منوعات

عبد الكريم إسماعيل: منطق التحالفات في سلوك المقاومة الفلسطينية ظلّ الفراغ العربي

عبد الكريم إسماعيل 10-4-2026: منطق التحالفات في سلوك المقاومة الفلسطينية ظلّ الفراغ العربي

تُفهم تحالفات المقاومة الفلسطينية غالبًا ضمن خطاب اتهامي يختزلها في تبعيات إقليمية، خصوصًا في ما يتعلق بعلاقتها مع إيران، حيث يُنظر إليها أحيانًا كامتداد لمشاريع خارجية. هذا الطرح يغفل حقيقة أساسية تتمثل في أن الفاعل الفلسطيني يتحرك ضمن سياق صراع مفتوح، وتحت شروط قاسية تفرضها موازين القوة، إلى جانب الاعتبارات الأيديولوجية. فالمقاومة، التي تتحمل عبء مشروع وطني تحرري، لا تمتلك هامشًا واسعًا لاختيار حلفائها بحرية، وإنما تتجه نحو الأطراف التي توفر لها الدعم. ومع تراجع الدور العربي، يغدو هذا التقارب أقرب إلى تحالف تفرضه الضرورة، ويمكن فهمه بوصفه انعكاسًا لفشل البيئة العربية في تقديم بدائل حقيقية، أكثر من كونه انحرافًا في سلوك المقاومة حسب ما يصفه المنحرفين نفسهم.

اللافت أن الخطاب الذي يحصر علاقة المقاومة الفلسطينية بإيران في مفهوم “التبعية” نادرًا ما يتوقف عند الظروف التي أفرزت هذه العلاقة. إذ يُطلب من الفاعل الفلسطيني ضمنيًا، التخلي عن مصادر دعمه تحت عنوان الاستقلالية، من دون توفير بديل واقعي يتيح له الاستمرار في مواجهة خصم يتفوق عليه عسكريًا وسياسيًا. هذا الطرح لا يعكس موقفًا نقديًا بقدر ما يكشف عن مفارقة واضحة، تتمثل في تحميل المقاومة مسؤولية خيارات لم تكن لتتخذها في حال توفر بيئة حاضنة قادرة على دعمها.

الفراغ العربي: كيف تراجع الدعم وأُعيد تشكيل البيئة الحاضنة؟

شهدت العقود الأخيرة تحوّلًا تدريجيًا في موقع القضية الفلسطينية داخل أولويات النظام العربي، حيث تراجع حضورها كقضية مركزية جامعة لصالح أولويات داخلية وإقليمية فرضتها تحولات سياسية وأمنية عميقة. هذا التراجع لم يقتصر على الخطاب السياسي، بل امتد إلى مستويات الدعم الفعلي، سواء من حيث التمويل أو الغطاء السياسي، ما أضعف البيئة الحاضنة التقليدية التي كانت تستند إليها المقاومة الفلسطينية.

في هذا الإطار، لم يعد الفاعل الفلسطيني يتحرك ضمن شبكة دعم عربية متماسكة كما كان في مراحل سابقة، وإنما وجد نفسه أمام واقع أكثر تعقيدًا يتسم بتعدد الأجندات وتباين المواقف. كما أسهمت مسارات التسوية والتطبيع في إعادة ترتيب أولويات بعض الدول العربية، بما قلّص من هامش الدعم المباشر للمقاومة، أو جعله مرتبطًا باعتبارات سياسية لا تنسجم دائمًا مع طبيعة الصراع على الأرض.

هذا التحول أفرز ما يمكن وصفه بـ”الفراغ الاستراتيجي”، حيث تراجعت قدرة النظام العربي على أداء دور داعم وفاعل، من دون أن يُعوَّض هذا الغياب بإطار بديل. الأهم من ذلك أن هذا الفراغ لم يُقرأ بوصفه أزمة بنيوية تستدعي المساءلة، وإنما جرى تجاوزه في كثير من الأحيان عبر توجيه النقد نحو نتائجه، أي نحو خيارات المقاومة نفسها، بدل البحث في أسبابه.

منطق التحالفات: لماذا تتحرك المقاومة وفق الضرورة لا الاختيار؟

لفهم سلوك المقاومة الفلسطينية في بناء تحالفاتها، يتطلب الأمر تجاوز القراءة الأخلاقية أو الأيديولوجية الضيقة، والاتجاه نحو تحليل يستند إلى منطق المصالح والضرورات. ففي العلاقات الدولية، تُبنى التحالفات أساسًا على اعتبارات البقاء والقدرة على الاستمرار، أكثر من انسجامها القيمي. ويبدو ذلك أوضح لدى الفاعلين المنخرطين في صراعات غير متكافئة، حيث تغدو الحاجة إلى الدعم مسألة وجودية تتجاوز كونها خيارًا سياسيًا حرًا.

في هذا الإطار، تتحرك المقاومة الفلسطينية بوصفها فاعلًا يسعى للحفاظ على قدرته على الاستمرار في بيئة معادية ومعقّدة. فهي لا تختار حلفاءها من موقع قوة، وإنما من موقع حاجة، ما يجعل تحالفاتها أقرب إلى استجابات واقعية لظروف مفروضة. ومن هنا، فإن توصيف علاقتها مع إيران باعتبارها “تبعية” يتجاهل هذا البعد، ويتجاوز حقيقة أن هذه العلاقة تقوم، في جانب كبير منها، على تقاطع مصالح أكثر من كونها امتدادًا أيديولوجيًا.

كما أن هذا النقد يتجاهل واقعًا أوسع يتمثل في أن غالبية الفاعلين في النظام الدولي، بما في ذلك الدول التي تتبنى هذا الخطاب، تبني تحالفاتها على أساس المصلحة أكثر من القيم. وهو ما يجعل مطالبة المقاومة بنمط مختلف من السلوك أقرب إلى ازدواجية في المعايير منه إلى موقف مبدئي. فعندما تُوصَف تحالفات الدول بوصفها تعبيرًا عن السيادة، في حين تُقدَّم تحالفات المقاومة كدليل على التبعية، فإن الإشكال يكمن في معيار التقييم أكثر مما يكمن في طبيعة السلوك ذاته.

إيران كبديل: بين البراغماتية الفلسطينية والإشكاليات العربية

في ظل الفراغ الذي خلّفه تراجع الدعم العربي، برزت إيران كأحد الفاعلين القادرين على تقديم أشكال متعددة من الدعم للمقاومة الفلسطينية، سواء على المستوى المالي أو العسكري أو السياسي. هذا الحضور لم ينشأ عن انسجام أيديولوجي بقدر ما جاء في سياق استعداد إيراني لملء مساحة لم تعد تشغلها أطراف عربية بالفعالية نفسها. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم هذا التقارب بوصفه استجابة لعرض قائم، أكثر من كونه تحولًا جذريًا في هوية المقاومة أو توجهاتها.

هذا الواقع يطرح إشكالية في الخطاب العربي السائد، حيث تُقدَّم علاقة المقاومة بإيران بوصفها مصدر خلل أو انحراف، مع غياب النظر إلى الشروط التي دفعت نحوها. وتبرز مفارقة واضحة في أن هذا الخطاب نادرًا ما يتناول مسألة غياب البدائل العربية أو أسباب ترك هذا المجال مفتوحًا أمام فاعلين إقليميين آخرين. وبدل مساءلة الفراغ، يجري التركيز على نتائجه، بما يفصل السلوك عن سياقه ويحمّل الفاعل الأضعف تبعات اختلالات لم يكن هو من صنعها.

في هذا السياق، تبدو العلاقة مع إيران أقرب إلى نمط من التحالفات البراغماتية التي تفرضها بيئة صراع غير متكافئة، أكثر من كونها تعبيرًا عن ارتهان كامل. كما أن اختزال المقاومة في كونها “ذراعًا” لقوة إقليمية يتجاهل حدود هذا التقاطع واستقلالية القرار، ويحوّل التحليل إلى خطاب تبسيطي يتجاوز تعقيدات الواقع.

الخاتمة

إن فهم تحالفات المقاومة الفلسطينية يرتبط بسياق التحولات الإقليمية التي أعادت تشكيل بيئتها السياسية والداعمة. فالتقارب مع إيران، ضمن هذا الإطار، يبدو أقرب إلى انعكاس لواقع فرضته اختلالات ميزان الدعم في المنطقة وتراجع الدور العربي التقليدي، أكثر من كونه تعبيرًا عن تبعية أو اصطفاف أيديولوجي.

تظهر الإشكالية الأعمق في الطريقة التي يُدار بها النقاش حول هذه التحالفات. فاختزال العلاقة ضمن خطاب اللوم أو التخوين لا يقدّم تفسيرًا دقيقًا، بل يخفف من مسؤولية البيئة الإقليمية، ويحوّل عبء التفسير إلى الفاعل الأضعف.

ومن هنا، يتطلب تجاوز هذا الجدل إعادة توجيه النقد نحو موقعه الفعلي: لماذا تراجع الدعم العربي، ولماذا يُحمَّل الفاعل الفلسطيني وحده كلفة هذا الغياب؟ فقبل مساءلة التحالفات، تبرز الحاجة إلى مساءلة الشروط التي جعلت هذه التحالفات قائمة، بل وجعلتها خيارًا لا يمكن تجاهله.

*عبد الكريم إسماعيل، باحث دكتوراه في القانون الدولي العام، مهتم بتحليل تداخل القانون والسياسة في النزاعات الدولية.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى