عريب الرنتاوي يكتب -  نزعتان وفكرتان - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

عريب الرنتاوي يكتب –  نزعتان وفكرتان

0 107

عريب الرنتاوي – 19/5/2021

رمت انتفاضة القدس وسيفها، حجراً كبيراً في «مستنقع» العقل الفلسطيني الراكد، وأطلقت جدلاً وطنياً عارماً، لن يتوقف حتى وإن صمتت المدافع والصواريخ … جدل ما زالت تطغى اللحظة المشحونة بالعواطف والمشاعر على مضامينه واتجاهاته، وإن أخذ يتشكف عن جملة من الأفكار والتوجهات التي ستترك بصماتها على المستقبل الفلسطيني.

ليس المقام، لعرض تفصيلي شامل، لفيض الأفكار التي يجري تداولها، بكثير أو قليل من الجدية، فالأمر سابق لأوانه، وطبيعة هذه المقالة المحدودة، لا تتسع لذلك … بيد أنني سأتوقف أمام فكرتين اثنتين، تنطويان على قدر من الإسراف والتطيّر، وتحملان في طيّاتهما، قدراً من من الخطورة، إذ تسهمان عن قصد أو من دونه، في خلق «تزييف» وهي الفلسطينيون بلحظتهم الراهنة:

الأولى؛ «رغائبية»، تنبع من شوق تاريخي، طال انتظاره، للانتصار، بعد مسلسل طويل من النكبات والنكسات والخيبات، وبعد سنوات عجاف من الانقسام والترهل والشيخوخة التي ضربت النظام الفلسطيني، والأهم، بعد أن تطاول الظلم واستطال، فلم يترك قطاعاً أو فئة من شعبنا، إلا وضربها في مقتل، إن بالحصار الجائر على غزة، أو بتفشي الاستيطان على رقعات متزايدة من أرض الاحتلال الثاني (1967)، أو بتفاقم العنصرية لشعب الرازح تحت نير الاحتلال الأول (1948)، أو بمنع نصف هذا الشعب من ممارسة حقه في العودة إلى دياره.

يذهب أصحاب هذه الفكرة، وغالباً عن حسن نيّة، إلى تصوير الانتفاضة بوصفها «المعركة الأخيرة» في حرب الاستقلال واستعادة الحقوق وتحرير الأوطان والإنسان … وتُقَدّم من خلالها، صورة لدولة الاحتلال والعنصرية، كما لو كانت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار…حتى أن السؤال عن شروط التهدئة (حال الوصول إليها)، يشفُّ عن كثيرٍ من الأوهام والرهانات، التي تتخطى الحدث الفلسطيني، وتحمّله أكبر بكثير مما يحتمل.

والثانية؛ «ستاتيكية»، هي استمرار لمسلسل الخيبات الذي ضرب فلسطين والمنطقة طوال أزيد من عقود ثلاثة … ينطلق أصحابها من الخشية من ذهاب كل منجرات الانتفاضة وتضحيات شعبها، بجرة قلم، إن باتفاق تهدئة تبرمه حماس، أو بسعي السلطة، لتجيير هذا البطولات لإعادة وصل ما انقطع على مسار «المفاوضات حياة»، وفي الحالتين، بغرض تأبيد سلطة الأمر الواقع، والقديم على قدمه، إن في غزة أو رام الله.

لدى هؤلاء، ذاكرة ممتدة عن تجارب لم يكن ينقص الشعب الفلسطيني فيها، القدرة على الصمود والتضحية، وكيف جرى توظيفها بعيداً عن غايتها، وغالباً دون حجم التضحيات التي رافقتها، ودائماً لتحقيق أغراض «قصيرة النظر والأجل»، إن على المستوى الوطني العام، أو بالحسابات الشخصية والفصائلية.

هاتان الفكرتان، لهما ما يبررهما في الواقع، وتوفر شواهد الانتفاضة الحالية، وما سبقها من تجارب، «ذخيرة» كافية لكل فريق، لتدعيم وجهة نظره، والبرهنة على صوابيتها … بيد أن كل واحدة منهما، ينقصها الاقتراب أكثر من وقائع الأسبوعين الأخيرين ودينامياتها.

ونكتفي هنا بالقول: أن ما بعد انتفاضة القدس وسيفها، لن يكون كما قبله … لقد توحّد الشعب الفلسطيني، وتحولت أرض فلسطين التاريخية وساحات اللجوء والشتات، إلى ميادين مختلفة، لمعركة واحدة، لقد شبّت أجيالنا الشابة عن الطوق، ولم يعد ممكناً، إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء … لقد تعلم الفلسطينيون في أسبوعين اثنين فقط، ما كادوا ينسونه بعد عقدين من الفشل والخيبة … هذه طاقة جبارة، لن تُطفئها اتفاقات تهدئة، ولا مناورات السلطة.

ومصير حرب الاستقلال الفلسطينية، لن يتقرر في معركة واحدة، فالمشوار نحو النصر النهائي، ما زال مديداً ومريراً، ودونه جولات ومعارك ومزيد من التضحيات، فلا يظنن أحد أن النصر بات على «مرمى حجر»…المواجهة طويلة، مكلفة، صعبة، وشعبنا يُظهر للمرة الألف، أنه جدير بها وأهل لها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.