أقلام وأراء

عاطف أبو سيف – استعادة الجامعة العربية

عاطف أبو سيف 2022-04-04

وزير الثقافة الفلسطيني 

من الصعب أن تقوم للعرب قائمة دون أن تأخذ الجامعة العربية مكانتها كقوة مركزة للسياسة العربية وتوجهاتها ولدور العرب في السياسة الدولية. وهذه الصعوبة مردها حقيقة أن وحدة الحال العربية ولو على الحد الأدنى من المتفق عليه لا تتحقق إلا عبر مؤسسات الجامعة التي تجمع الكل في إطارها. وأن تأخذ الجامعة مكانتها يعني أن تصبح قادرة على ممارسة الأدوار المناطة بها وفق قانون إنشائها وتطوير هذه الأدوار وتكييفها بما يتوافق مع التغيرات في الحالة الدولية. وأمام كل ذلك هدف واحد ووحيد هو رفعة العرب وتحقيق تطلعات الشعب العربي. وربما أمام هذا الأمام هو وضع العرب على الخارطة التي تمت إزالتهم منها فلم يعد لهم وجود حقيقي في السياسة الدولية.
هذا أمر مؤسف وقوله يجرح، لكنه حقيقة. فالعرب لم يعودوا يذكرون في أي نقاش دولي ولم يعد لهم حضور في السياسة الدولية وليسوا لاعبين في تقرير مصير الكوكب. ليس هذا فحسب، بل إن مشاركتهم في الاقتصاد العالمي وفي الثقافة وفي الصناعة وفي كل شيء لا تذكر وإن ذكرت فإنها غير ثابتة ومستقرة. والشواهد كثيرة تبدأ من تعداد من يحصلون على جوائز نوبل من العرب وتنتهي بحقيقة أن العرق العربي العرق الوحيد الذي لا يمتلك سلاحا نوويا ولا يسعى حتى للحصول عليه للأسف. كما قلت، فإن المؤشرات خطرة ومقلقة ومزعجة ولا يمكن أن تبعث على الهدوء إزاء المستقبل المنتظر. فالأمر يتعلق أيضاً بالمستقبل، المستقبل الذي ينتظر أولادنا وينتظر حياتهم.
إن جزءا أساسياً من الحضور الحقيقي هو التأثير الذي يمكن أن يساهم فيه شعب في الحضارة الكونية. والعرب الذين قدموا للحضارة العالمية ما يعجز لسان عن وصفه أو كتاب عن سرده وتعداده، لم يعودوا كذلك في أي مجال، أو أن هذا الحضور والتأثير ليسا مبرزين بشكل كامل. لاحظوا أن الحضور شيء متكامل، فالدول القوية قوية في كل شيء من صناعة السلاح والنانو إلى الأدب والسينما والفنون، ومن المنظمات الدولية إلى المنظمات الإقليمية، ومن الحضور الفردي إلى الحضور الجماعي.
استكمالاً للنقاش حول مكانة العرب في التحولات الدولية الجديدة على هذه الصفحة فإن ثمة حاجة حقيقية إلى إعادة التفكير في موجبات وطرائق استعادة هذا الحضور الذي تم تغييبه منذ قرون. ورغم المحاولات الكثيرة التي تمت في الماضي فإن العرب غائبون عن التأثير في العالم. وربما الصورة النمطية التي ترسمها السينما الأميركية والغربية عموماً للشخص العربي يمكن أن تقود إلى تبعات بعض هذا الغياب. إن غياب الصورة وتغيرها جزء من هزيمة داخلية في معركة لا يخوضها أحد. فلا أحد يسعى إلى استعادة هذا الدور العربي الغائب خاصة مع تراجع مكانة الدولة العربية عموماً وضعفها ومديونيتها وارتهان قرارها للقوى الاستعمارية بشكلها الجديد. وعموماً، حتى الدول الغنية منها لا تملك اقتصادها بشكل حقيقي إذ إنها في جلها دول ريعية.
وبشكل عام، جزء أساس من فشل الحالة العربية هو فشل الدولة القطرية في العالم العربي. فالدول التي تأسست بعد رحيل الاستعمار المادي عن المنطقة العربية لم تنجح في أن تكون في مصاف الدول القوية الحضور في العالم. بل إن خارطة القوة الإقليمية في المنطقة العربية لم تشهد رسوخاً واضحاً لمفهوم الحضور الإقليمي الذي انتقل وتبدل من دول لأخرى في انعكاس واضح إلى عدم استقرار الدول الناشئة. صحيح أن الدول القطرية نجحت في البقاء، إلا أن هذا البقاء ظل ضعيفاً وهشاً بشكل مقلق قاد في مرات كثيرة إلى محاولات لتفكيكها من الداخل إلى دويلات أصغر.
لا يمكن إصلاح كل العطب ولكن يمكن التخفيف منه. في هذه الحالة، فإن جزءا من الحل يكمن في استعادة الجامعة العربية لدورها المفترض في قيادة الحالة العربية. الجامعة القائمة على الحد الأدنى من المشترك لكنه الحد الذي يوفر متسعاً لتحقيق مكانة أرفع للعرب لو تم العمل عليه. إن السعي لإصلاح الجامعة كان دائماً جزءاً من أي نقاش حول المستقبل العربي وكان دائماً يفشل أمام إصرار الدول الأعضاء على تقليص دور الجامعة وطبيعة هذا الدور وعلاقته بدور الدول الأعضاء. إن التصور العام لدى المواطن العربي هو أن الجامعة ومؤسساتها مجرد شيء شكلي لا تأثير حقيقيا له في السياسة العربية.
وبقدر كون السباق حقيقة نعرفها جميعاً بقدر الحاجة لتغيير هذا الواقع. وطالما أن الجامعة مؤسسة تعاقدية بين الدول الأعضاء فإن إصلاحها لا بد أن يكون تعاقدياً بموافقة تلك الدول، وربما عبر ترويج صحيح وضغط واضح يمكن أن يتحقق ذلك. حيث إن الإصلاح الحقيقي لا بد أن يكون مرغوباً به إذ من الصعب فرضه في مثل هذه الحالة. وجزء من ذلك لا بد أن يشمل توسيع مشاركة المواطن العربي في صناعة سياسة الجامعة من خلال تفعيل البرلمان العربي المشترك الذي يتم انتخابه كبرلمان مباشرة من المواطن العربي وفق أجندة عربية متكاملة. ثمة نماذج يمكن الأخذ بها وأولها تبادراً للأذهان تجربة التكامل الأوروبية والزحف المتدرج نحو التكامل.
إن استعادة الجامعة العربية من قبل المواطن العربي وإعادة ترتيب أوراقها بحيث لا تكون العلاقات فيها انعكاساً لمواقف القوى المختلفة، بل يتم ضبطها وفق الحاجة العربية وحده يمكن له أن يفتح بصيص أمل حول المستقبل العربي، المستقبل الذي يريد أبناؤنا أن يعيشوه بكرامة ويدفعوا به حالتهم إلى المزيد من التقدم والرخاء. إن المال العربي الوفير لدى البعض والتاريخ العربي العريق والإنجازات الفردية التي يحققها الكتاب والفنانون والعلماء وحدها ليست كفيلة بأن تعيد وضع العرب على الخارطة الدولية مرة أخرى حتى يصبحوا قوة يذكرها التاريخ كما كان يفعل.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى