أقلام وأراء

طوني فرنسيس – أستانا أوكرانية تقودها تركيا ..!

طوني فرنسيس ١١-٤-٢٠٢٢م

تتصدّر تركيا الدول التي تحاول التوسط لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، بل تكاد تكون الدولة الوحيدة التي تمكنت من جمع ممثلي البلدين خارج تلك المفاوضات الأمنية على حدود بيلاروس الشريكة في الحرب الروسية على أوكرانيا.

ونجحت تركيا في ترتيب اجتماعين مهمين بين طرفي النزاع، الأول في وقت مبكر بعد نحو أسبوعين من بدء الهجوم الروسي، وقد عقد في أنطاليا مدينة السياح الروس المفضلة، وضم وزيري الخارجية سيرغي لافروف وديمترو كوليبا، والثاني في إسطنبول نهاية آذار (مارس) في مكان شديد الرمزية العثمانية هو قصر دولما بهشة المطل على البوسفور .

أنجزت تركيا أردوغان ما لم ينجزه أو يتصدى له أحد غيرها. لقد حاولت إسرائيل التدخل والتوسط وتحرّك رئيس وزرائها نحو موسكو وكييف، إلا أن وساطته توقفت من دون تفسير سوى القول بضغوط أميركية على تل أبيب، لكن الوساطة التركية استمرت وتمتعت برضا أميركي رسخته زيارة فيكتوريا نولاند، نائبة وزير الخارجية الأميركي الى أنقرة قبل أيام، حيث تحدثت عن “طاقة جديدة” ظهرت في العلاقات التركية الأميركية. وأعقب تلك الزيارة طلب الخارجية باسم إدارة الرئيس جو بايدن إلى الكونغرس تسليم تركيا طائرات من الجيل الرابع F16 لأن ذلك “يلبّي مصالح الأمن القومي” الأميركي.

كانت روسيا شديدة الاستياء من الدول التي انتقدت أو دانت هجومها على أوكرانيا، وتابعت بالتفصيل مواقف تلك الدول في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة وأخيراً في مجلس حقوق الإنسان، وتدخل سفراؤها لدى عدد من العواصم تعبيراً عن الاستياء. وفعلت الولايات المتحدة الأمر عينه، إذ اعتبرت العالم منصة استفتاء ضد روسيا، فتابعت مواقف الدول والحكومات ناصحة ومحذرة. ومع ذلك مارست تركيا، وجزئياً إسرائيل حليفا الولايات المتحدة سلوكاً انتقادياً ضد روسيا ومتعاطفاً مع أوكرانيا، وفيما لم تتمكّن إسرائيل من السير في وساطة سارعت إلى طرحها مبكراً، نجحت تركيا في تنظيم مفاوضات تأمل في أن تتوّج بلقاء على أرضها يجمع الرئيسين الروسي والأوكراني.

لم تأتِ قدرة أنقرة على لعب هذا الدور غير الواضح النتائج من العدم، فهي كانت الأشد قسوة في انتقاد الحرب الروسية من البداية، وقبلها رفضت ضم القرم وفصل جمهوريتي دونباس، وبنت مساكن في كييف لمهجري القرم من التتار بعد عام 2014 وتستضيف نحو خمسة ملايين من هؤلاء نزحوا بعد الحروب الروسية العثمانية، ومع ذلك قبلت موسكو بتدخلها لعدد من الأسباب .

فتركيا تتحكم بمدخل البحر الأسود الوحيد إلى البحر المتوسط، وهي أغلقت مضيقيه، البوسفور والدردنيل، بوجه حركة السفن الحربية، ما يمكن أن يؤثر في حركة البحرية الروسية نحو شرق المتوسط وقاعدتها الرئيسة في طرطوس السورية.

ولتركيا علاقات اقتصادية متينة مع روسيا وأوكرانيا مهمة جداً للدول الثلاث. وقد بلغ حجم التبادل التجاري التركي الروسي عشية الحرب أكثر من 33 مليار دولار، فيما بلغ حجم التبادل التركي الأوكراني نحو 8 مليارات دولار، لتحتل تركيا موقع الشريك الأول لأوكرانيا التي اعتمدت على الطائرات المسيّرة التركية ” بيرقدار” في مواجهاتها الأولى لقوافل الجيش الروسي.

وفي الآونة الأخيرة، حاولت تركيا تحسين علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في إطار مجموعة العشرين وحلف الأطلسي، ويبدو أنها حققت نجاحات مريحة.

وبعد سنوات من الصدام مع العالم العربي، سعت أنقرة إلى مد الجسور مجدداً مع مصر ودول الخليج العربي، وكانت زيارة أردوغان إلى الإمارات في مارس الماضي تتويجاً لمصالحة ومدخلاً لسلوكيات جديدة.

وفي موازاة تحسين العلاقات مع العالم العربي، استعادت تركيا علاقاتها الودّية القديمة مع إسرائيل، فأكملت بذلك حلقة إعادة التموضع عشية صراع ضخم على مقربة منها، يهدد بتفجير دولي واسع .

لا شك في أن أحلاماً تتجدد في أنقرة بشأن نهايات الهجوم الروسي أقلها الاستفادة من خروج موسكو ضعيفة من حرب تورطت فيها.

كانت روسيا تنظر بتخوف إلى النشاط التركي على حدودها الجنوبية وفي آسيا الوسطى والقوقاز، ولن تتردد تركيا مستقبلاً في توسيع نشاطها في هذه المناطق، بل هي ستذهب أبعد من ذلك، فتحاول تكريس أوضاع جديدة في سوريا “درّة تاج” السياسة الروسية الخارجية في سنوات ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وهذا سيكون دافعاً آخر لقبول موسكو بالوساطة التركية، فمعاداة تركيا في هذه الظروف ستكون أثمانه غالية.

في الأيام الأخيرة، توقف محللون روس أمام ما نشرته صحيفة “حرّييت” التركية عن عودة الاتصالات بين تركيا ودمشق ولم يستبعدوا حصولها وإنما نظروا إليها بأسى وتخوف مع أن مصدراً في الخارجية السورية سارع إلى نفيها.

قال أنطون مارداسوف، الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية تعليقاً على ما أوردته الصحيفة التركية من أن الحرب الأوكرانية أعطت رئيس النظام السوري بشار الأسد سبباً لمصالحة أردوغان “أظن بأن هناك الآن لحظة مؤاتية لانتقال العلاقات بين تركيا وسوريا إلى مستوى جديد، ليس لأن روسيا قد ضعفت أو ليس لديها ما تفعله… بالطبع، انزاحت نقطة التركيز قليلاً وتراجعت الإدارة المباشرة التي يمارسها الكرملين في سوريا”.

هي أسباب واقعية تدركها موسكو وسط تورطها في سهوب أوكرانيا، ومع تساؤل أحد كتابها عن الذي أمّن حماية رحلة الأسد الى الإمارات هو الذي يهتم بأمنه الجيش الروسي، تدرك أن شريكها في اتفاق أستانا السوري يشعر براحة أكبر في تدخله السوري، فإذا كانت روسيا منشغلة في جنوبها وإيران تنتظر اتفاقاً نووياً يبدو مؤجلاً، فإن تركيا تظهر بمظهر الأقوى بعلاقاتها المتشعبة على ساحة الإقليم، وستتيح لها تجربتها في أستانا، ليس فقط محاولة أخذ الحصة الأكبر في بلاد الشام، وإنما محاولة تعميم التجربة السورية على الحرب الأوكرانية، فنصبح أمام أستانا أوكرانية تقودها تركيا لمعالجة مستقبل أوكرانيا بمشاركة روسيا وضامنين أخرين، ليست الولايات المتحدة بعيدة منهم.

إنه حلمٌ تركي قد يتحقق ونتائجه رهنٌ بما تفرزه المعركة على أوكرانيا خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى