أقلام وأراء

عبد الكريم إسماعيل: هل تقيّد إيران الملاحة في مضيق هرمز أم تمارس حقًا قانونيًا؟

عبد الكريم إسماعيل 13-4-2026: هل تقيّد إيران الملاحة في مضيق هرمز أم تمارس حقًا قانونيًا؟

مضيق هرمز أكثر من مجرد ممر مائي ضيق تعبره ناقلات النفط والسفن التجارية؛ هو مساحة تتقاطع فيها اعتبارات القانون مع الأمن، والسيادة مع السوق، والجغرافيا مع السياسة. ولهذا كلما تصاعد التوتر مع إيران عاد السؤال نفسه: هل ما تفعله طهران في المضيق هو تقييد غير مشروع للملاحة الدولية، أم ممارسة لحق قانوني يتيحه لها موقعها بوصفها دولة مشاطئة لممر شديد الحساسية؟

المادتان 14 و16: أصل الحجة الإيرانية

تستند الحجة الإيرانية، في أحد وجوهها، إلى القواعد التقليدية في قانون البحار، وخصوصًا ما ورد في اتفاقية جنيف بشأن البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة لعام 1958. فالمادة 14 تقرر أن سفن جميع الدول تتمتع بحق المرور البريء في البحر الإقليمي، لكن هذا الحق ليس مفتوحًا بلا قيد؛ إذ يبقى مشروطًا بألا يكون المرور مضرًا بسلم الدولة الساحلية أو نظامها أو أمنها. ثم تأتي المادة 16 لتمنح الدولة الساحلية حق اتخاذ “الخطوات اللازمة” لمنع المرور الذي لا يكون بريئًا.

من هنا تبدأ القراءة الإيرانية: إذا كانت الدولة المشاطئة هي الأقدر على تقدير ما إذا كان المرور يتحول من عبور عادي إلى فعل يهدد أمنها، فإن مراقبة السفن، أو تشديد قواعد المرور، أو التدخل في حالات معينة، قد يُفهم هذا السلوك باعتباره استخدامًا لحق قانوني مرتبط بحماية الأمن الإقليمي، أكثر من كونه تعسفًا سياسيًا. ويزداد هذا التصور وضوحًا عندما تنظر إيران إلى المضيق كمنفذ قد يُستخدم ضدها عسكريًا أو استخباراتيًا أو لوجستيًا في لحظة صراع.

أين تنتهي الحماية ويبدأ التعطيل؟

مع ذلك، لا يقف النص القانوني كله إلى جانب هذا المنظور. فالمادة 16 نفسها تنص على أنه لا يجوز وقف المرور البريء في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بين جزء من أعالي البحار وجزء آخر من أعالي البحار أو البحر الإقليمي لدولة أجنبية. وهذه الفقرة بالذات تضع قيدًا جوهريًا على أي محاولة لتحويل حق الحماية إلى حق تعطيل. كما أن النقاش القانوني الحديث حول مضيق هرمز لا يتوقف عند اتفاقية 1958، بل يمتد إلى الجدل الأوسع حول نظام المرور العابر في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، وهو نظام يضيّق أكثر من قدرة الدول المشاطئة على إعاقة الملاحة الدولية.

قوة الحجة الإيرانية لا ترتكز على فكرة امتلاك سيادة مطلقة على المضيق، وهو ادعاء يصعب تثبيته قانونيًا، وإنما على القول إن القانون الدولي لا ينزع عنها حق حماية نفسها في ممر ملاحي يمس أمنها القومي بشكل مباشر. المشكلة إذن ليست في وجود أساس قانوني للحماية، بل في نقطة التحول التي يصبح فيها التنظيم الأمني تضييقًا فعليًا على الملاحة. هنا بالتحديد يبدأ الصراع الحقيقي: ليس بين إيران والعالم فقط، بل بين تفسيرين للقانون نفسه.

لذلك، فإن القول إن إيران “تخرق القانون” في كل مرة تتشدد فيها داخل مضيق هرمز هو تبسيط مخل، تمامًا كما أن القول إنها تملك يدًا مطلقة على المضيق هو مبالغة معاكسة. الأدق أن إيران تتحرك داخل هامش قانوني قابل للتأويل: تستند إلى حق الدولة الساحلية في منع المرور غير البريء وحماية أمنها، لكنها تصطدم في الوقت نفسه بقواعد تمنعها من تحويل هذا الحق إلى سلطة إغلاق أو ابتزاز أو تعطيل شامل. في هذه المسافة الملتبسة بين الحماية والمنع، يظهر مضيق هرمز مثالًا حيًا على أن القانون الدولي لا يعمل دائمًا كقاعدة حاسمة، ويتحوّل في كثير من الأحيان إلى ساحة تنازع بين نصوص متقابلة وقراءات متصارعة.

المصادر المعتمدة:
• اتفاقية جنيف بشأن البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة (1958):
https://www.gc.noaa.gov/documents/8_1_1958_territorial_sea.pdf
• اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982):
https://www.un.org/depts/los/convention_agreements/texts/unclos/unclos_e.pdf
• شرح حول المياه الإقليمية (Encyclopaedia Britannica):
https://www.britannica.com/topic/territorial-waters
• الجزء الثالث من اتفاقية قانون البحار (المضائق المستخدمة للملاحة الدولية):
https://www.un.org/depts/los/convention_agreements/texts/unclos/part3.htm
معلومات شخصية:
عبد الكريم إسماعيل، باحث دكتوراه في القانون الدولي العام، مهتم بتحليل تداخل القانون والسياسة في النزاعات الدولية.
aboodismail04@gmail.com
https://www.facebook.com/

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى