طوني فرنسيس يكتب - المشروع النووي لطهران ليس مشكلة عربية ! - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

طوني فرنسيس يكتب – المشروع النووي لطهران ليس مشكلة عربية !

المشرق يعاني التخصيب الإيراني المذهبي الميليشياوي وهذه قضيته الأولى

0 73

طوني فرنسيس  *- 8/2/2021  

لا أعتقد أن المشروع النووي الإيراني هو ما يثير قلق العالم العربي في دوله المجاورة لإيران، فهذا المشروع الذي تصر القيادة الخمينية على طابعه “السلمي”، يأتي بالنسبة إلى الجوار العربي في أسفل سلم الأولويات، بينما يأتي في رأسه المشروع المذهبي التخريبي الذي ترعاه إيران وتنفذه ومن أجله تواصل عمليات التخصيب الطائفي على امتداد الجزيرة العربية وبلاد الشام والرافدين.

لقد بدأ العمل لإنتاج الطاقة النووية في بلاد فارس في عهد الشاه قبل 18 سنة من انقلاب الخميني، وطوال سنوات استمرت أميركا وفرنسا وغيرهما من الدول الغربية في دعم وتبني المشروع الإيراني، الذي لم يتوقف العمل به إلا بعد انهيار نظام الشاه، وخلال تلك الفترة ساد نظام إقليمي رعته الولايات المتحدة وبريطانيا وحمته التوازنات الدولية، فانكفأت الأطماع الإيرانية التقليدية، واستقلت دول الخليج العربي وانطلقت في بناء اقتصاداتها المزدهرة وحياتها السياسية والاجتماعية، وتحولت بعد أعوام قليلة إلى مركز ثقل عالمي.

لم يكن العمل الذي قامت به إيران منذ عام 1957 إلى 1979 على مستوى تطوير مشروعها النووي للأغراض السلمية مُزعجاً لدول الجوار العربي، وفي بعض التحليلات لم يكن حصول طهران على سلاح نووي ليثير احتجاجاً، فمشكلتها ستكون مع جاراتها في الشرق؛ الهند وباكستان والصين. ومع الغرب النووي، ثم مع روسيا على المقلب الشمالي من الحدود الإيرانية.

وفي تلك السنوات وحتى اليوم، لم يكن ما يسمى الملف النووي الإيراني يعني شيئاً كثيراً لدول الجوار غير العربية، لا أذربيجان اهتمت به ولا تركيا ولا أرمينيا أو جورجيا، ومع هذه الدول لم يظهر اللعاب الإيراني ولا الرغبة الكبيرة في الضم والمضغ، حتى باكستان، الدولة النووية الجارة، بالكاد تذكر اهتمامات جارتها الغربية النووية، نزولاً عند سياق الكلام الدبلوماسي الدولي الضروري.

ما يعني المشرق العربي، وهذا أنتجته تجربة 40 سنة من تصدير الأفكار الخمينية، ليس “إيران النووية” بل التوسعية، التي أمعنت تخريباً في العراق بعد أن فتحت لها أميركا الأبواب على مصاريعها، وأرسلت جيوشها إلى سوريا لتغيير ديموغرافيتها ولمنع مطالبة شعبها بالحرية. يعنيه أيضاً طهران، التي نظمت وقادت الانقلاب الحوثي في اليمن كبؤرة اعتداء على الجيران، وأقامت الميليشيات والتنظيمات المذهبية في لبنان والدول المذكورة وغيرها؛ لتفتخر لاحقاً بالسيطرة على أربع عواصم عربية وباستعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية من المتوسط إلى بلاد السند والهند.

أوغلت إيران في مشروعها التفتيتي هذا في المشرق العربي تحديداً. لم تقم بما يُماثله في دول الجوار غير العربي، وحتى في أفغانستان استمرت حريصة على استعمال ما يلزم من أدوات في مواجهة الأميركيين كسباً لأوراق وليس انتزاعاً لمواقع.

كان العالم يحتفل، وعلى رأسه إدارة أوباما، بالتوصل إلى اتفاق مع طهران في عام  2015، عندما زادت وتيرة التدخل الإيراني في الشؤون العربية. عام الاتفاق النووي كان عام الانقلاب في اليمن، وعام الهجوم الشامل على الانتفاضة السورية، وعشية توقيع ذلك التفاهم، سُلمت الموصل لتنظيم “داعش” في ظل حكومة نوري المالكي المقربة من طهران، وبعد التوقيع بعام سُلمت السلطة في لبنان كاملةً إلى إيران التي جاهرت بضم بيروت إلى مقتنياتها.

لم يُسفر انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق المذكور عن تغيير يذكر في النهج الإيراني تجاه المنطقة العربية، زاد مستوى التوتر مع ازدياد حجم العقوبات الأميركية، وارتقت العدوانية الإيرانية إلى مستويات جديدة.

لم يتورَّعوا عن استحسان، أو التَّعبير صراحةً في وسائل إعلامهم عن ترحيبهم بالأعمال العُدوانيَّة ضد ناقلات النفط وخطوط إنتاجه وتكريره، واستهداف المُدُن والمناطق الآمنة بالمُسيَّرات والصَّواريخ.

كانت الوقائع هذه، وعدم الرد المتناسب على الانفلات الإيراني، ممن أخذوا على عاتقهم أمن الخليج وحرية الملاحة فيه، في صلب النقاشات والمباحثات لإعادة ترتيب البيت العربي والخليجي خصوصاً. وحددت دول مجلس التعاون خطتها الموحدة انطلاقاً من المصلحة العربية والخليجية، لتلاقي الأفكار الدولية وليس للالتحاق بها. فمدت يد التعاون إلى إيران انطلاقاً من مقتضيات الاحترام المتبادل بين دول مستقلة تحكم علاقاتها قوانين الشرعية الدولية وبروتوكولاتها.

واليوم، عندما يعود الحديث بقوة عن استعادة الاتفاق النووي الدولي مع إيران لن يقف العرب حائلاً من دون هذه العودة! لكن لا بأس أن يتمسكوا، والخليج في مقدمتهم، بأولوياتهم ممثلة في؛ الاتفاق يعنينا كما يعني الجميع لكن البند الأول على جدول البحث ينبغي أن يكون واضحاً، ووقف مشاريع التوسع والتمزيق الطائفي والمذهبي، والانسحاب من مجتمعاتنا، وضبط هذا التلويح الدائم والصلف بصواريخ ومتفجرات خرّبت المشرق العربي وأعادته عقوداً إلى الوراء.

هذه هي مشكلة العرب “النووية” مع إيران وليس مستوى تخصيبها في نطنز، فليتصرف العالم تجاه الأخيرة. أما العالم العربي، فلن يمكنه رهن مستقبله وازدهاره مقابل رغبة الإيرانيين بقنبلة نووية لن تقدم أو تؤخر في حياة الإيرانيين أو في حياة جيرانهم الأقربين والأبعدين.

* إعلامي وكاتب ومحلل سياسي لبناني

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.