عبد المجيد سويلم 2023-10-30: السياسة الفلسطينية المطلوبة؛ الآن وفوراً
كثيرون منّا يعتقدون أنّ لا وقت للسياسة ما دامت الحرب تستعر وتتصاعد، وما دامت الأمور لم تتّخذ وجهة يمكن الركون إليها، أو الاعتماد على صحّتها.
وأغلبنا يرى أنّ الأولوية القصوى في ظلّ حالة الجنون التي «ركبت» إسرائيل من تقتيل وحشي، وغرائزي، ومن تدمير «إبادي» وصل إلى أعلى درجات التطهير العرقي، بأهداف لم تعد تحتمل أيّ أوصاف سوى تحويل القطاع إلى بقعة جغرافية تفتقد لأيّ مقوّمات أو إمكانيات للعيش الآدمي، وتنعدم فيها الحياة الطبيعية لعقود كاملة من المستقبل.
أغلبنا يرى أنّ الأولوية القصوى الآن، وفوراً هي لوقف الحرب، ووقف هذه البربرية الهمجية التي تنتمي لعصور كنّا نعتقد أنّها أصبحت غابرة، وبائدة، وطواها الزمن والتاريخ.
هذا الاعتقاد هو اعتقاد صحيح، وحكيم، وهو اعتقاد وطني وإنساني نابع من أعلى درجات الحرص، ومن درجات أعلى من أن يكون استمرار هذا الجنون هو بمثابة مقدّمات لخطّة مرسومة بعناية فائقة لإلحاق كارثة وطنية بشعبنا على غرار نكبته الأولى.
هذا الاعتقاد على وجاهته يفترض بأنّ وقف الحرب قد يكون ممكناً وقابلاً للتحقيق عند درجة معيّنة من تراكم المعطيات الإيجابية الفاعلة، والمؤثّرة، وعند درجةٍ أخرى من التطوّرات الإيجابية الإقليمية والدولية، وعند تصاعد وتيرة المدّ الجماهيري المساند في كلّ تجمّعات الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية والإسلامية، وشعوب العالم كلّه، وقواه الخيّرة والتقدّمية والحرّة.
وهنا، أيضاً، فإنّ هذا الافتراض، والذي هو برسم الأمل والمراهنة مطلوب وضروري، لكنه مشوبٌ بأخطار لا يجوز إسقاطها من الحُسبان، وليس من الحكمة اعتبار هذا الافتراض وكأنّه في دائرة التحقُّق السريع.
بعد أن قرأنا كلّنا ما قاله دنيس روس، من أنّ «غالبية» العرب ليس عندهم اعتراضات جدّية على التخلُّص من حركة حماس، وما تشكّله من «صُداع» للنظام العربي، والذي عبّر عنه أمين عام جامعة الدول العربية بصورة تعكس وترسم حدود السقوف العربية في مواجهة حرب الإبادة الإسرائيلية، فإنّ علينا أن نغادر ساحة التمنّيات والرغبات، وأن ندرك بعمق أنّ المسألة قد تجاوزت «حماس» وأصبحت وتحوّلت واقعياً وفعلياً إلى تصفية القضية الفلسطينية من خلال، وتحت شعار، وتحت غطاء التخلّص من «حماس» ولهذا بالذات، ولهذا تحديداً، فإنّ السياسة الفلسطينية المطلوبة ليست مسألة استباقية، وليست مبكرة على الإطلاق، ولا تتناقض ولا تتعارض، بلّ تتكامل مع الجهد الكفاحي على الصعد والمستويات كافة.
وبسبب أنّ الحرب تتّسع وتمتد على مستوى توغّلات برّية، وليس الاجتياح الشامل، ولأنّ الولايات المتحدة هي التي تقود هذه الحرب، وموجودة داخل غرفة عمليات هذه الحرب، وهي لا تريد الاجتياح الشامل، وتفضّل القضم البرّي المتدرّج، مع الاستمرار في حرب الإبادة والتدمير فإنّ المراهنة على قبول الولايات المتحدة، وعلى قبول إسرائيل بأكثر من «هُدَن» قصيرة، أو هُدْنَة لعدّة أيّام تهدف إلى صفقات جزئية أو حتى شاملة لتبادل الأسرى.
إن المراهنة على أكثر من ذلك هو محض خيال، بالمقارنة مع «الرغبة الأميركية الإسرائيلية» والتصميم الأميركي الإسرائيلي على تحقيق «انتصار» ما، مهما كان هزيلاً في محتواه، ومهما كان دعائياً وإعلامياً في جوهره؛ لأنّ وقف إطلاق النار قبل تحقيق مثل هذا الهدف، أو الانتصار، أو ربما أكبر وأهمّ منه هو انتحار سياسي للقيادة الإسرائيلية، وهزيمة أخطر من هزيمة السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، ونكسة للسياسة الأميركية في منطقة الإقليم، وستكون بمثابة هاوية سياسية، وانحدار خطير في الدور الدولي، وفي المكانة الكونية للولايات المتحدة الأميركية، ولـ»الغرب» كلّه.
إذا كانت الولايات المتحدة، التي تقود هذه الحرب ضدّ شعبنا وحقوقنا وأهدافنا الوطنية قد أعطت «رخصةً» لتدمير القطاع بهدف تدمير البنية العسكرية لـ»حماس» «في تراجع أوّلي عن هدف الاستئصال والاجتثاث الذي طرحوه في البداية»، فإنّ هذا التوجُّه الأميركي كما جاء على لسان روس هو تغيير الواقع السياسي في القطاع، ويلمح له «الغرب»، ويكاد يجاهر معظم المقرّبين من الإدارة الأميركية به، فهذا يعني أنّ سقف العمليات العسكرية المتوافق عليها بين أميركا وإسرائيل و»الغرب»، وبصمت ومهادنة من النظام الرسمي العربي هو هذا التغيير بالذات.
هنا يأتي، وهنا تتوضّح أهمية أن يبادر الفلسطينيون لإحباط هذه الخطّة، ومنع الولايات المتحدة وإسرائيل من فرضها.
وهنا يجب أن تبادر القيادة الفلسطينية وعلى الفور إلى إعطاء «حماس» الغطاء الفلسطيني المطلوب، لمنع خطة شيطنتها «حماس»، أو محاولة عزلها عن محيطها الوطني والشعبي، والاستفراد بها، وذلك بأن تدعو القيادة وفوراً إلى اجتماع قيادي وطني شامل بمشاركة حركتي «حماس» و»الجهاد الإسلامي»، وأي قوى سياسية وكفاحية أخرى، وبحيث يتوحّد الموقف الفلسطيني على رفض ومجابهة فرض قيادة جديدة للقطاع، من خارج الإجماع الوطني، ومن خارج التوافق الوطني، والذي تكون «حماس» جزءا لا يتجزّأ منه، بل وبدور كبير ومؤثّر حتى نجهض هذه المؤامرة.
وأرى أنّ الأفكار التي تقدّم بها د. سلام فيّاض في مقاله الأخير في الـ«فورِن أفير» تتضمّن الكثير من الأفكار المهمة التي ترمي إلى التحصين السياسي المطلوب فوراً، وقبل فوات الأوان، وذلك لجهة دور المنظمة الموسّعة والشاملة، والسلطة الواحدة المقتدرة، والأداء الذي يرتقي لمستوى الأخطار على قاعدة الديمقراطية، وعلى قاعدة دمقرطة الحياة السياسية في فلسطين، ودمقرطة مؤسّسات الحكم والمجتمع فيها.
لستُ من أنصار «حماس»، بل وأظنني من أكثر الكتّاب الفلسطينيين تصدّياً لسياساتها منذ الانقلاب الذي قادته وحتى يوم السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، وقد تصدّيت لهذه السياسات بكلّ ما أمكنني ذلك، ولكنني وأمام ما يجري من تدمير وإبادة، ومن محاولات عزل «حماس» والاستفراد بها فإنّني أعتقد جازماً بأنّ كلّ وطني مخلص مطالب بحماية «حماس»، ومطالب بالدفاع عنها، لأنّ هذه الحماية، وهذا الدفاع يأتي الآن في/ ومن صلب الوطنية الفلسطينية.



