شؤون إسرائيلية

عبد القادر بدوي – تطور استراتيجية روسيا تجاه إسرائيل.. من عدم الاعتراف إلى التدخل البراغماتي!

عبد القادر بدوي 3-04-2022

انعكس اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا ومُجرياتها، وكذلك الموقف الإسرائيلي الرسمي منها، ليس على النقاش الإسرائيلي الداخلي الذي يتناول ويحلل صوابية الموقف الإسرائيلي من الحرب فحسب بل أيضاً أعاد فتح النقاش حول تاريخ العلاقات الإسرائيلية- الروسية ومستقبلها، ومحاذير الاصطفاف الإسرائيلي مع أحد المعسكرين.

في هذا السياق، تناول المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلي- مدار، من خلال مُلحق “المشهد الإسرائيلي”، مفاصل وموضوعات عدّة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعلاقات إسرائيل بكل من روسيا وأوكرانيا، إلى جانب ما تطرحه هذه الحرب من “فرص وتحديات” بالنسبة لإسرائيل.

في هذه المساهمة، سنركّز على التطور التاريخي لعلاقة روسيا الحديثة (منذ العام 1991) بإسرائيل، سياسياً وثقافياً واقتصادياً، من خلال تقديم قراءة في دراسة موسّعة صدرت في آذار الحالي عن “معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب” بعنوان “تطور استراتيجية روسيا تجاه إسرائيل: من عدم الاعتراف إلى التدخّل البراغماتي” للباحثة آنا بورشبسيكا.

تُقدّم الدراسة نظرة عامة وبانورامية للعلاقات الروسية- الإسرائيلية على مدار الـ 30 عاماً الماضية، من خلال التركيز على استراتيجيات روسيا وتكتيكاتها ومصالحها، وكذلك نقاط الاحتكاك والشراكة بينها وبين إسرائيل خلال عهد الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين والرئيس الحالي فلاديمير بوتين. وسنستعرض أهم ما جاء فيها مع أهمية الإشارة إلى أن المصطلحات والأفكار الواردة أدناه مصدرها الدراسة نفسها.

مقدّمة

تُشير الدراسة إلى أن علاقة إسرائيل مع روسيا هي علاقة تاريخية، ولعبت دوراً مهماً في “السرّاء والضرّاء”. وتتطرّق إلى الموقف الشيوعي (السوفييتي) من اليهود والدولة اليهودية منذ عهد ستالين، ودوره في الدفع باتجاه إقامة الدولة اليهودية، وتتطرّق إلى التوتر الذي صبغ هذه العلاقة منذ أن اختارت إسرائيل “الانتماء الصريح للغرب” في عهد بن غوريون، في المقابل؛ أصبح الغرب وإسرائيل مبرراً للاتحاد السوفييتي لتعزيز دعمه للوحدة العربية، وهو ما قاد في نهاية المطاف إلى قطع العلاقة بشكل نهائي في 10 حزيران 1967 (في أعقاب حرب 1967).

تؤكّد الدراسة أن ميخائيل غورباتشوف (آخر من تولّى قيادة الاتحاد السوفييتي)، سعى إلى تحسين العلاقات مع إسرائيل لصالح الكرملين، وقرر توسيع الحوار الدبلوماسي معها، وقام بتخفيف القيود المفروضة على هجرة اليهود من الاتحاد السوفييتي إلى إسرائيل. لاحقاً، وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، تم استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين إسرائيل وروسيا الاتحادية، وتحديداً في تشرين الأول 1991. في ذلك الوقت، طرأ تحسّن متسارع على العلاقة بين إسرائيل وروسيا، بدءاً من عهد يلتسين، ثم أكثر بكثير خلال عهد بوتين.

العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية والثقافية

تُشير الدراسة إلى أن العلاقات بين روسيا الاتحادية وإسرائيل منذ مطلع التسعينيات (يلتسين) اتّسمت بالبراغماتية على الرغم من أن نقاط الاختلاف والخلاف حول بعض القضايا كانت قائمة ولم تتغير؛ مثل الدعم الروسي لإيران ولصدام حسين في العراق وللأسد في سورية، وبيع الأسلحة للأولى والمساعدة في برنامجها النووي (وهي نقطة الخلاف الأكبر).

وتضيف الدراسة أن العلاقات التجارية بين روسيا وإسرائيل تضاعفت بين عامي 1992-1993 من 123 مليون دولار إلى 308 ملايين دولار، ووصلت إلى 867 مليون دولار في العام 1995. كما شهدت السنوات نفسها تعميقاً للعلاقات الدبلوماسية بين الدولتين، حيث زار إسحاق رابين في العام 1994 روسيا، في أول زيارة رسمية لرئيس وزراء إسرائيلي إلى روسيا. لاحقاً، وضمن محاولات التغلّب الإسرائيلي على البرود الذي وسم العلاقات مع روسيا في أعقاب فشل عملية السلام، اتجه أريئيل شارون إلى اتخاذ موقف مناقض لموقف مستشاريه حيال العمليات العسكرية الصربية في يوغسلافيا سابقاً، وتدخلات الناتو في هذه القضية، وقد جاء هذا الموقف في سياق تقوية العلاقات مع روسيا حليفة الصرب، وعينه صوب قرابة المليون روسي وصلوا إلى إسرائيل خلال موجة الهجرة الروسية، حيث اعتبر أن “الصوت الروسي هو من سيقرّر نتيجة الانتخابات”.

علاوةً على ذلك تُفيد الدراسة إلى أن عوامل عدّة تساهم في تقوية هذه العلاقة، وتحديداً في إسرائيل، فاللغة الروسية هي اللغة الثالثة في إسرائيل، حيث يحافظ المجتمع الناطق بالروسية (الروس في إسرائيل) على تواصل مع روسيا، وكذلك صحافتها، ويهتمون بالتطورات الحاصلة فيها، حتى وإن كانت هناك انقسامات بينهم بهذا الشأن. كما أن الكرملين، يرى في هذا المجتمع أداة من أدوات التأثير التي يمتلكها في إسرائيل، فقد صرّح بوتين في أكثر من مناسبة بأن “إسرائيل هي دولة ناطقة بالروسية”، رغم معرفته أن الروابط الثقافية لن تؤدي بالضرورة إلى تأثير يُشبه تأثير العوامل الأخرى (السياسية، الاقتصادية، العسكرية وغيرها).

روسيا بوتين: العودة إلى الشرق الأوسط وزيادة التركيز على إسرائيل

تبنى بوتين -و فق الدراسة – سياسة يفغيني بريماكوف (مناهض للغرب، شغل منصب وزير الخارجية ورئيس الوزراء في روسيا) لعالم متعدّد الأقطاب، وعمل على الفور، ومنذ تقلّده منصبه، لإعادة روسيا إلى الشرق الأوسط، وتبنّي نهج مُعادٍ لأميركا في “لعبة محصّلتها صفر”. فيما يتعلّق بإسرائيل، اتخذ بوتين نهجاً واقعياً براغماتياً، وهي مقاربة موالية لإسرائيل أكثر من تلك التي اتّبعها بريماكوف نفسه في التسعينيات، في ظلّ اتباع نهج إقامة علاقات مع جميع اللاعبين الرئيسيين على الأرض (وهي استراتيجية نشأت من الدروس المستفادة من فشل الاتحاد السوفييتي). وبحسب الدراسة، فإن الكرملين أدرك أنه سيُحقّق المزيد من النجاحات من خلال التعاون مع اليهود، ولذلك اتبع استراتيجية واسعة في الشرق الأوسط، بدأ من خلالها ببناء علاقة مع كل اللاعبين في المنطقة (كما ذكر سابقاً)، بما في ذلك أولئك الذين يقاتلون بعضهم البعض (أطراف الصراع والنزاع في المنطقة)، كجزء من مساعي روسيا لتحقيق مصالحها، ووضعها في موضع الوسيط، وصانع السلام، وهو نهج مرن يهدف من خلاله بوتين لتعزيز مكانة روسيا في المنطقة، وترى الدراسة أن هذه السياسة تمكّنت من تحقيق نجاح أكبر من الاتحاد السوفييتي.

فيما يتعلّق بإسرائيل، تُشير الدراسة إلى أن بوتين أولى العلاقة مع إسرائيل اهتماماً خاصاً، حيث قام بزيارة لإسرائيل في العام 2005 (أول زعيم روسي يصل إلى إسرائيل)، وفي العام 2008 تم إلغاء تأشيرة الدخول بين البلدين على مستوى السياحة، كما قام مسؤولون بارزون في الدولتين بعقد لقاءات دورية، على مستويات مختلفة، وحافظوا على علاقات وطيدة بينهم على مدار السنوات، لكن تُشير الدراسة إلى أن كل ذلك لم يمنع بوتين من توثيق العلاقة مع طهران، واستضافة حماس في موسكو، والامتناع عن تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية وغيرها.

ترى الدراسة أن بوتين حاول استغلال الخلافات بين إدارة باراك أوباما وحكومة بنيامين نتنياهو، وقام بزيارة إلى إسرائيل بعد زيارة أوباما الأولى، كما أن نتنياهو زار موسكو أكثر من زيارته لواشنطن في عهد أوباما.

بالنسبة للعلاقات الاقتصادية؛ تحسّنت العلاقات خلال العقد المنصرم بشكل كبير، فقد وصل حجم التبادلات التجارية (العلاقات الاقتصادية) بين الدولتين في العام 2014 إلى أكثر من 3 مليارات دولار في المجالات التي أولى بوتين عناية كبيرة لها كالهايتك والمجال التكنولوجي والسياحة والمجالات العسكرية (التي شهدت تحسناً طفيفاً وتحديداً في مجال الطائرات بدون طيار)، وقد ناقشت إسرائيل مؤخراً مسألة الانضمام إلى الاتحاد الأوراسي بقيادة روسيا.

وتعتبر الدراسة أن سياسة روسيا (بوتين) فيما يتعلّق بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي متوازنة، أو براغماتية، حيث تحافظ على علاقات متينة مع فتح وحماس والجهاد الإسلامي، وفي الوقت نفسه، مع إسرائيل. وقدّمت نفسها في الحرب الأخيرة- “حارس الأسوار” 2021- كوسيط أفضل من الولايات المتحدة، كما صرّح بوتين أن تصعيد الصراع في المنطقة “يؤثر بشكل مباشر على المصالح الأمنية الروسية”. وفيما يتعلّق بالاعتراف الروسي بالقدس الغربية عاصمة لإسرائيل، تُقدّر الدراسة بأن هذا القرار الذي جاء بشكلٍ سابق لاعتراف الولايات المتحدة (دونالد ترامب) بالقدس الشرقية كـ “عاصمة” لإسرائيل، وبشكل مناقض لقرارها، حيث أبقت على سفارتها في تل أبيب، يأتي في إطار مناكفة الولايات المتحدة أكثر من إسرائيل، ودفعها للمواجهة معها حتى في هذا الملف.

التدخل الروسي في سورية والعلاقة مع إسرائيل

تُشير الدراسة إلى أنه لم يكن أمام إسرائيل خيار سوى التكيّف مع الوجود الروسي العسكري في سورية منذ العام 2015، لا سيّما في ضوء التناقض الغربي تجاه الأزمة السورية. وهي ترى أن روسيا بإمكانها تقييد العمل الإسرائيلي في سورية، بل ومواجهته، إلّا أن الطرفين اتخذا قراراً على ما يبدو بالتنسيق العسكري تفادياً للتصادم والاشتباك. كما أدركت إسرائيل أيضاً أن روسيا بإمكانها تقييد إيران وحزب الله في سورية، وهي وجهة نظر شجّعتها موسكو، وسلوكها العسكري، باستمرار، الذي تُرجم عملياً بسماح موسكو لإسرائيل بحرية العمل العسكري (وتحديداً جواً) في سورية، لمواجهة “التموضع الإيراني” العسكري، وكذلك حلفائها في سورية. كل ذلك في الوقت الذي تُثبت فيه الوقائع على الأرض أن روسيا غير معنية وليست مستعدّة لتقييد إيران ونشاطها العسكري ورغبتها في خروج الولايات المتحدة من سورية، الأمر الذي ترفضه إسرائيل وتنظر إليه بحذر شديد، وهو ما ساهم في زيادة مستويات التنسيق الإسرائيلي مع روسيا في سورية، بعد العديد من الحوادث التي كانت ستفضي إلى مواجهة مع روسيا (العام 2018 مثلاً وحادثة إسقاط السوريين للمقاتلة الروسية بسبب القصف الإسرائيلي). في هذا الجانب، تُشير الدراسة إلى أنه وعلى الرغم من التوتر الذي صبغ هذا التنسيق بعد هذه الحادثة، وما رافقها من تحريض روسي داخلي على إسرائيل، إلا أن روسيا عادت لتؤكّد على ضرورة استمرار التنسيق بينها وبين إسرائيل في هذا الشأن، على أن تقوم إسرائيل بمنع وقوع مثل هذه الحوادث في المستقبل.

ترى الدراسة أن تزايد النقاش في الصحف الروسية والغربية مؤخراً عن وقف قناة الاتصال والتنسيق بين روسيا وإسرائيل قد جاء في إطار اختبار الحكومة الجديدة (رسائل تكتيكية)، فقد أكّد نفتالي بينيت، رئيس الحكومة الحالية، في تشرين الأول المنصرم، وبعد لقائه بالرئيس بوتين، على أن الطرفين اتفقا على ضرورة مواصلة العمل والتنسيق بآلية “مكافحة التصعيد” في سورية، كما صرّح أيضاً زئيف إلكين في أعقاب اللقاء أنه قد تقرّر بالفعل الحفاظ على السياسات السابقة فيما يتعلّق بحرية العمل العسكري الإسرائيلي في سورية (القصف الإسرائيلي في سورية)، وتعزيز الاتصال والتعاون والتنسيق بين روسيا وإسرائيل.

إجمالاً؛ تتناول الدراسة العلاقات الروسية- الإسرائيلية بإسهاب من منظور تاريخي، يمتدّ لفترة الاتحاد السوفييتي، وتُفرد تركيزاً خاصاً على العقود الثلاثة الماضية (بعد انهيار الاتحاد السوفييتي)، وتحديداً المرحلة التي تُطلق عليها الدراسة مرحلة تطهير بوتين روسيا من الستالينية، والاقتراب أكثر من اليهود وإسرائيل. كما تتطرّق إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وعلاقتها باليهود إجمالاً، وبالروس الإسرائيليين على وجه التحديد. كذلك تركّز على العلاقات الروسية- الإسرائيلية منذ بداية التدخل العسكري الروسي في سورية (2015). وتقدّم استخلاصات وتوصيات للسياسة الإسرائيلية تتمثّل بضرورة استمرار العمل مع روسيا في الساحة السورية، وعدم تجاهل رغبتها، مع حليفتها الصين، بتغيير النظام العالمي ليُصبح عالماً متعدّد الأقطاب، الأمر الذي يفرض على إسرائيل اتخاذ مواقف لا تُعارض الغرب والولايات المتحدة من جهة، ومن جهة أخرى، لا تضعها في صدام مباشر مع روسيا، خاصة في ظلّ تغيّر موازين القوى الدولية مؤخراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى