من مؤامرة عالمية.. مطالبة إسرائيل بأشياء لا تطلب من دول ديمقراطية ومقارنة سياساتها بالسياسات التي انتهجتها النازية ومنع اليهود من فرص أو خدمات ممنوحة للآخرين) ربط بشكل مباشر بين اللاسامية وبين الموقف من إسرائيل وحدد آلية وهامش التعامل معها وفي أي سياق يجب أن يأتي ووضعها في مكانة تجعلها في موقع أفضلية على الدول الأخرى ولم يكتف بمساواتها بها.

لا ينحرف التعريف الجديد عن أهداف التحالف فقط، و(لا يعتبر متحيزا ومشوها من ناحية أيديولوجية، بل إنه يعكس فشلا بحثيا عميقا إذا لم نقل إفلاسا أكاديميا صرفا) وفق البروفسور ديمتري شومسكي، الأستاذ في قسم تاريخ الشعب الإسرائيلي في الجامعة العبرية والمتخصص في تاريخ الصهيونية، والذي وصف التحالف بأنه (إحدى الجهات التي تساهم في الرؤية المشوهة للاسامية في العالم)، بل هو (انتصار جديد للدعاية الصهيونية وجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في أوروبا والولايات المتحدة) وفق المحلل الصحافي جدعون ليفي الذي اعتبر أنه ( سيجبر بلدان العالم على تجريم أي نقد موجه لإسرائيل بما في ذلك الاحتلال).

وانتقد أكاديميون وكتاب وشخصيات عامة من بينها شخصيات حاصلة على “جائزة إسرائيل” التعريف الجديد في بيان وقعوا عليه ونشروه في الصحافة النمساوية، واعتبروا أن الربط بين اللاسامية ونقد إسرائيل يسيء أولا لضحايا النازية أنفسهم (لأن جزءا منهم يعارض الصهيونية وينتقد إسرائيل) ولأن هذه الصياغة (تعطي إسرائيل حصانة من النقد بسبب خرقها لحقوق الإنسان وانتهاك القانون الدولي) وهو ما يعني أن على (الاتحاد الأوروبي أن يدافع عن حقوق الإنسان الفلسطيني كما يحارب ضد اللاسامية).

ومع ذلك كانت رئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماي تعلن تبنيها للتعريف الجديد دون تحفظات. وشهدت بريطانيا تحديدا أولى المعارك الداخلية الأشد وضوحا في استخدام التعريف الجديد للاسامية ضد زعيم حزب العمال جيرمي كوربين الذي يعد الأكثر صراحة في انتقاده لسياسات إسرائيل، إذ بعد أن (فشلت محاولة إلصاق تهمة أنه عميل تشيكي وداعم للإرهاب ودمية بيد بوتين اهتدى خصومة إلى صفة اللاسامية رغم تاريخه العريق في محاربة اليمين المتطرف والعنصرية ومناهضته للحروب)، بحسب ما نشره موقع (سيحا مكوميت) اليساري الإسرائيلي، ويكون حسب ما نشره موقع jns (سببا في طرد وزيرة التربية في حكومة الظل العمالية ربيكا لونغ بيلي من قبل زعيم الحزب كير ستارمر بسبب مشاركتها مقالا منشورا على شبكات التواصل الاجتماعي يتحدث عن تدريب إسرائيل للشرطة الأميركية على استخدام أسلوب الخنق بالضغط على الرقبة) بعد أن تبنى ستارمر التعريف الجديد واقترح تغيير النظام الداخلي لحزب العمال لدمج التعريف فيه.

بعد بريطانيا، تبنت كل من النمسا وأستراليا والولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا التعريف الجديد لتضيف كل واحدة من هذه الدول صيغة خاصة بها لترجمتها على الأرض داخل حدودها في مواجهة التعبير الأكثر شيوعا للاسامية وهو انتقاد إسرائيل وسياساتها الاحتلالية ودعوات مقاطعتها التي تقودها حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات BDSحيث قال المدعي العام الأسترالي إن التعريف يجب أن يشمل حركات المقاطعة ضد إسرائيل، وتبعه مرسوم الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخاص بمكافحة معاداة السامية في الجامعات الأميركية والذي يلزم وزارة التعليم بأن تعتمد التعريف الجديد المعتمد من قبل التحالف الدولي لذكرى المحرقة رابطا بين المبالغ التي تتلقاها الجامعات ورفض اللاسامية.

طريقة انتقائية

يتضح أن إضافة عبارة “صيغة غير ملزم” للتعريف الجديد لا تخفف من الطريقة الانتقائية والصارمة التي يتم اعتماده فيها كمرجع وأداة لمحاربة معارضي الاحتلال الإسرائيلي ومنتقدي انتهاكاته لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة في العالم وتحديدا “حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات” التي أخذت بعدا عالميا وانتشرت بشكل واسع في أوساط الطلبة في الجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والحركات الحقوقية، وهو ما جعلها الهدف رقم واحد للحملات الإسرائيلية والمستهدف الأول من مقصلة التعريف الجديد الذي يصنفها في خانة الجهات التي تنكر شرعية وجود إسرائيل وحقها في الوجود.

كما أن محكمة الجنايات الدولية، التي قررت المدعية العامة فيها فاتو بنسودا فتح تحقيق في جرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، واجهت ذات التهمة بصيغتها الطازجة التي أقرها التحالف الدولي ومن قبل رأس الهرم السياسي في إسرائيل بنيامين نتنياهو الذي علق على قرارها بقوله إنه “بمثابة ادعاء بأن لا حق للشعب اليهودي في أن يقيم في وطنه وهو ما يمكن وصفه بأنه لاسامية خالصة تماما مثل الادعاء بأن لا حق لليهود في الدفاع عن أنفسهم في وجه من يريدون إبادتهم”.

يشتهر نتنياهو من بين الساسة الإسرائيليين بأنه الأكثر براعة في التعامل مع الإعلام وفرض أجندته عليه ومخاطبة دول العالم والتأثير بهم، وقد استخدم هذه المهارات في الترويج للتعريف الجديد للاسامية، إذ يعتبر الشخص الأكثر تكرارا في استخدامه ضد إيران والمنظمات الفلسطينية والقرارات الدولية الصادرة عن منظمات مثل مجلس حقوق الإنسان، حيث أصبح مثل اللازمة التي يلصقها بكل من ينتقد إسرائيل والسياسات العدوانية واليمينية المتطرفة التي يتبناها لدرجة وصفته فيها الكاتبة شيرة ميكين، في مقال رأي نشرته في صحيفة هآرتس، بأنه “شوه المصطلح من أجل خدمة أهدافه الخارجية والداخلية وتجنيد المؤيدين لنظريته القومية وتمرير مشروع الضم وقتل فكرة حل الدولتين”.

إن قياس البون الشاسع ما بين التعريف الذي تبنته الأمم المتحدة في العام 1975 وما بين التعريف الحالي الذي أقره التحالف الدولي لإحياء ذكرى المحرقة، لا يكمن في التضاد بين الصيغتين، بل في التحول الذي شهده العالم والانحراف الشديد نحو اليمين والصيغ الأحادية والاستهتار بالمرجعيات الدولية والقانون الدولي والهجوم الحاد على الحريات.

لم يكن بالإمكان إقرار، ناهيك عن الدفاع عن، قانون أساس القومية الذي أقره الكنيست الإسرائيلي قبل عامين من دون الاستناد على تعريف اللاسامية بشكل شبه حرفي في تعريف دولة إسرائيل على أنها (الدولة القومية للشعب اليهودي) والتي تتيح لليهود بشكل حصري (ممارسة حق تقرير المصير) على اعتبار أنها (الوطن التاريخي للشعب اليهودي)، وهو ما فتح الباب واسعا للخطوة العملية لترجمة هذا القانون على الأرض من خلال مشروع الضم لأجزاء من أراضي الضفة الغربية وتأسيس نظام أبارتهايد عنصري على حساب حقوق الشعب الفلسطيني. وإن احتفاء إسرائيل وقادتها لتبني أي دولة (ديمقراطية) للتعريف الجديد نابع من سياستها التي ترمي إلى خلق رابط عضوي شبه بديهي راسخ في الوجدان الجمعي العالمي بأن مناهضة الصهيونية وانتقاد إسرائيل هو وجه آخر للاسامية، كما عبر عن ذلك وزير الخارجية الإسرائيلي السابق يسرائيل كاتس في تعقيبه على قرار البرلمان الفرنسي تبني التعريف الجديد للاسامية.

وما قدم على أنه تعريف (غير ملزم) أصبح بحكم المعيار المسطرة التي تقاس وفقها مواقف الدول والمؤسسات الدولية وحركات الاحتجاج والنضال المحلية والعالمية تجاه إسرائيل وسياساتها اليمينية، ومن أجل تعميق هذا الربط وتذويت التعريف قدمت وحدة الدبلوماسية الرقمية في إسرائيل توصيتها إلى أكبر شبكتي تواصل اجتماعي فيسبوك وتويتر بتبني التعريف الجديد للاسامية ومراقبة المحتوى على الشبكتين وفق المعايير التي رسمها، وهو جهد أردفه مؤتمر منظمة NGOmonitor ذات التوجهات اليمينية المعروفة بتربصها بمنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني الفلسطيني ومحاولة الربط بينها وبين الإرهاب، والذي عقد في العام الماضي تحت عنوان (مستقبل حركات حقوق الإنسان في عهد صعود اللاسامية)، بالدعوة إلى الربط بين دعوات سحب الشرعية عن إسرائيل واللاسامية وخاصة في وجه المنظمات الحقوقية التي تقف إلى جانب نضال الشعب الفلسطيني، حيث أكد مبعوث الولايات المتحدة للنضال ضد السامية والذي حظي بلقب الضيف الرئيسي للمؤتمر إيلان كار بأن (اللاسامية هي استمرار كراهية اليهود القديمة والتي تترجم على شكل دعوات سحب الشرعية والمقاطعة) في وقتنا الحاضر.

واعترف رئيس الوكالة اليهودية إسحاق هيرتسوغ بأن تبني التعريف الجديد (سيمكننا من العمل وفق مقاييس واضحة وموضوعية لماهية اللاسامية) وهو ما تم ترجمته من خلال إطلاق مشروع عالمي في ذكرى المحرقة للمجمع القانوني الدولي من خلال (إدارة حملة قانونية عملية تمكن من النضال ضد ظاهرة اللاسامية) ليس على مستوى الفضح ونشر ثقافة مضادة فقط بل (سد النقص بإزالة العقبات والتوجيهات المحددة أمام سلطات إنفاذ القانون في كيفية استخدامه، أي التعريف الجديد).

ولا بد من أن نشير إلى أن خطر التعريف الجديد لا يكمن في تضييق هامش الحريات وحرية التعبير ولا في إعطاء غطاء لجرائم الاحتلال وقمع أي انتقادات ضدها، بل هو فوق ذلك في شرعنة مشاريع الضم والتوجهات القومية المتطرفة ضد الفلسطينيين في الداخل، وهذا ما عبر عنه الباحث في مركز مدار رائف زريق في الندوة البحثية التي أقامها المركز تحت عنوان (معاداة السامية والصهيونية والمسألة الفلسطينية) بالقول إن تبني التعريف الجديد (سيؤدي إلى خنق النضال الوطني الفلسطيني وإلى تضييق مساحات المعارضة) معتبرا أن المعركة في مواجهته معركة مهمة، وهو ما يؤيده فيه ديمتري شومسكي الذي يرى هو الآخر أن (معركة وقف التضخم الحاد في مفهوم اللاسامية أمر ممكن من خلال عمل مشترك من قبل الباحثين الإسرائيليين في اللاسامية) على اعتبار أنه أداة بيد اليمين القومي المتطرف وليس تعريفا موضوعيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.