عبد الغني سلامة: الثوب الفلسطيني الكنعاني
عبد الغني سلامة 2-2-2026: الثوب الفلسطيني الكنعاني
في العام 2022 نشرت مقالاً بعنوان «الثوب الفلسطيني الكنعاني» وقد حظي حينها بتسعة لايكات ومشاركة واحدة، ودون أي تعليق، أي أن المقال لم يثر غضب أحد.. قبل أيام أعدتُ نشر فقرتين من نفس المقال فتلقيت أكثر من مائة تعليق والعديد من الرسائل كلها تشتم وتسب بكلمات بذيئة، ويبدو أن محتوى المنشور أثار غضبهم!
بالنسبة لي عندما أكتب مقالاً فإنَّ آخر همّـي هو عدد اللايكات، ولا يهمني إن غضب أو فرِح القراء، ولم أكتب يوماً لاستثارة عاطفة أحد، أو لجلب معجبين، أو للفت الانتباه.. أكتب فقط ما يمليه عليّ ضميري، وما أقتنع به، ولا أسعى لإقناع أحد، أو لتغيير وجهة نظره؛ فهذه من أصعب المسائل.
أحاول أن أكتب بموضوعية، وأن أتجنب إصدار الأحكام، ولا أشتم ولا أتهم.. احتراماً لنفسي أولاً، واحتراماً للقراء على اختلاف توجهاتهم.. ومع أني تلقيت سيلاً من الشتائم لم أرد، لأنك عندما تصف شخصاً بأنه حمار، لن يتوجه إلى المرآة ويسأل نفسه بصدق: هل فعلاً أنا حمار، ويجب مراجعة أفكاري وتصرفاتي؟
ما سيحدث أنه سيشعر بالاستفزاز وسيبدأ بالرد بغريزة دفاعية دون تفكير، وبالتالي عوضاً عن تقديم نقاش عقلاني يستفيد منه الناس سنكون أمام جولة ردح وشتائم.
لنتجاوز تعليقات الذباب الإلكتروني؛ فلم يسبق لإنسان عاقل أن تحاور مع حشرة، ولنلقِ نظرة على التعليقات المعترضة التي أقدرها، ولكن قبل الرد عليها سيكون مهماً مقارنة تفاعل الجمهور مع المقال نفسه بين نشره قبل ثلاث سنوات، ونشره اليوم، لعلنا نفهم بعض التغيرات الاجتماعية والفكرية التي حدثت خلال هذه المدة.
ونعرف لماذا الهجوم على منشور يدافع عن التراث الشعبي الفلسطيني وعن الثوب الكنعاني!
من الواضح أن موضوع المرأة وكل ما يتصل بتصرفاتها وسلوكها اليومي من المواضيع التي تظل تثير جدلاً، حيث تظهر ردات الفعل البدائية المحكومة بعقلية دوغمائية مغلقة، وبموروث اجتماعي متشدد، يستمد مقولاته من فهم ذكوري متعصب للدين، مع أن المنشور لم يتطرق لموضوع الحجاب إلا أن البعض يجد دائماً في كل مناسبة فرصة لعرض ذكوريته المتورمة وعصابيته المتوهمة، ولا يجد ساحة ينتصر فيها سوى جسد المرأة.
عموماً، الثوب الفلسطيني التراثي عمره أكثر من خمسة آلاف عام، أي أن المرأة الفلسطينية كانت ترتديه قبل كل الديانات السماوية، وظلت ترتديه باعتزاز حتى عصرنا الراهن، فهو محتشم ولا يتعارض مع محددات الفقه الإسلامي لزي المرأة، بل يكاد يتطابق معها.
الثوب الفلسطيني، شأنه شأن كافة عناصر التراث الشعبي أحد أهم أدوات المواجهة والمقاومة ضد الاحتلال، فصراعنا مع العدو صراع حضاري ممتد وشمولي، والتراث بكل مكوناته في قلب المعركة ومن أقوى أسلحتنا. ومن واجبنا الوطني التمسك به وإحياؤه والتصدي لمحاولات الاحتلال سرقته.. العدو الذي أدرك أهمية التراث الشعبي لترسيخ روايته المزعومة فبدأ بنحله ونسبه إليه..
وفي هذا رد على من ينتقدون بحجة أن الموضوع تافه، وهناك ما هو أهم، مثل معاناة النازحين في غزة، وهجمات المستوطنين في الضفة، ومجلس السلام.. وغير ذلك.. إذا كنت ترى هذه المواضيع مهمة (وهي بالتأكيد مهمة) فلماذا لا تكتب عنها حضرتك؟ من الذي منعك؟ ومن أعطاك الحق بأن تحدد للكاتب ماذا يكتب؟ ومتى؟.
صحيح أن الثوب التراثي بدأ يختفي لدى الجيل الجديد، حيث ترتدي النساء إما الحجاب، أو الملابس العصرية، وهذه مسألة حريات شخصية، ولا اعتراض عليها، ولكن ما يبهج القلب، رؤية السيدات والصبايا وهنّ يرتدين الثوب الفلسطيني في الأعراس، وفي الاحتفالات والمناسبات الوطنية.. وهناك فرق جوهري بين الجهود الفلسطينية المبذولة والمبادرات الأهلية التي تشجع على ارتداء الثوب المطرز، وبين الحملات الممنهجة التي تستهدف الثوب وتريد إلغاءه واستبداله بما تسميه الزي الشرعي.
من الردود الغريبة القول إن تكلفة الثوب التراثي باهظة، وهذا سبب للتحول إلى الزي الشرعي!
يا أخي من طالبَ كل النساء أن ترتدي الثوب التراثي؟! هذه حريات شخصية على مستوى الأفراد.. الحديث عن جهات منظمة تموّل حملات دعائية تستهدف الفئات الفقيرة وتستغل حاجاتهم لدفعهم نحو مشهد ما من أجل التقاط صورة ترسل للممول الكبير.
استهداف الزي التراثي ليست حديثاً، وليس بريئاً أيضاً، ودفع النساء لارتداء «الزي الشرعي» لم يكن إجباراً مباشراً، بدأ بإلقاء المياه الحارقة والبيض على وجوه النساء غير المحجبات، حدث هذا في أواخر الانتفاضة الأولى في عدة مدن فلسطينية، صحيح أنها كانت حالات فردية محدودة، لكن أثرها كان مرعباً على سائر المجتمع، ثم تواصلت مع حملات إعلامية استخدمت الترغيب والترهيب، حتى تم تعميم «الجلباب التركي» وأحياناً النقاب، خاصة في المخيمات وفي الأحياء الشعبية وفي قطاع غزة تحديداً.
وعندما سيطرت حماس منفردة على قطاع غزة، فعلت ما تفعله كل الحركات الأصولية؛ بدأت بمحاولات أسلمة المجتمع، وعندما نقول «أسلمة المجتمع» لا نقصد إدخاله للإسلام، أو إقناعه بمفاهيمه وقيمه، فالمجتمع الغزي مسلم ومتدين قبل حماس بألف سنة، وليست حماس من أدخل الإسلام إلى القطاع كما صرح أحد قيادييها سابقاً.. المقصود بالأسلمة فرض أيديولوجية الحزب الحاكم على المجتمع، من خلال فرض أنماط سلوكية معينة ومفاهيم اجتماعية واقتصادية بحسب فهمها للفقه الإسلامي.. حدث هذا سابقاً وما زال يتكرر في المجتمعات الإسلامية التي ابتليت بحكم جماعات متشددة وأيديولوجية، وكانت النتيجة تمزيق العالم الإسلامي إلى شِيع وأحزاب وجماعات متحاربة ومتضادة، والإساءة للإسلام نفسه، فصارت كل جماعة تزعم أنها تمثل الدين الصحيح لدرجة أنه لم نعد نعرف حقيقة أيها التي تمثل صحيح الدين.
سعت حماس وبخطوات حثيثة للسيطرة على البنية التحتية الإسلامية، بدءا من السيطرة على المساجد، والإمساك بلجان الزكاة، ثم فرض الحجاب والجلباب على طالبات المدارس والمحاميات والمدرّسات.. فيما قامت الحركات السلفية بفرض الأسلمة بالقوة ودفعة واحدة، فلجأت إلى تفجير الأماكن السياحية، وحرق المخيمات الصيفية، وتفجير صالونات التجميل، ومحالّ الإنترنت، والمقاهي، ومحالّ بيع أسطوانات الأغاني والأفلام، وتفريق حفلات الأعراس الغنائية بالقوة.
وكان المجلس التشريعي في غزة قد وافق على مشروع قانون العقوبات، الذي وُصف بأنه «أكثر تزمتاً ورجعية من قانون طالبان»، كما أقر مجلس الوزراء المشكل من حماس بتاريخ 9/6/2009 «لائحة الآداب العامة»، بحجة المحافظة على النظام والآداب، ونشر الفضيلة؛ فشرعت حماس بتطبيق حملة ‹الفضيلة› في القطاع، باستصدار قرارات عديدة، استهدفت الحريات الشخصية، بالتركيز على زي المرأة.
هل تذكرون حفلات التوبة في 2016، حين دخلت مجموعة مشايخ بالزي الأفغاني، مدرسة ابتدائية بتواطؤ من مديريات التربية في القطاع، وبدأ أحدهم بإلقاء خطبة حماسية ملتهبة انتهت بسقوط عدد من الطلبة مغشياً عليهم، فيما ألقى آخرون بأجسادهم على صدر الشيخ والدموع تنهمر من عيونهم.. وسط صيحات التكبير يعلن هؤلاء الأطفال «توبتهم» و»رجوعهم» للحق، مع فرحة عارمة لأصحاب الحفل بـ»هداية» مدرسة كاملة، وضمها إلى حظيرة الإسلام.
دوماً المقدمات تقود إلى النتائج.



