ظاهرة الاستيلاء على السلطة في الصين - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

ظاهرة الاستيلاء على السلطة في الصين

0 230

Jonathan Levine – The National Interest

الجريدة & 6/5/2012

 نظراً إلى تزايد نفوذ الصين على الساحة العالمية، يهتم المجتمع الدولي الآن بضمان الأمن المحلي في الصين بقدر ما يهتم الحزب الشيوعي الصيني بذلك.

مع اختتام المؤتمر الشعبي الوطني الغامض في الصين والذي أصبح محط نقاش واسعاً، تتجه جميع الأنظار الآن إلى سقوط بو شي لاي. غداة فضيحة وانغ لي جون، شكلت فضيحة رئيس الحزب الشيوعي السابق في بلدية تشونغتشينغ وعضو المكتب السياسي في الحزب الحاكم صدمة بالنسبة إلى العالم الذي انشغل الآن بتكهن حدوث انقسام داخل المراتب العليا في الحزب الشيوعي الصيني، غير أن العملية الانتقالية التي تشهدها القيادة تترافق على ما يبدو مع معضلة مدمرة. إذا لم تتم معالجة الوضع بالطريقة المناسبة فقد تتمزق الصين فعلاً.

يعرف معظم الأميركيين هيو جينتاو كرئيس للصين. لكن هذا الرجل متعدد المهمات والشخصيات. من أجل معالجة التناقضات الخطيرة التي تشوب المؤسسات والقيادة الحاكمة اليوم، يجب أن يضطلع رئيس الصين أيضاً بمسؤوليات أمين عام الحزب الشيوعي ورئيس اللجنة العسكرية المركزية. لاشك أن هذه المسؤوليات الثلاثية تمنح هيو جينتاو الكلمة الأخيرة داخل النظام البيروقراطي الصيني، وتضمن نظرياً عمل الحكومة بشكل متناغم.

حتى الآن، يتجه شي جين بينغ إلى خلافة جينتاو على منصب الرئاسة، لكن لا يبدو أن هيو جينتاو سيسلّم مناصبه الأخرى طوعاً. لن يكون الأمر غريباً إذا قرر البقاء في مناصبه فترة أطول.

السيطرة على “السلاح

شهد العالم على تنحي الرئيس الأسبق جيانغ زيمين من السلطة عندما سلّم منصبه كأمين عام الحزب ومنصب الرئاسة إلى هيو جينتاو في أواخر عام 2002 وأوائل عام 2003 على التوالي. لكن هذه المعلومة ليست دقيقة. نتيجة الغموض الذي فرضه أبرز صانع قرار على الإطلاق، دنغ شياو بينغ، قيل إن جيانغ أخبر الرئيس بوش بخوفه من التقاعد. بعد أول عملية انتقالية سياسية سلمية تشهدها الصين الشيوعية من عهد جيانغ إلى هيو، بقي جيانغ رئيس اللجنة العسكرية المركزية سنتين إضافيتين.

قال ماو تسي تونغ في إحدى المرات: “الحزب يسيطر على السلاح. يجب ألا نسمح بأن يسيطر السلاح على الحزب”. إنها مقولة حكيمة فعلاً. عندما رفض جيانغ زيمين التخلي عن منصبه كقائد الجيش مع أنه تخلى عن مناصبه الأخرى، نشأ توتر كبير في صفوف القيادة العليا التي لا تحتمل وجود قائدين نافذين. لاشك أن الأحداث الدرامية الحاصلة اليوم غداة فضيحة بو شي لاي تستدعي توحيد الصفوف في القيادة العليا. لاتزال المؤسسات الصينية ضعيفة جداً كي تضمن ولاء جيش التحرير الشعبي للأمين العام. نتيجةً لذلك، يجب أن يسيطر زعيم الحزب على “السلاح” مباشرةً.

عام 2004، في ظل الضغوط المتزايدة، جُرّد جيانغ زيمين من منصب رئيس اللجنة العسكرية المركزية ورسّخ هيو جينتاو موقعه أخيراً. اليوم لاتزال سلطة هيو ثابتة، وهو أمر إيجابي. في الآونة الأخيرة، وفي تطور لافت لم يلقَ الاهتمام الكافي، تأهب الجيش الصيني لمواجهة “صراع ايديولوجي” مرتقب، لكن لاتزال معطيات ما حصل غامضة. رغم ذلك، يصعب ألا نلاحظ وجود آثار لانتفاضات حديثة العهد.

لو بقي جيانغ أو حليف له (نظراً إلى تراجع صحته) مسؤولاً عن اللجنة العسكرية المركزية اليوم، كانت التطورات المحيطة بفضيحة بو شي لاي تصبح أكثر خطورة. كان جيانغ زيمين مقرباً من والد بو شي لاي، بو يي بو، ويُقال إنه دعم مسيرة ابنه الطموح. يملك الحزب الماوي الجديد الذي أنشأه بو مناصرين كثيرين في المناصب العليا، بما في ذلك رئيس الأمن العام تشو يونغ كانغ، وهو أيضاً أحد الأعضاء النافذين التسعة في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي داخل الحزب الشيوعي.

جذبت أفكار بو شي لاي واعتراضه على انحراف الحزب عن الجذور الشيوعية عدداً كبيراً من الأكاديميين وعناصر الجيش الذين شعروا بالاستياء، بسبب اللامساواة السائدة في الصين. منذ شهرين، بدا كأن بو شي لاي يتجه إلى بلوغ أعلى مراتب السلطة كعضو في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي. أما اليوم، فقد تورط مع زوجته غو كايلاي في قضية فساد وقتل فاضحة وسيكونان محظوظين إذا نجحا في تجنب دخول السجن.

رغم هذه التطورات كلها والدعم القوي الذي يحظى به بو، حافظ الجيش على هدوئه (حتى الآن على الأقل). لاشك أن جموده يحمل دلالات كثيرة، فهو بمنزلة رضوخ صامت للتأكيد على تفوق هيو. تتضح أهمية توحيد المسؤوليات الثلاثية العليا خلال اللحظات الصعبة والحرجة. الآن وقد اختفى جيل “المسيرة الطويلة” من الواجهة، يواجه القادة السياسيون الصينيون راهناً معضلة دائمة تتعلق بمتابعة السيطرة على الجيش. لو كان أحد حلفاء بو مسؤولاً عن اللجنة العسكرية المركزية بدل هيو، لكان الجيش استعمل حق النقض اعتراضاً على قرارات الحزب، ما يمهّد لنشوء “أزمة دستورية لها سمات صينية خاصة”. بعبارة أخرى، سيكون الأمر أشبه بإقدام رئيس هيئة الأركان المشتركة في الولايات المتحدة على إعاقة تمرير تشريع أصدره الكونغرس عبر التهديد الضمني باستعمال القوة.

هل يصمد هيو في منصبه؟

تبرز عوامل عدة تدعو إلى التمييز بين المرحلة الانتقالية من عهد جيانغ إلى هيو وعملية تسليم السلطة بين هيو وشي في المرحلة المقبلة. لطالما كانت العلاقة بين جيانغ زيمين وهيو جينتاو متوترة. كما حصل مع جيانغ، أصر دنغ شياو بينغ على تطوير مسيرة هيو بوتيرة متسارعة. ضمن دنغ قبل وفاته أن يكون هيو البديل المرتقب لجيانغ بهدف الحفاظ على نموذج التقاعد من القيادة ومنع جيانغ من البقاء في السلطة إلى أجل غير مسمى. في المقابل، من المتوقع أن يلعب هيو دوراً مهماً في اختيار شي جين بينغ لتولي المناصب العليا. لكن يمكن القول على الأقل إن علاقتهما ليست شائكة بقدر ما كانت عليه علاقة هيو وجيانغ.

نظراً إلى تزايد نفوذ الصين على الساحة العالمية، يهتم المجتمع الدولي الآن بضمان الأمن المحلي في الصين بقدر ما يهتم الحزب الشيوعي الصيني بذلك. بفضل السابقة التي قام بها جيانغ، قد يقرر هيو بدوره التمسك بمنصبه في اللجنة العسكرية المركزية مع مراقبة أداء المسؤول الذي عيّنه والحرص على استمرار إرثه.

بينما تتابع الصين تطورها كدولة تحكمها القوانين (بدل أن تبقى دولة يحكمها الأفراد)، ستكون هذه الخطوة رجعية وخطيرة. سيكون تمديد ولاية هيو في السلطة على حساب الجمهورية الشعبية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.