أقلام وأراء

الحرب بوسائل أخرى ..!

د. عبد المنعم سعيد

د. عبد المنعم سعيد 2022-04-17

وسط أمور كثيرة يحتار فيها القارئ عند متابعة الحرب الروسية الأوكرانية أنه لا يعلم إذا ما كانت الحرب مستمرة حتى يكون فيها منتصر ومهزوم، أو أن طرفي الحرب مهتمان بالفعل بوضع نهاية لها، من خلال المفاوضات التي بدأت بعد فترة قصيرة من بداية العمليات العسكرية، ولا تزال مستمرة حتى الآن بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال أطراف ثالثة.
والحقيقة التي دلنا عليها الاستراتيجي البروسي (الألماني) كارل فون كلاوزفيتز (١٧٨٠ – ١٨٣١)، في كتابه «في الحرب»، هي أن المفاوضات أو السياسة ما هي إلا حرب بوسائل أخرى.
ما يجرى بحثه دائماً هو «الصراع» أو النزاع بين أهداف متصادمة، ويكون العمل العسكرى وسيلة للتأثير في مواقف الخصم، لكن هذا «التأثير» كثيراً ما يأتي من خلال تفاعلات شتى، كانت المفاوضات أبرزها في الماضي، لكن الآن فإن الاقتصاد والإعلام وساحة المنظمات الدولية أو تأييد الرأي العام العالمي صارت جزءًا من معادلة لا يمكن الاستغناء عنه.
وكان من الطبيعي في حروب جرت في الماضي أن تكون الأداة العسكرية هي الحاسمة في نتائجها رغم وجود درجة من درجات «الدبلوماسية» والتفاوض، لكن ذلك كان يأتي عادة عندما تقرر الأطراف أن الصراع المسلح قد أدى إلى درجة عالية من الإرهاق، أو بات واضحاً أن هناك حاجة ماسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
والآن لم يعد الحال كذلك، فالاتصالات المباشرة تكون حاضرة منذ ما قبل بداية الصدام المسلح، ولم يمنعها نشوب الحرب، وفي كل الأوقات كانت هناك جسور أقامتها دول رأت في نفسها أن بوسعها الوساطة نظراً لروابطها بالطرفين، وفي أحيان أخرى أرادت دول أن تكون وسيطة أمام عدسات المصورين، وكفى.
في الحرب الجارية بين روسيا وأوكرانيا فإن «الوسائل الأخرى» تبدو أوسع كثيراً من طرفي القتال. فالأصل في الموضوع له علاقة بالتركيبة «الجيو سياسية» في الصدام، وهو ما يستدعي النظر إلى الخارطة، حيث الجغرافيا التي تحتضن فيها روسيا أوكرانيا، والتاريخ الذي خلق علاقات وثيقة بين الطرفين خرجا منها بكثير من الحنين في ناحية، والسخط والغضب في ناحية أخرى.
علاقات الجوار دائماً لا تؤدي إلى حُسْنِه، وكثيراً ما تكون مصدراً للخوف والحذر وخوفاً من الاستيعاب أو الابتلاع.
وعندما تكون الدولة واقعة بجوار دولة عملاقة في الحجم السكاني والجغرافي، وكثيراً ما يحدد كلاهما القوة المسلحة، فإن الدولة الأصغر حجماً وسكاناً تتحسب كثيراً للحالة النفسية والسياسية للدولة الأعظم.
وربما لا توجد صدفة أن الدول الصغيرة المجاورة للولايات المتحدة وروسيا والصين والهند تخشاها إن لم يكن لتنازع حدودي أو سكاني، فإنه يكون خوفاً من طغيان ثقافي.
كل هذه العوامل تشابكت في صراع موسكو وكييف، وربما كانت جزءًا من إساءة التقدير الذي انتاب كليهما خلال المراحل الأولى من التنازع.
من ناحية فإن روسيا ظنت أن صلاتها بالشعب الأوكراني وثيقة، ولا يقلل من ذلك إلا حزمة سياسيين من «النازيين الجدد» الذين يستخدمون النزعة القومية للعداء تجاه روسيا، فإذا ما تم الخلاص من هؤلاء فإن أوكرانيا سوف تعود إلى الأحضان راضية مرضية.
ومن ناحية أخرى فإن أوكرانيا ظنت أنه من الممكن تجاهل كل عناصر الجغرافيا والتاريخ، والقفز عليها اقتراباً من حلف الأطلنطي والولايات المتحدة والغرب عامة، مهما كانت الأحوال في الشرق.
ولم تكن هناك مصادفة في أن الخطابات التي وجهها الرئيس الأوكراني زيلينسكي إلى برلمانات الدول «الصديقة» كانت محملة بالكثير من خلق شعور بالذنب لدى هذه الدول أنها لم تذهب إلى أوكرانيا لقتال الجيش الروسي، ومن ثم فإنه بات عليها تعويض ذلك بكثير من المعونات والعدد والعتاد.
ما حدث عملياً هو أن «النزعة القومية» غلبت على كل الأمور الأخرى، وفي الإطار الروسي فإن الرئيس بوتين وضع الصدام دائماً في إطار ما تعرضت له روسيا من مهانة في أعقاب نهاية الحرب الباردة.
لم تكن روسيا، بالاشتراك مع ١٤ جمهورية أخرى، جزءًا من دولة الاتحاد السوفييتي، ومن ثم فإن الإهانة كانت موزعة على الجميع أو أن الفشل كان نصيبها جميعا.
فالواقع أن روسيا اعتبرت دائماً أن الاتحاد السوفييتي هو الترجمة المعاصرة في القرن العشرين لروسيا القيصرية، ولذا فإن سقوطه، حسب تعريف الرئيس بوتين، كان أكبر خطأ استراتيجي حدث في ذلك القرن.
لم تكن القضية سقوطاً يماثل سقوط القياصرة من آل رحمانوف، وإنما سقوط لروسيا وهويتها التاريخية، وحتى نزعتها في التوسع الجغرافي الدائم.
التاريخ هكذا بدا واحدا من «الوسائل الأخرى» المستخدمة في الصراع، وهو وسيلة لا تستخدم فقط في مواجهة الخصوم، وإنما لضمان التأييد في الداخل، خاصة وقد دخل الاقتصاد إلى الساحة، ولم يعد الصراع يعتمد على توازن القوى العسكرية، وإنما على قدرات التحمل الاقتصادية في مواجهة عقوبات قاسية.
وبصرف النظر عن التحليلات المختلفة لنتائج المعارك، وما عكسته من توازنات للقوى العسكرية، فإن الولايات المتحدة، بالإضافة إلى المعونات والتحركات العسكرية القريبة من ساحة القتال، كان لديها نوعان من الوسائل الأخرى: الأول هو العقوبات الاقتصادية، وجوهرها أن تدفع روسيا ثمناً لضآلتها الاقتصادية في زمن العولمة، والثاني نزع الشرعية عن النظام السياسي الروسي وعن الرئيس بوتين شخصياً من خلال تقسيم العالم والأنظمة السياسية بين «الديمقراطية» و»السلطوية».
ورغم أن ذلك كان أداة الرئيس بايدن لبث العنفوان الليبرالي في الحزب الديمقراطي، فإن جوهره في الصراع كان نزع الشرعية عن الرئيس بوتين، وبالتالي حربه تجاه أوكرانيا.
ورغم أن مثل ذلك لم يكن جديداً خلال فترة الحرب الباردة، فإن الواقع الدولي الراهن يختلف عما كان عليه في ذلك الوقت، فروسيا بعد كل شيء صارت دولة رأسمالية تتفاعل سوقها مع باقي الأسواق العالمية، خاصة في أوروبا، وفى مجال الطاقة غازاً ونفطاً.
مثل ذلك يأتي بالصين إلى الساحة رافضة للتقسيم الأميركي للعالم، وتضع مكانه تقسيماً آخر بين حلف الأطلنطي في ناحية، وبقية العالم في ناحية أخرى.
ومن هنا تأتي صيحة المراجعة للنظام الاقتصادي العالمي التي وضعتها روسيا على المحك من خلال استهداف قدس أقداسه القاضي بأن يكون الدولار الأميركي هو العملة الدولية الرئيسة في كافة المعاملات والتبادلات بين دول العالم.
الحرب الروسية الأوكرانية سوف تنتهي في يوم ما، ربما لن يكون بعيداً، لكن ما لن ينتهى فسوف يكون كيف أدت الحرب إلى تغيير العالم ومعه النظام الدولي.
ملامح ذلك تبدو شاحبة الآن بما سوف يظهر في «أوراسيا» أو في الإقليم الروسي الأوروبي الذي يدور حول أوكرانيا، لكن المؤكد أن النتائج سوف تكون أبعد، بعضها سوف يتمدد إلى وضعية الدول المحايدة، وبعضها الآخر إما أنه سوف يؤدي إلى الخفوت لروسيا، أو البروز الظاهر للمكانة والقوة الصينية، ومعهما سوف تكون الولايات المتحدة وعملتها في الميزان، حسبما ستكون عليه الأوضاع السياسية داخل أميركا ذاتها.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى