#شؤون فلسطينية

عبد الغني سلامة: عن العرين، والتنظيمات المسلّحة

عبد الغني سلامة 2-11-2022م : عن العرين، والتنظيمات المسلّحة

استكمالا للمقال السابق، وبدلاً من الإفراط في مديح “عرين الأسود”، والتغني ببطولاتهم بلغة شعرية وخطابية، وتحميلهم فوق طاقتهم، أرى ضرورة تناول الظاهرة بمنهجية علمية وموضوعية، وفتح نقاش واسع، ليس من باب التحليل السياسي وحسب؛ بل لتقديم مقترحات من شأنها تقويتهم، وتلافي أي أخطاء ممكنة، وأيضا بدون نصائح وإرشادات.

بداية، من المهم الإشارة إلى الظرف السياسي الذي نشأت فيه مجموعة العرين، وغيرها من المجموعات المسلحة، فقد أدى تراجع دور وفاعلية الفصائل الوطنية إلى خلق فراغ سياسي ونضالي في الساحة الفلسطينية، ما سمح بظهور الحالات الفردية، التي تحولت إلى خلايا صغيرة مسلحة، ومن ثم إلى مجموعات أوسع أخذت تطوّر خطابها وآليات عملها، حتى باتت قادرة على تحريك الجماهير، مثل الإعلان عن الإضرابات، وتسيير تظاهرات شعبية.

كانت البداية في جنين، ثم انتقلت إلى نابلس، وهي مرشّحة للتوسع في بقية الضفة الغربية، وقد ظهرت تلك المجموعات في وقت يعاني فيه الفلسطينيون من حالة تراجع وسكون طال أمدها، لدرجة أنها صارت تولد هواجس وجودية خطيرة تطال القضية الفلسطينية (أي تراجع الاهتمام العالمي بها)، مع إحساس بطعنات غادرة في الظهر من دول التطبيع، في ظل تصعيد خطير ومتعمد من قبل جيش الاحتلال والمستوطنين بروح عنصرية عدائية تملؤها الغطرسة.. وهذا بالطبع يستدعي استنهاض روح التحدي، الأمر الذي تكفلت به تلك المجموعات المسلحة.

ومع ظهور عرين الأسود، وما سبقها وتبعها من عمليات فدائية جريئة، وكان آخرها عمليتا الشهيد عدي التميمي والشهيد محمد الجعبري، بدا وكأن الجماهير بدأت تستعيد روحها النضالية، وتسترد بعضاً من كرامتها الوطنية بعد أن بثت تلك العمليات بعض الطمأنينة في روحها الجمعية، وهذا أكثر ما تحتاجه.. الأمر الذي يفسر نشوة الفرح واستعادة الأمل، التي ظهرت في حجم الالتفاف الشعبي حول الكتائب المسلحة، وما ينشره الناس على وسائل التواصل الاجتماعي عنها، وبطريقة لا تخلو من الأسطرة.

مسألة أخرى بالغة الأهمية تتعلق بالظرف السياسي، وهي استمرار الانقسام، لدرجة تهدد بتأبيد انفصال شطري الوطن، بما يغلق تماما أي أفق سياسي لأي حل وطني، بل ويفتح طريقا وحيدا، وهو حصر حل القضية في قطاع غزة، وإنهاء الصراع بإعلان القطاع دولة مستقلة.. وبعد فشل جولات المصالحة، لم يعد ممكنا استعادة الوحدة الوطنية إلا من خلال نهضة جماهيرية (انتفاضة)، وتصعيد وتيرة النضال وتجسيد الوحدة في الميدان، وهذا بالضبط ما فعلته “عرين الأسود” وغيرها، واستمرار هذه الحالة الكفاحية وتعميمها هو فقط ما يمكنه إنهاء الانقسام.

ومع كل ما سبق، فإن الإفراط في مديح “عرين الأسود”، وتعليق كل الآمال عليهم وكأنهم خشبة الخلاص الأخيرة أمر بالغ الخطورة، فمن الواضح أن إسرائيل تتعمد تضخيم ظاهرة المجموعات المسلحة، والزعم بأنها الخطر الوحيد الذي يهددها، تمهيدا لتصفيتهم بالاغتيالات والاعتقالات، وبالتالي قتل الأمل في الروح الفلسطينية.

ظاهرة المجموعات المسلحة يضعها أمام تحديات مهمة؛ أولها التحدي الأمني، فمن المعروف أن لدى إسرائيل قدرات تكنولوجية هائلة، تمنحها القدرة على الرصد والتتبع بدقة متناهية، وهذا يتطلب اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر في الإقامة والتنقل، وتجنب الظهور في الإعلام، والتقاط الصور، واستخدام الهواتف النقالة، والمشاركة في الجنازات…إلخ. خصوصا عند الردّ على الجرائم الإسرائيلية بعمليات هجومية، ففي ذلك مخاطر كثيرة، منها سهولة استهدافهم قبل أو أثناء العملية.

التحدي الثاني: تعميم فكرة التشكيلات العابرة للفصائل، وتقديم نمط نضالي جديد يجسد الوحدة الوطنية، ويعتمد المقاومة الشعبية، مع الدفاع المسلّح ضد الانتهاك الإسرائيلي اليومي. دون مظاهر العسكرة التقليدية، أي تجنب تحويل الفعل الجماهير (المرشح للتحول إلى انتفاضة) إلى العسكرة، وهو الخطأ القاتل الذي أودى بالانتفاضة الثانية، فالعسكرة (كما يقول حسن خضر)، هي “الاستيلاء على الظاهرة الشعبية، وتشظي الفعاليات والتنافس الفصائلي على أسس فئوية ضيّقة”. ومع استمرار العمليات الفدائية، ولكن بانتقاء الأهداف العسكرية وتجنب المدنيين، مع التأكيد على أن الهدف ليس القتل بحد ذاته، وهي الرسالة العظيمة التي حاول الشهيد عدي التميمي إيصالها.

التحدي الثالث: الاستفادة من تجارب الانتفاضتين، أي تفادي الأخطاء السابقة، ففي تلك التجربتين ظهرت تشكيلات عسكرية، سرعان ما تبين وجود أجندات مختلفة للفصائل التي تتبعها، وبالتالي تشتّت أهدافها المختلفة، ما أدى إلى فقدانها حاضنتها المجتمعية. ومن وحي التجربة الفلسطينية، بل ومن تجارب جميع التشكيلات المسلحة تاريخيا، ما كان يجري فعليا هو تحولها السريع من مجابهة العدو الخارجي إلى محاولتها فرض أجنداتها السياسية أولا، ثم فرض أجنداتها الاجتماعية وثقافتها وأيديولوجيتها على المجتمع. تبدأ ذلك من خلال التفرغ لتصفية العملاء، الأمر الذي يكسبها مهابة وقوة تستطيع من خلالها فرض وجودها وفلسفتها على المجتمع، وبالتالي تتحول تدريجيا إلى استبدادية من نوع آخر.

فمع امتلاكها القوة، وللتعويض عن عجزها في تحقيق انتصار حقيقي على العدو (بسبب الخلل الفادح في موازين القوى وفي القدرات) يشعر بعض أفراد تلك المجموعات بحاجتهم إلى تحقيق أي انتصار من أي نوع، وعادة يجدون ضالتهم في الأهداف المحلية. وهنا تبدأ الأهداف السياسية بالاختفاء (تتحول إلى شعارات مثالية)، وما يفاقم من المعضلة أنها تضع نفسها في عزلة عن العالم الخارجي وتحولاته ومتطلباته الواقعية ومعاييره السياسية.

لذا، من المهم إدراك أن الانتصار ليس سهلا، ولا يتحقق بالسرعة والكيفية التي نرغب بها، فالمعركة صعبة ولن تحسمها الضربة القاضية، ولا يوجد أي فصيل أو تشكيل مسلح مهما بلغت شجاعته قادر بمفرده على تحقيق النصر.. ولكن كل تجربة كفاحية مهما كان حجمها هي إضافة نوعية، وخطوة أخرى تقربنا من تحقيق أهدافنا.. فالدرب طويل، وما نحتاجه فعلا هو تراكم الخبرات النضالية، والبناء عليها، وتضافر كل الجهود في شتى الميادين.. ما يعني أن التحدي الأهم يقع على عاتق الجماهير، وألا تتحول إلى متفرج ينتظر الأخبار.. فالفعل الجماهيري هو العنصر الحاسم في الصراع.

مصير ومستقبل التشكيلات المسلحة

بعد استشهاد عدد من عناصر «عرين الأسود»، وتسليم عدد آخر أنفسهم لأجهزة أمن السلطة الوطنية، ومع اشتداد الحصار الإسرائيلي على البقية، ووضعهم على قائمة الاغتيالات.. السؤال المطروح، والذي يشغل بال الفلسطينيين: ما مصير «العرين»؟ وما هي دلالات تسليم بعض أفرادها أنفسهم للأمن الفلسطيني؟

سأجيب بداية عن السؤال استناداً إلى البيان الرسمي الذي نشرته مجموعة العرين: «من يقوم بتسليم نفسه من المقاتلين، هذا قراره وخياره ولا نناقشه فيه، ونطلب من المواطنين عدم الإساءة له. وستظل عرين الأسود ماضية في طريق مؤسسيها الذين اغتالتهم إسرائيل».

وحسب مصدر رسمي، رفضت السلطة الوطنية طلباً إسرائيلياً باعتقال أعضاء المجموعات المسلحة في جنين ونابلس، ولكنها عرضت بدلاً من ذلك صيغة تقوم على إقناع هؤلاء المقاتلين بإلقاء السلاح وتسليم أنفسهم لأجهزة الأمن الفلسطينية، ووضعهم في مقرات آمنة، حمايةً لهم، مضيفاً: «هؤلاء أبناؤنا، وأوضحنا لهم منذ البداية أننا نريد حمايتهم، وهم فضَّلوا الذهاب إلى خيارهم، ولم نقف في طريقهم، لكن عندما وجدوا أنَّ فرصة النجاة شبه معدومة عادوا إلينا وقمنا باحتضانهم ووفَّرنا لهم الحماية».

من الواضح أن أجهزة الأمن الإسرائيلية تمكَّنت من معرفة هوية جميع المقاتلين، نظراً لإمكاناتها التقنية والاستخبارية المتطورة، وبسبب طريقة عمل المسلحين شبه العلنية، واستغلال بعض ثغراتهم الأمنية التي بدت لهم بسيطة. وبناء عليه قررت إسرائيل اغتيالهم، وبالتالي لم يعد هناك مكان آمن يمكنهم اللجوء إليه، لذلك قبل بعضهم عرضاً من السلطة بإلقاء السلاح. ولكن ما دلالات ذلك؟

أولاً: قيام مجموعة من المسلحين بتسليم نفسها لا يعني نهاية الحالة، فهناك عدد آخر من المسلحين ما زالوا رافضين إلقاء سلاحهم، وهناك عدد لا يمكن حصره أو التنبؤ به من الشبان الفلسطينيين الذين قد ينفذوا عمليات مسلحة في أي وقت، ومن أي مكان، فطالما هناك احتلال ستقابله مقاومة. والمسألة لا تقتصر على «العرين» وغيرها من التشكيلات المسلحة، وعلى الأرجح ستكون مثل هذه الحالات غير منتسبة رسمياً لأي فصيل سياسي.

ثانياً: تظن إسرائيل واهمة، ومدفوعة بعقلية الغطرسة المتخمة بالقوة، أنها تستطيع إنهاء أي ظاهرة لها علاقة بالمقاومة من خلال القوة والقمع، وهي عقلية عقيمة، ولن تجني من ورائها سوى الخيبات، بدليل أنها تمارس الاغتيالات والاعتقالات والبطش منذ عقود ومع ذلك ما زال الشعب الفلسطيني عصياً على الكسر، وما زال يجترح في كل يوم مأثرة نضالية، تلهم الآخرين، وتجدد جذوة الثورة، وتحيي نَفَس المقاومة وتلهب روح التحدي. وتظن واهمةً أيضاً أنها من خلال سياسات الحصار والعقوبات الجماعية ستعمل على عزل المقاومين عن الشعب، وكيّ الوعي الوطني وصولاً إلى اقتناع العقل الجمعي بأن العمليات الفدائية ستجر على الشعب المزيد من المتاعب والخسائر، وأنه لا طائل منها. وهذه أيضا عقلية عقيمة، بدليل أن حصارها لنابلس أدى إلى مزيد من التأييد للعرين، واحتضان الشعب لهم، فقد خرجت ألوف مؤلفة في جنازات الشهداء وهي تهتف لهم. والأمر نفسه ينطبق على سائر المناطق. بل إن  نجم «عرين الأسود» زاد سطوعاً، وقد مثّلت حالة كفاحية تستقطب الكثيرين ممّن سيقلدون هذا النموذجَ، والحاضنة الشعبية التي حظوا بها ستلهم الكثيرين لمواصلة الكفاح، وبدلاً من مواجهته خلايا محدودة سيواجه الاحتلال شعباً بأكمله.

ثالثاً: يجب أن ندرك أن الحاضنة الشعبية، رغم أهميتها، لا تكفي لديمومة خيار العمليات المسلحة، فهؤلاء المقاتلون يحتاجون أماكن آمنة يؤوون إليها، وأدوات اتصال لا يمكن تتبعها، ويحتاجون أسلحة وذخائر، ومعدات عسكرية، ولعلاج الجرحى يحتاجون مستشفيات لا يمكن للجيش اقتحامها. وهذه المتطلبات الأساسية من ناحية واقعية شبه مستحيلة، فمن السهل على أيّ منا دعم المقاتلين والمطارَدين بالكلام والهتاف، ولكن ليس سهلاً على أي منا إيواء أحدهم، خاصة أنَّ عقوبة ذلك ستكون هدم البيت، والاعتقال لسنوات طويلة. وهذا يقودنا إلى نقاش خيار الكفاح المسلح من جديد، مع الأخذ بعين الاعتبار الحقيقة التالية:

طبيعة الضفة الغربية لا تتيح لها خوض حرب عصابات، فهي منطقة جغرافية محدودة، مكتظة بالسكان، مدنها صغيرة وليس فيها أنفاق  تحت الأرض، ولا توجد بها صحارى شاسعة، ولا غابات كثيفة، ولا جبال ممتدة تضم كهوفاً وأماكن للانتشار والاختباء، وليس لها حدود  مفتوحة مع دول الجوار. هي أراضٍ مكشوفة، وفوق ذلك تخضع لاحتلال عسكري مباشر، لديه مئات الحواجز والنقاط العسكرية وآلاف الكاميرات ونقاط المراقبة. ومثل هذه الطبوغرافية قد تسمح بنشوء حالات قتالية فردية من حين إلى آخر، ولكنها لا تصلح أبداً لاستمرار وديمومة وانتشار هذا النوع من العمل العسكري.

هذا ليس اكتشافاً جديداً، هذه حقائق معروفة منذ البداية، بل إن الجنرال «جياب» قائد الثورة الفيتنامية نصح قادة الثورة الفلسطينية عشية الإعلان عن الانطلاقة بالتريث، وقال حينها: «لن تتلقوا دعماً من دول الجوار، كما حدث مع الثوار الفيتناميين، بل ستواجهون عداء منها»، ومع إصرار القيادة على الانطلاقة وصفها بـ«ثورة المستحيل».

وبالنظر إلى عرين الأسود وبقية المجموعات المسلحة، سنجد أنها عبارة عن تنظيمات محلية، أي أنَّ حدود عملها ضمن محيط جغرافي ضيق، وبقدرات عسكرية محدودة، تعمل بنمط دفاعي ضد الاجتياحات الإسرائيلية، وضد اعتداءات المستوطنين، وليس مطلوباً منها ما هو أكثر من ذلك. يكفي أنها بثت الأمل من جديد، وأكدت لإسرائيل أنّ المعادلة التي تريد فرضها على الفلسطينيين بالقوة: «الهدوء مقابل الأمن» معادلة فاشلة، وطالما لا يوجد حل سياسي عادل وشامل ستظل المقاومة مشتعلة.

رابعاً: لم تشكل عرين الأسود وسائر المجموعات المسلحة تحدياً للسلطة الفلسطينية، كما تروّج بعض الجهات الإعلامية، فمن الناحية السياسية من مصلحة السلطة إنهاء حالة الانغلاق السياسي، الذي وضعها في عزلة، وفي وضع حرج أمام الجمهور، وهذا لا يتحقق إلا من خلال إيلام إسرائيل وتدفيعها ثمناً، فعمليات العرين وغيرها ستجبر إسرائيل وأميركا على التحدث مع السلطة، وبالتالي فتح أفق سياسي معين. وقد ظهر تأييد ودعم السلطة الوطنية لتلك المجموعات، كما دافع الإعلام الفلسطيني الرسمي عنها وأبّن شهداءها، ووصف أبناءها بالأبطال، وحتى الأجهزة الأمنية التي انخرط بعض عناصرها في تلك المجموعات، وصار واضحاً أنها تخلت عن خيار مواجهتها أمنياً، وأنها إن لم تصطفّ خلفها ومعها لن تكون ضدّها. أما حركة «فتح»، فباتت تحرص على إبراز علاقتها بها، وتعلن صراحةً الاصطفاف معها. والأمر نفسه ينطبق على «حماس» و«الجهاد» وبقية الفصائل.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى