أقلام وأراء

عبد المجيد سويلم: الاحتلال هو مصيبة المشروع الصهيوني وكارثته المؤكّدة

عبد المجيد سويلم 2022-10-31 ، الاحتلال والمشروع الصهيوني 

لا أعتقد أنه يوجد في عالم اليوم دولة “لا تعرف” إلى أين تسير كما هو حال دولة الاحتلال.

 

لتوضيح كيف أن الاحتلال هو الوصفة المؤكّدة للكارثة التي ستحلّ بدولة الاحتلال علينا أن نعود إلى الخلف قليلاً.

هل كان احتلال الضفة والقطاع هو “التحصيل الحاصل” لانتصار إسرائيل في حرب “الأيّام الستّة”، أم أن هذا الاحتلال كان هدفاً مباشراً لهذه الحرب؟

في الإجابة عن هذا السؤال وقع البعض في شرك مقولة “صحافية” مفادها أن إسرائيل لم تكن لتحتل الضفة أبداً لو لم يعلن الملك الأردني الراحل حسين الحرب على إسرائيل بُعَيد اندلاع الحرب. أما الحقيقة فإن مشروع الاحتلال كان الهدف الأكبر والأهم للعدوان الإسرائيلي.

مع حلول منتصف الستينيات كانت إسرائيل قد استكملت الكثير من الخطط والبرامج، وكانت قد شرعت للتوّ في خططٍ جديدة في ضوء ذلك الاستكمال نحو التحوّل إلى دولة صناعية زراعية، بدلاً مما كانت عليه من دولة زراعية صناعية.

وفي الجانب الأمني والعسكري كانت إسرائيل تخشى على وجودها من المدّ القومي، ومن تنامي قدرات الدولة المصرية حتى ولو أن الدولة المصرية لم تكن تمتلك خطة لـ”تحرير فلسطين”، كما كان قد صرّح آنذاك الزعيم جمال عبد الناصر، أو أن إسرائيل لم تكن مستعدة للارتهان إلى تصريح كهذا.

وكانت تعتبر أن الحيّز الجغرافي للدولة ليس بمقدوره حمايتها في أيّ حربٍ “قادمة”، وكانت خطوط التماس والهدنة على طول الحدود مع مصر وسورية ولبنان، وخصوصاً مع الأردن بما فيها الضفة، ومع قطاع غزة، أيضاً، في إطار الحدود المصرية تمثل بالنسبة لإسرائيل هاجساً أمنياً خانقاً، بالرغم من أنها لم تكن تمثل تهديداً مباشراً حتى تاريخه.

وفي الجانب الأمني والعسكري، أيضاً، كانت إسرائيل قد بدأت مشاريع التصنيع العسكري بعد أن عزّزت تحالفها مع الولايات المتحدة، وبعد أن كانت قد خاضت إلى جانب بريطانيا وفرنسا تجربة العدوان الثلاثي على مصر، وهو ما جعلها في وضع يمكّنها من نقل أحدث تجارب التصنيع العسكري في الغرب الموالي لها، والداعم لكل توجهاتها بقوة وثبات.

كانت إسرائيل تفتقد للموارد البشرية الكافية لكل هذه المشاريع، كما كانت تفتقد للكثير من الموارد المادية، أيضاً، بالرغم من “سخاء” الدعم الغربي لها، وبالرغم من دعم الحركة الصهيونية في العالم، ومن “تعويضات” ألمانيا، وتبرُّعات المموّلين اليهود، والدعم الأميركي المباشر.

باختصار، كان يستحيل على إسرائيل أن تقوم بهذا الدور وحدها، من وجهة نظر المشروع الصهيوني، ومن وجهة نظر الفهم الغربي والأميركي تحديداً، في ضوء احتدام الصراع الدولي في فترة “الحرب الباردة”، والتي كادت تتحول إلى حربٍ ساخنة في أزمة “خليج الخنازير”، وفي ظل اشتداد هجوم حركات التحرر الوطني العالمية في ذلك الوقت، ونشوء “عدم الانحياز”، وتصاعد نضال الطبقة العاملة في أوروبا الغربية، ونشوب صراعات مسلّحة في أميركا اللاتينية ــ أي في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة.

ومن وجهة نظر الغرب الذي أسّسها أصلاً لتلعب دورها في هذه المنطقة لخدمة مصالحه الاستراتيجية، خصوصاً وأن أهمية المنطقة أصبحت تتعلق بالمواد الأولية التي تشكل عصب الصناعات الغربية وتحوّلت الممرات في هذه المنطقة إلى شريان التروية لتلك الصناعات، تحوّل الأمر برُمّته إلى مشروعٍ غربي.

ولهذا فإن الغرب، والولايات المتحدة على رأسه حاكت مع إسرائيل مشروع العدوان، واتفقت معها على كل تفاصيل الحرب آنذاك.

وعلى جانبٍ آخر، ومن الزاوية الإسرائيلية كان الاحتلال سيوفر لها اليد العاملة الرخيصة، والأسواق الجديدة، حينما بدأت أسواق الضفة والقطاع تمثل السوق الثانية لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، وتحوّل الاحتلال إلى “غنيمة” اقتصادية هائلة للاقتصاد الإسرائيلي.

كما أمّن الاحتلال السيطرة على الموارد المائية التي كانت تعاني منها إسرائيل، والأهمّ السيطرة على الأرض والاستيلاء عليها بالأوامر العسكرية وبوساطة تحويل المزارعين إلى عمّال بالأجرة، ما أدّى إلى هجرة الأرض وتحوّلها إلى مناطق زراعية (فاشلة)، وإلى مساحاتٍ من “البور” البائس.

وأصبح بإمكان إسرائيل الاعتماد على اليد العاملة الفلسطينية في الصناعات المدنية الاستهلاكية، وفي الزراعات الحديثة، وفي قطاع البناء، لكي يتفرّغ “العامل اليهودي” للعمل في الصناعات العسكرية “الحسّاسة”، وفي القطاعات الصناعية الريادية التي أدّت في نهاية الأمر إلى “تسليح” هذه الصناعات بالتكنولوجيا المتقدمة المعتمدة على التكامل مع الصناعات الغربية، وعلى الموازنات الضخمة للبحث العلمي والابتكار، وعلى رعاية دولة الاحتلال لمسار التقدم العلمي فيها.

وخلاصة القول هنا إن الاحتلال هو مشروع اقتصادي واستثماري هائل الربح والمردود، إضافةً إلى كونه مشروعاً فكرياً وأيديولوجياً مهمّاً بالنسبة لدولة الاحتلال وسياساتها المؤسسة على هذا الفكر وهذه الأيديولوجيا). وهذه مسألة سنحاول معالجتها في إطار المقالات القادمة)، ولكنه بات السبب في تحوّل الدولة إلى العنصرية السافرة. فأين تكمن المصيبة، وأين تكمن الكارثة في هذا الاحتلال على إسرائيل؟

كان يمكن أن تتفادى إسرائيل هذه المصيبة والكارثة قبل أن يتحوّل الاستيطان إلى القاسم المشترك الأعظم للمنظومة السياسية الرئيسة في إسرائيل، وقبل أن يتحوّل الاستيطان إلى “البقرة المقدّسة”، وقبل أن يصبح اسم المستوطنين هو “الروّاد” و”الطلائع” و”شبيبة التلال”، وقبل أن يقارب عددهم المليون مستوطن، وقبل أن يتحوّل الجيش في إسرائيل في همه المباشر إلى حماية تحركهم وتنقلهم، والتستّر على عربداتهم، بل وتشجيعهم، والانخراط في تنظيماتهم السرية وقبل أن أصبح بمقدور هؤلاء “التغول” و”التنمّر” على الجيش نفسه، وأصبح غُلاتهم يهدّدون أي شخص من داخل مؤسسات الجيش والأمن أو من خارجها، قادة سياسيين أو حزبيين، كُتّاباً أو شعراء أو صحافيين، وقبل أن تندمج المنظومات الأيديولوجية للاستيطان في تيار “يميني” جارف (قومي وديني) بالتحالف الكامل مع الفئات العليا من الرأسمال الإسرائيلي الذي يتحكّم بأكثر القطاعات الاقتصادية أهمية ومكانة في إطار الدولة.

لم يعد الآن ممكناً أن يتوافق المجتمع الإسرائيلي على إنهاء الاحتلال، ولم يعد ممكناً سوى حل واحد ووحيد، وهو الاتفاق على الأسلوب الأنجع لبقاء هذا الاحتلال، والصراع في أحد أشكاله القائمة اليوم في إسرائيل هو بالضبط: كيف نُبقي على الاحتلال، وكيف نُعزّز منه بأقلّ الخسائر والأضرار؟

مشروع الاحتلال ومنذ الأيام الأولى له أصبح في مواجهةٍ مباشرة مع مشروع المقاومة والثورة الفلسطينية، وكانت هذه المواجهة عسكرية ومباشرة، وأمنية واستخبارية، ثم بعد “حرب أكتوبر” تحوّلت إلى مجابهة سياسية، ثم تحوّلت إلى دبلوماسية، وبلغت أوجها السياسي بعد الاعتراف الدولي بالمنظمة، وتحوّلت فلسطين إلى حقيقة سياسية، وسقطت كل الرهانات على أي حلٍّ سياسي لأن مشروع الحلّ السياسي القائم على الحدّ الأدنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية يتناقض مع الواقع الإسرائيلي في بُعده الاقتصادي، وفي بُعده السياسي، وفي بُعده الفكري والأيديولوجي، وتحوّل هذا التناقض “موضوعياً” وواقعياً إلى مشروع يحمل في طيّاته (التناقض الوجودي).

دعونا نفكّر معاً لماذا لا يمتلك أيّ حزبٍ سياسي في إسرائيل القدرة على الحديث بصورةٍ جادّة، وبشجاعةٍ وبوضوحٍ تام عن إنهاء الاحتلال؟

الجواب ببساطة: لأن التيّار الجارف، تيّار (الإجماع القومي والديني الجديد) سيجرفه إلى خارج كامل المنظومة السياسية!

لماذا انتهى “اليسار”، أو هو في الطريق إلى أن يتحوّل من الناحية السياسية، إما إلى مهادن لهذا التيار، أو إلى متماهٍ معه، أو غير مستعدٍّ لمجابهته؟

الجواب ببساطة: لأنه في الأساس من صُلب المشروع الصهيوني، وهو كان يحاول “الصراع” على الهوامش السياسية، وكان يعتقد أن المعارك الثقافية والاجتماعية ستوفر له أسباب البقاء، وانهار هذا اليسار، ومعه كل “الوسط” عندما تحوّل هذا التيار الجارف إلى التيار القائد، والذي حيّد كل هذه القضايا، وحوّلها إلى هوامش في الحالة السياسية الإسرائيلية، وبذلك تحوّل “اليسار” ومعه جزء كبير من “الوسط” إلى هوامش سياسية ليس أمامها سوى الارتهان والتماثل والتماهي مع التيار الجارف للحفاظ على البقاء، وهي مرحلة مؤقّتة على كلّ حال.

والآن، ماذا نستنتج من كل ذلك؟

ليس أمام الشعب الفلسطيني سوى تحويل مشروع الاحتلال إلى مشروع مُكلِف وخاسر، وكيف يكون هذا الاحتلال سبباً مباشراً في الاستقطاب السياسي، وليس الإجماع “القومي” عليه.

وهذا يعني أن إسرائيل عند درجةٍ معيّنة من تطور وتحول هذا الصراع ستتحول إلى ساحة للحرب الأهلية الداخلية المدمّرة، أو أن هذا التيار سيتحوّل إلى المتحكّم الرئيس بكل نواحي الحياة الإسرائيلية، وهذا كله له اسم واحد: الفاشية والعنصرية السافرة.

أي أن أزمة الديمغرافيا، وأزمة الديمقراطية في إسرائيل هي الوجه الآخر لأزمة الاحتلال، وأزمة العنصرية.

على هذا الأساس بالذات فقد سقطت موضوعياً المراهنات على حلّ سياسي في كامل المشهد المرئي، وشيئاً فشيئاً يكتشف الشعب الفلسطيني أهمية تحويل الاحتلال إلى مشروعٍ خاسر، وأصبح يفهم أن كل الأشكال النضالية التي تؤدي إلى هذه النتيجة هي الأشكال المطلوبة بعد أن تتحوّل إلى فعلٍ شعبي منظّم، وأن مشروع إنهاء الاحتلال هو نفسه مشروع هزيمة العنصرية والفاشية، وأن معركة المساواة، ليست إلّا جزءاً أصيلاً من معركة إنهاء الاحتلال، وكل مراهنات “سياسية” من خارج هذا الفهم هي مراهنات مراهقة أو عاجزة أو مهادنة أو فاشلة.
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى