عدلي صادق يكتب - بلغة التحليل السياسي .. معنى فوز بايدن فلسطينيا - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

عدلي صادق يكتب – بلغة التحليل السياسي .. معنى فوز بايدن فلسطينيا

0 83

عدلي صادق * –  10/11/2020

هناك رؤية لدى بايدن للتوصل إلى اتفاق الوضع النهائي والإلحاح على هذا الحل بشكل أقوى مما فعلت إدارة أوباما التي اهتمت بالإقليم كله وظنت أن إطاحة الأنظمة ميسورة لها.

يصح القول، ابتداء، أن المقصود بهذا العنوان، هو المعنى الذي يراه الفلسطيني، ومعه كل المناصرين لقضيته من العرب والمسلمين والتقدميين الأحرار في العالم. كذلك يصح التأكيد أن هذه السطور لا تناقش فرضية أيديولوجية راسخة لا يمكن دحضها، وهي أن الولايات المتحدة، منحازة إلى إسرائيل أيا كان رئيسها، وأن الحزبين الجمهوري والديمقراطي ـ عندما يتعلق الأمر بإسرائيل ـ ليسا إلا وجهين لعملة واحدة. فهذا هو المؤكد الذي نؤكد عليه.

لذا إن التحليل هنا، يقع في ميدان السياسة، فمن يعترف بأن الخوض في هذا الميدان، أمر مقرر على المشتغلين في العمل الوطني، فلا بد له أن يفتح عينيه جيدا، على كل المعطيات، لكي يحسن التعاطي معها، إذ لا فائدة من التجاوز عنها وإغفالها، وأن ينام الإنسان حزينا على وسادة الأمنيات الضائعة، فيتأسى على الحال، دون بذل أقصى جهد لإسماع صوته ويقول “ها نحن هنا، ولنا في الفضاء الدولي واحدة من أقدم وأهم القضايا على المسرح الدولي، مثلما لنا على الأرض، شعب ينشد الحق والحرية”!

فوز جو بايدن في السباق الرئاسي الأميركي، له معنى كبير وجوهري، يتفرع إلى معان عدة بخصوص السياسة الأميركية، حيال قضية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي (بعد خروج العرب من هذا النزاع عمليا) وكذلك حيال إيران وما يتفرع عن قرارات الرئاسة الأميركية بخصوصها، من تغييرات في مشهد الشرق الأوسط.

في يوم الأربعاء 20 يناير 2021 يتسلم جو بايدن الرئاسة، ويبدأ معنى الفوز في التشكل، ليتضح الفارق بين إطاحة ترامب وبقائه. وهنا، يمكن ترتيب التوقعات الأقل سوءا، دون أن ننتظر انحيازا أميركيا للقضية الفلسطينية، في عهد بايدن:

إن ما يسمى “صفة القرن” ستكون مع بدء عهد الرئيس الجديد، قد أراحت أصحابها والمتطيرين الرافضين لها، وستخرج من نطاق التداول السياسي. فـأصحاب الصفقة، تعبوا منها قبل أن يستطيعوا شرحها أو الإفصاح عنها كاملة، حتى الشهقة الأخيرة من حياة ترامب السياسية. ذلك على الرغم مما حظيت به من تدليع بالعديد من الأسماء، فمرة تُنسب للقرن، ومرة للعصر، ومرة للسلام “من أجل الازدهار”.

الخراب الذي أوقعته إدارة ترامب، من خلال ثرثرتها عن الصفقة، كان فادحا، لاسيما عندما أعطت نتنياهو، فترة استراحة لضم المزيد من الأرض الفلسطينية، لكي ترجح كفته في السياسة الداخلية على النحو الذي يؤمن له النجاة من المحاكمات. وفي السياق، جرى الترويج لفرضية القبول العربي لضم القدس الشرقية المحتلة في العام 1967 من خلال الحديث المتواتر عن كون الأمر أصبح محسوما وصالحا للتداول، على الرغم من استحالة التوصل إلى تسوية دون التراجع عن هذا الضم الرجيم.

في مرحلة فوعة “الصفقة” نشر أصحابها خارطة للتسوية، ودُعي الفلسطينيون للتفاوض على أساسها، بمنطق ينم عن العربدة القصوى. وكان من بين احتمالات هذا التفاوض العجيب، أن يرفض المحتلون بعض الصفقة، وأن يُقتطع المزيد من الأراضي التي خصصت للفلسطينيين في الخارطة نفسها، وأن تُضاف المزيد من القيود الأمنية الاحتلالية، على البؤر المتبقية للفلسطينيين، فيها. فقد كانت تمثل نوعا من الجنون وإنكار الحقائق، اللذين لا يضاهيهما سوى رفض ترامب اليوم، لنتائج انتخابات يتفوق فيها منافسه بأكثر من أربعة ملايين صوت من البشر!َ

على صعيد آخر، لن يلتزم جو بايدن بأي موقف من شأنه المساعدة على ضم الضفة، وهو الهدف الذي كان ترامب ونتنياهو يطمحان إليه في حال فوز الأول بولاية ثانية. ويقال في الأوساط الأميركية، إن ترامب تعمد “تصبير” نتنياهو، واتفق معه على تسهيل التطبيع مع بعض الأقطار العربية، بإطلاق الوعود، بأن إسرائيل ملتزمة بوقف الضم. وكانت المفارقة اللافتة، في السنة الأخيرة، عندما تجاهل الثنائي ترامب ـ نتنياهو موضوع الصفقة، وأعطى الأولوية لاتفاقيات التطبيع، مع وضع فرضية جديدة وهي أن “الحل السياسي” للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي يأتي لاحقا وعلى مهل!

ومن بين الفوارق، أن هناك رؤية لدى جو بايدن للتوصل إلى اتفاق الوضع النهائي، أو الإلحاح على هذا الحل، بشكل أقوى مما فعلت إدارة أوباما التي اهتمت بالإقليم كله وظنت أن إطاحة الأنظمة وتغيير بنيتها ميسوران لها. فقد اكتفت إدارة أوباما بإلقاء اللوم على سياسات إسرائيل الاستيطانية، كعقبة في وجه تحقيق التسوية. لذا رأى المستوطنون في الضفة الفلسطينية، في ولاية ترامب، فرصة سانحة للمزيد من التوسع الاستيطاني وضم مناطق إلى إسرائيل. وقد جاءت إطاحة ترامب في لحظة غير مناسبة بالنسبة لهم، ولسفير ترامب لدى إسرائيل وهو مستوطن متطرف في ثياب سفير أميركي، عارضت تعيينه المنظمات اليهودية الأميركية نفسها، باعتباره فضيحة.

إن هذه الوجهة للحزب الديمقراطي، تفرض على رئيس السلطة محمود عباس، ترميم ودمقرطة نظامه السياسي، لكي يؤدي دورا يتناسب مع التغيير الحاصل في الإدارة. فلا مجال لتعزيز فرصة هذا النظام في البقاء، دون إصلاح. فالوضع الحالي للسلطة الفلسطينية، لا يبشر بخير بعد عباس الذي يقترب من سن التسعين.

ومعروف ومرئي للجميع، أن عفونة النظام السياسي الفلسطيني، الذي يترأسه عباس، وضآلته الدستورية، وخواء مؤسساته، والفاقد للتمثيل الشعبي الجديد، هو وحماس، تعني موضوعيا غياب الطيف السياسي الفلسطيني، وتحوله إلى عامل مساعد على مراوحة الأمور في ذات المربع، إن لم يساعد الاحتلال على التمسك بسياساته.

ويخطئ عباس إن اعتقد بأن ولاية بايدن، تعني فقط عودة المساعدات الأميركية إلى السلطة وإعادة افتتاح مكتب تمثيلي في واشنطن، وعودة المخصصات الأمنية و”التنسيق” إلى حال الازدهار، والعودة إلى دعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا”. فكل هذه العناصر هي رزمة إغاثة لها استثمارها السياسي، ولا استثمار في بيئة سلطوية فاسدة وفاقدة للقدرة على التلقي البنّاء.

أما بالنسبة لنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، فلا عودة عنه بالنسبة لبايدن، لأن الرجل نفسه، كان من بين الموقعين على ما يسمى “قانون السفارة الأميركية لعام 1995” الذي اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وأمر بنقل هذه السفارة من تل أبيب إليها. بل إن بايدن صرح بوضوح، بأن لا نية لديه للتراجع عن نقل السفارة. لذا أصبح سقف ما ينبغي العمل عليه فلسطينيا وعربيا ودوليا، هو الحصول على المحدد السياسي والجغرافي، الذي يفيد بأن نقل السفارة كان إلى القدس الغربية، وليس إلى الشرقية.

صحيح إن هذا أمر يتعارض مع الترتيبات الخاصة المتعلقة بالمدينة منذ العام 1947 ومع قرار التقسيم بالنسبة لها ولبيت لحم، ومع الموقف الأميركي على مر عشرات السنين منذ العام 1947، لكن هذا هو الأمر الواقع الآن، بالنسبة للرئيس جو بايدن، الذي نتفق على أنه الوجه الآخر من السياسة الأميركية.

مقابل الموقف من القدس، وهو شبه متطابق مع موقف ترامب، يريد بايدن “إحياء السلطة الفلسطينية” حسب وصفه، بعد أن أوشكت على الانهيار المالي. وهنا نقول بلا تردد، إن قوى المجتمع المدني الفلسطيني، ومعها القوى السياسية إن أمكن، مطالبة بإعلاء الصوت لكي لا تكون عملية “إحياء السلطة” بطريقة محمود عباس، وهو رجل يفتقد تماما هو ومساعدوه وأعضاء حلقته الضيقة، إلى ثقافة الدولة.

من أعياهم التفرد والاستهتار بالقانون وإطاحة المؤسسات وغياب العدالة والبعد الاجتماعي للسياسة، عليهم أن ينشطوا للخروج من المأزق. وهذا الأمر نفسه، صنو المطالبة الصارخة للقوى السياسية الفلسطينية، بأن تعلي الصوت ولو في الفضاء الدولي، للمطالبة بحق الشعب الفلسطيني، في نظام سياسي موحد ورصين وملتزم بشرعية دستورية، على أن يكون هذا قرين المطالبة بالحقوق الوطنية وجلاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني.

*عدلي صادق –  كاتب وسياسي فلسطيني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.