عبد المجيد سويلم يكتب حول التناقض بين الحلول السياسية والهوية - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

عبد المجيد سويلم يكتب حول التناقض بين الحلول السياسية والهوية

0 83

عبد المجيد سويلم 26/4/2021

حاولنا أن نبيّن في المقالات السابقة أن ثمة تناقضاً موضوعياً ينشأ في سياق البحث عن حل، أو حلول سياسية للقضية الوطنية، بين مقتضيات هذا الحل وبين ضرورات تماسك الهوية الوطنية، والحفاظ على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وبما يؤمّن وحدة مكوناتها الكيانية والسياسية على هيئة، وفي إطار حقّه في تقرير المصير.

لم يكن هذا التناقض صارخاً عندما طُرحت الدولة الديمقراطية التي يعيش فيها اليهود، والذين تحولوا إلى إسرائيليين بعد قيام إسرائيل، وبين الشعب الفلسطيني بكافة تجمعاته، في الداخل وفي الأرض المحتلة العام 1967، وفي الشتات طبعاً.

لكن برنامج الدولة الديمقراطية كان “يتناقض” مع “القانون الدولي والشرعية الدولية”، ولذلك فهو ـ وإن كان برنامجاً يطرح حلاً تقدمياً وإنسانياً وحضارياً، ويحل بصورة نموذجية حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وللشعب الإسرائيلي على حد سواء، إلاّ أن هذا البرنامج يتجاوز الواقع، ويتجاوز ميزان القوى المرئي إضافة لتجاوزه “القانون الدولي والشرعية الدولية” بالمفهوم الدارج حالياً.

وكانت إسرائيل قد دمّرت في الواقع وتجاوزت قرار التقسيم الذي “أعطى” حق تقرير المصير في هيئة دولة “وطنية” لكل شعب، مع بقاء العلاقات بين الدولتين على درجة “عالية” من التداخل والتشابك الاقتصادي والديموغرافي على حد سواء، إضافة إلى حل قضية القدس عبر تحويلها إلى مدينة مشتركة تحت الولاية الدولية.

أما تذرّع إسرائيل في “تفسيرها” لتجاوز قرار التقسيم بالرفض العربي للقرار و”الموافقة” الاسرائيلية عليه، فقد تبين أنها مجرد دعاية سياسية رخيصة لتبرير عدوانيتها وتوسعيتها المتأصلة في صميم المشروع الصهيوني، والمحفورة عميقاً في أيديولوجية هذا المشروع.

المهم أن التناقض قد بدأ بين الحل (البرنامج) القائم على الانخراط الفلسطيني في مسار التسوية القائمة، والمؤسسة على أساس القانون الدولي والشرعية الدولية، والذي ينحصر في جانب “حق” إقامة الدولة الوطنية، وعلى أن يكون القرار (194) جزءاً من مقتضيات والتزامات الحل السياسي بهذا التفسير للشرعية الدولية، وبهذا البعد بالذات من حق تقرير المصير.. واستمر حتى يومنا هذا، وسيظل قائماً ما لم يتم إعطاء هذا البرنامج (الحل) التفسير الذي يفصل العلاقة العضوية المفترضة مع حق تقرير المصير.

تأسس برنامج حل الدولتين على تصورات سياسية وصلت إلى حدود الاعتقاد، وربما “الإيمان” بأن ثمة إجماعاً وطنياً فلسطينياً، ودعماً عربياً اقليمياً، ودولياً أصبح بالإمكان الاستناد إليه في لجم العدوانية والتوسعية الإسرائيلية، والمراهنة على الدعم والإسناد وبما يسمح بإجبارها (أي إسرائيل) على التراجع، وعلى “التسليم” بمقتضيات حل الدولتين.

وفي مسار البحث عن هذا “الحل” تآكلت قضية العوة، وتحولت إلى حل متفق عليه لحق ممارسة هذا الحق، ثم تعمق هذا التآكل حتى وصل إلى التعويض والتوطين، ثم أخيراً أصبح هذا التعويض هو الأساس وتحولت “العودة” إلى فعل سياسي رمزي في عدة صيغ سياسية كما نصت عليه نقاط الرئيس كلينتون، ووثيقة جنيف، وفي وثائق رسمية وشبه رسمية أخرى إلى أن بدأ الحديث والمجاهرة بمقايضة التعويض بأملاك اليهود في البلدان العربية، بل ووصلت إلى مبادلة “المستوطنات” بهذا الحق.

باختصار وتكثيف، وصلنا في بعض مفاصل “أوسلو” وغيرها إلى واقع يعني تبديد هذا الحق وتحويله إلى دائرة المقايضة، وما يعنيه هذا الأمر الخطير من تفككات، وهلهلات في موقف الشتات الذي ظهر وكأنه بات “متروكاً”، وأن حق وحلم العودة أصبح مهدداً، إضافة إلى اعتبار لاجئي الداخل (داخل إسرائيل) شأناً إسرائيلياً خالصاً.

لم تتوقف الأمور هنا، فقد تحول البحث عن “الدولة” إلى موضوع للقضية الوطنية، وتحولت القيود على سيادة الدولة إلى موضوعات قابلة للتداول، بل وقابلة للإقرار، ما يضع حق تقرير المصير أمام احتمال واحد ووحيد، وهو حكم ذاتي يضيق أو يتوسع حسب درجة الانضباط لشروطه بالمفهوم الإسرائيلي المدعوم أميركياً والذيلي له أوروبياً، والخانع بالكامل والمرتهن للموقف الأميركي إقليمياً وعربياً.

وفي هذا الإطار جاء الانقسام الداخلي الذي نتج عن تضافر التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي مع طموحات وأجندات الحركة الانقلابية التي قادتها حركة حماس لكي يعزز من الهجوم الإسرائيلي الكاسح بنسخته اليمينية المتطرفة لضرب الهوية الوطنية كمدخل رئيس لضرب المشروع الوطني، أو ما تبقى من هذا المشروع في الواقع، وتحول إضعاف المنظمة إلى واقع مؤلم.

والخلاصة هنا أيضاً، هي أن برنامج الدولة الوطنية، المنسجم مع الشرعية الدولية والقانون الدولي ليس هو برنامج هذه الدولة في واقع مسار المفاوضات، والتي أدت في نهاية المطاف إلى هذه الدرجة الخطيرة من التآكل.

فإذا كانت الشرعية الدولية والقانون الدولي يحتويان على قدر ما من جوهر حق تقرير المصير، فإن ما أفضت إليه، وما انتهت إليه اتفاقيات أوسلو يفرغ حق تقرير المصير من مضمونه، ويحوله إلى مساومة غير مشروعة على الشرعية الدولية والقانون الدولي نفسه، ناهيكم طبعاً عن درجة ليست قليلة، ولا هي ثانوية من الإجحاف التاريخي بحقوقنا الوطنية.

والآن السؤال هو: أيهما أهم للشعب الفلسطيني، وأيهما أجدى، وأيهما أنفع، وأكثر تلبية للمصالح الوطنية العليا، لكافة أبناء وبنات شعبنا في الداخل وفي المحتل عسكرياً من أرضنا، وفي الشتات، البحث عن دولة مقيدة بقيود الواقع القائم على موازين القوى، والتي ربما تعكس المصالح “العليا” للمشروع الصهيوني، أم الحفاظ على وحدة شعبنا وحقوقه وهويته الوطنية التي تجسد الترابط التاريخي بين الحقوق والشعب كله إلى أن تتوفر الشروط التاريخية لتحقيقها؟

واضح أن وحدة وهوية شعبنا هي الأهم، وواضح أن مصالحنا الوطنية لا يحققها إلا ذلك البرنامج (الحل) الذي يجسد هذه الوحدة ويعمل على توفير شروطها التاريخية.

من على هذه القاعدة وهذا الأساس فإن الحل السياسي الذي يستجيب لحقوقنا ووحدة شعبنا وهويته الوطنية هو البرنامج الذي يساوم أو يقايض حق تقرير المصير بحق مماثل له في الحقوق، وفي المقدمة منها حق السيادة الوطنية الكاملة على دولة كاملة السيادة، بعاصمة خاصة وبحدود معترف بها.

وواضح أن إنهاء الصراع لن يتحقق قبل أن تعترف إسرائيل بهذه الحقوق لنا في ضوء تحملها للمسؤولية القانونية وكذلك التاريخية عما حل بشعبنا من نكبات، وما لحق به من ويلات التشرد والاقتلاع، وما قامت به إسرائيل، وما ارتكبته بحقه من انتهاكات بكل أنواعها وبكل ما انطوت عليه هذه الممارسات والسياسات في كل مناحي الحياة.

وواضح أن مثل هذا الاعتراف بهذه المسؤوليات هو المدخل الوحيد الذي يمكنه أن يقنع شعبنا بالإقدام على مساومة تاريخية وعلى صلح تاريخي بين الشعبين.

وأي برنامج أو حل سياسي لا يوفر وحدة الشعب والهوية هو برنامج مساومة غير مشروعة وطنياً، وأي برنامج لا ينتقص من هذه الوحدة، ولا يؤثر عليها، ويوفر كل إمكانيات تكريسها هو البرنامج الوطني الوحيد الذي يجعل من المساومة مساومة مشروعة.

هذه المساومة المشروعة لا يوفرها حل الدولتين إلاّ بقدر ما يكون هذا الحل جزءاً عضوياً في حق تقرير المصير، وهذا هو بالضبط معيار وحدة الشعب والهوية والجزء الأساسي من الحقوق الوطنية، وهذا هو بالضبط عنوان مشروعية المساومة التاريخية.

وهذا كله لا ينفي ولا يستبعد البحث عن صيغة لتحول هذه الدولة الفلسطينية وهذه الدولة الاسرائيلية إلى دولة واحدة، أو دولة كونفدرالية، أو حتى فيدرالية على أساس من الاختيار الطوعي، وعلى أساس الاعتراف التام بحق تقرير المصير المتبادل، وعلى أساس انتهاء وتصفية الطابع العنصري والتوسعي والعدواني للمشروع الصهيوني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.