عدلي صادق يكتب - لاجئون إسرائيليون مزعومون عالقون في المخيلة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

عدلي صادق يكتب – لاجئون إسرائيليون مزعومون عالقون في المخيلة

0 79

عدلي صادق  *- 1/12/2020

من يسمع مثل هذا الكلام، سيتخيل أن هناك جموعا من اليهود طردتهم الدول العربية، فتحولوا إلى لاجئين عالقين على الحدود بين ليبيا ومصر أو بين وسوريا والعراق، أو على الحدود بين الجزائر ومالي.

بدأ يُسمع الموّال الإسرائيلي الجديد، والمضمر منذ منتصف العام 1977 عندما فاز الليكود للمرة الأولى في الانتخابات الإسرائيلية العامة. ففي تلك الأيام وضعت حكومة مناحيم بيغن ملف ما يُسمى حقوق اليهود الذين غادروا الدول العربية في خزانة المتطلبات المزمع التقدم بها، بكل قوة، إلى الدول العربية وجعلها في الوقت المناسب شرطا في العلاقات العربية  – الأميركية.

وفي 19 نوفمبر من تلك السنة، كان الرئيس المصري الراحل أنور السادات قد بدأ زيارة إلى القدس التي أطلق عليها “المبادرة” واستُقبل بحفاوة جعلته نجما في الإعلام الأميركي، وسادت مناخات مختلفة، إذ بدأت المفاوضات ثنائية امتدت لعدة أشهر، لكنها فشلت، ما جعل الرئيس الأميركي جيمي كارتر يدعو الطرفين الإسرائيلي والمصري إلى مفاوضات مغلقة في منتجع “كامب ديفيد” في ولاية ميريلاند الأميركية.

وهناك جرى التوقيع على معاهدة صلح منفرد نافذة فورا، ومنفصلة عن قضايا الأراضي العربية الأخرى المحتلة. وكان رئيس حكومة الليكود، الذي وصل للمرة الأولى إلى الحكم في إسرائيل، معنيا بإضافات ليكودية على قائمة أهداف إسرائيل، فبادر إلى تنميط اليهود القادمين من الدول العربية، كلاجئين في إسرائيل.

وزعم أن لهؤلاء اللاجئين قضية، وأن حقوقا قد تأسست لهم بموجب هذه القضية، وشُرحت هذه الحقوق على أساس أن جميع المواطنين المصريين اليهود، كانوا من الأثرياء، وأن ثرواتهم لم تكن من مصر، وليس أن الميسورين اليهود وأصحاب الأعمال جزء من شريحة رجال الأعمال والمال في المجتمع، وأن العائلات اليهودية من بينهم، أسهمت بشكل كبير في تمويل عملية تأسيس إسرائيل، منذ الساعات الأولى لبدئها عمليا بعد احتلال القوات البريطانية لفلسطين!

معنى هذا الإدعاء، أن حركة سياسية توصف بـ”القومية” اشتغلت على جمع ما تستطيع من يهود الدول العربية والعالم، في فلسطين، وهي نفسها صاحبة نداء التوجه إلى فلسطين، وقامت بإجلاء بعضهم في عمليات حملت أسماء رمزية، بل إن الأمر وصل بها إلى حد التآمر على المواطنين اليهود في العديد من البلدان التي كان فيها اليهود مندمجون في مجتمعاتهم، واستخدمت الحركة الصهيونية العنف ضدهم لحملهم على الهجرة. وفي ذلك السياق، تواطأت معهم قيادات أمنية محلية ـ كما حدث في روسيا ـ وساسة وعملاء كما حدث في بلدان أخرى. ومن عجائب المنطق، أن إسرائيل الآن، تدّعي أن اليهود قد طردوا وأن أحفادهم الإسرائيليين، يطالبون باستعادة حقوق أجدادهم أو التعويض عنها من الدول العربية.

وبالطريقة نفسها التي اعتادت عليه إسرائيل في محاججاتها، كتب غِلعاد أراد، سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، “لن يسمع أحد في العالم، قصص هؤلاء اللاجئين، ولم تتطرق اجتماعات الاتحاد الأوروبي إليهم، ولم يشاهد الناس صورهم معروضة في أروقة الأمم المتحدة، ولا يمكن العثور على أسمائهم في أي مكان من بين الآلاف من قرارات الأمم المتحدة التي تمت مناقشتها وتمريرها، خلال العقود السبعة الماضية. ولا يوجد يوم خاص يتعلق بمجتمعاتهم وإحياء ذاكرتهم. إنهم 850 ألف لاجئ يهودي، طردوا من الدول العربية ومن إيران بعد قيام إسرائيل”!.

بالطبع، لن يكون هناك من سيبادر إلى طلب التحقيق، لمعرفة الأطراف التي طردت اليهود من الدول العربية. فمن قام بالطرد أو الحث على التهجير بوسائل الترغيب والترهيب، هو الحركة الصهيونية نفسها. فبعد تأسيس إسرائيل بثماني سنوات، كانت هناك رغبة عند حكومة بن غوريون في إجلاء من تبقوا من اليهود المصريين، بعد يوليو 1952 عندما لم يكن بمقدور الصهيونية أن تنشط في مصر. واستغلت إسرائيل العدوان الثلاثي على مصر واحتلال بور سيعيد، لتوجيه نداء ليهود مصر عبر قنوات سرية، لكي يتجمّعوا في ميناء بور سعيد. وجرت عملية إجلاء قادها الجنرال آرييه لوبا إلياف، الذي أصبح في أواخر أيامه من أهم دُعاة السلام.

” لا يوجد من سيبادر إلى طلب التحقيق لمعرفة الأطراف التي طردت اليهود من الدول العربية، فمن قام بالطرد أو الحث على التهجير بوسائل الترغيب والترهيب هو الحركة الصهيونية نفسها “.

يقول غِلعاد أراد، كمن في قلبه وجع حقيقي “بالنسبة إلى الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة، فإن هؤلاء اليهود منسيون، ولكن بالنسبة إلينا، نحن الإسرائيليين، سيستمر نضالهم”.

ومن يسمع مثل هذا الكلام، سيتخيل أن هناك جموعا من اليهود طردتهم الدول العربية، فتحولوا إلى لاجئين عالقين على الحدود بين ليبيا ومصر أو بين وسوريا والعراق، أو على الحدود بين الجزائر ومالي.

ويكذب غِلعاد أراد فيزعم أن الجيوش العربية في العام 1948 شنّت هجوما على التجمعات اليهودية، بينما الذي حدث هو العكس تماما، سواء من الملك عبدالله بن الحسين وضباطه الإنجليز، أو من القادة العسكريين في الجيوش التي دخلت إلى فلسطين لكي تحمي خطوط التقسيم ولم تفلح، بينما عمليات التطهير العرقي وطرد 850 ألف فلسطيني من بلدهم كانت جارية بأيدي قوات الحركة الصهيونية وفصائلها الإرهابية، تطال الفلسطينيين أصحاب الأرض، وتطردهم من بيوتهم وحقولهم. وعليه نشأت مشكلة اللاجئين الذين لا يزالون لاجئين، ولا تزال أعراض اللجوء ماثلة للعيان.

الدبلوماسي الإسرائيلي المتذاكي، الذي يتحدث عن الطرد من دول عربية كانت لا تزال بغير استقلال ناجز، يغمز من قناة الأمم المتحدة، كمن يقول إن المنظمة الأممية أكرمت اللاجئين الفلسطينيين ودلّلتهم وحرمت “اللاجئين” اليهود. وفي الحقيقة ليس أدعى إلى السخرية والقرف، من هكذا منطق يحتقر عقول الناس عند تزوير حقائق التاريخ القريب.

يمكن ألا يستهجن المرء مثل هذا الاستهبال، عندما يعلم أن الرجل الذي يكتب أو يتحدث ينتمي إلى الأوساط اليمينية الأشد تطرفا، أي الأوساط نفسها التي عطّلت ولا تزال، كل محاولة لتحقيق الاستقرار في المنطقة، والتوصل إلى صيغة التسوية التي توافقت عليها الأمم وحددت مرجعياتها وأعطت إسرائيل ما لا تستحق.

من الطبيعي أن يتصدى دبلوماسي من هذا الطيف إلى مبدأ وجود لاجئين فلسطينيين، بل ربما ينكر أن في إسرائيل نفسها هناك دائرة مترعة بالسجلات والوثائق وأوراق الملكية، والأحراز المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين، ونسمّيها الحكومة الإسرائيلية، دائرة “أملاك الغائبين”.

ويريد غِلعاد الآن مطالبة العراق وسوريا ولبنان وإيران ومصر والجزائر، بتراث وثقافة وممتلكات ضيّعتها هذه الدول. أما الحركة الصهيونية، فهي أولا، ليست صاحبة الغواية لحمل اليهود على الهجرة. وثانيا، ليست هي من سرقت ممتلكات الشعب الفلسطيني وعقاراته وأراضيه وحتى تراثه وفنونه. وثالثا، كأنها لا تعرف أن حلفاءها البريطانيين والفرنسيين، كانوا يحسمون الأمور في البلدان العربية، ولولا أن الصهيونية هي التي أرادت أن ينتقل اليهودي إلى فلسطين، لما اقترب منه ولا من أملاكه أحد. فشتان بين واقعة غزو واستلاب وطن شعب آخر، وبين تعرض اليهود لعمليات التهجير من أوطانهم على أيدي حرة يهودية صهيونية، إلى فلسطين.

عندما يختم غِلعاد أراد ما كتب قائلا، إنه يلتزم بالعمل على أن تصبح قضية اليهود الذين هاجروا من الدول العربية، جزءا من الوعي الدولي، فإن الخشية ستكون من البدء بالتدرج التاريخي، أي أن تستغل إسرائيل القنوات المفتوحة، لكي تطالب بحقوق يهود خيبر، والتعويض أولا عن الأنعام والحِليْ. عندئذٍ، ستكون الأمور قد بدأت تتعقد!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.