أقلام وأراء

طلال عوكل: العراق وأصل الكارثة

طلال عوكل 2022-09-01

.. وكأن العراق كان بخير قبل اليوم الدامي، الذي وقعت فيه الاشتباكات داخل “المنطقة الخضراء”، وأدت إلى سقوط ثلاثين ضحية ونحو سبعمائة جريح. لا مجال للاعتقاد بأن العراق نجا من كارثة كبرى، لو أن الاشتباكات استمرت وامتدت إلى بقية المحافظات. فالعراق أصلاً، يعاني من كارثة، منذ الغزو الأميركي العام 2003.

العراق بلد الحضارات، والثقافة، بلد القومية العربية، بلد الخيرات، بلد النخوة والكرم، ما كان له أن ينجو من المخططات الأميركية التي استهدفته، حتى قبل ما يُعرف بـ”الربيع العربي”.

كان إقدام النظام العراقي آنذاك، على غزو الكويت واحتلالها، مجرد ذريعة، وكان يمكن أن تجد الولايات المتحدة، أو تخلق ذريعة، لو لم تتح لها هذه الذريعة.

واضح أن مثلث الحضارات العربية مصر، وسورية والعراق كان هدفاً للأطماع التوسعية الأميركية الصهيونية، وإذا كانت مصر قد نجت من مخططات التجزئة، والإطاحة بالدولة الوطنية وهذا بفضل أبنائها، فإن العراق، وسورية، قد دخلتا منذ زمن دائرة الكارثة المدبرة، والمستمرة.

كان العراق بلداً مزدهراً، غنياً بثرواته الطبيعية، لا مجال فيه للتفرقة والنزاعات الطائفية، وكان يسير في اتجاه المنافسة على مواقع متقدمة من القوة وفق المعايير الدولية.

النظام نجح في وضع جميع الطوائف في بوتقة واحدة، من دون أن يحرم أياً منها من ممارسة طقوسه الدينية والتراثية الخاصة. ومن بين أربع دول متجاورة هي: تركيا وإيران وسورية، بالإضافة إلى العراق، فإن العراق هو الدولة الوحيدة التي أعطت الأكراد حكماً ذاتياً، واعترفت لهم بحقوق قومية في إطار الدولة العراقية.

قد يكون النظام ارتكب مجازر بحق بعض الطوائف أو النواحي ولكن العراق كله منذ الغزو الأميركي وعلى أيدي الغزاة، تعرض لمجزرة كبرى أصابت كل أركانه.

كان وضع العراق مخيفاً للقوى الاستعمارية والصهيونية، وحتى لبعض الدول السائرة في ركابها، حين حقق انتصاراً كبيراً على إيران في حرب استمرت ثماني سنوات، فلقد كان ذلك الانتصار سيقلب كل المعادلات والتوازنات، في هذه المنطقة الحسّاسة، ولذلك كان لا بد من إعادته عشرات السنوات إلى الخلف، وخلق الوقائع التي لا تمكنه من العودة إلى طريق النهوض.

من يصدق أن بلد النفط، الغني بثرواته يعاني من ديون خارجية وداخلية تصل إلى 79 مليار دولار يحتاج إلى سنوات كثيرة حتى يتمكن من التخلص منها، وأن الأنظمة المتوالية منذ الغزو، ركزت فقط على النفط، وأهملت الموارد الأخرى خاصة الزراعة؟
 من يصدق أن العراق الغني بثرواته يعاني من أزمة كهرباء ومياه، وتدهور البنية التحتية، وانتشار الفقر، والتشريد الداخلي والخارجي والتسوّل؟

منذ أن استقر الغزو الأميركي، وما يسمى “دخول العراق”، العملية السياسية، أنشأت الإدارة الأميركية، نظاماً يقوم على الطائفية، ويغذّي نزاعاً مستمراً، الفتنة الطائفية على المستويين الاجتماعي والسياسي.

النظام السياسي في العراق، يشبه إلى حد كبير النظام السياسي في لبنان.. فالرئاسات الثلاث تتوزع بين الرئاسة للأكراد، ولكنها رئاسة شرفية بخلاف لبنان، والحكومة للشيعة، ورئاسة المجلس النيابي للسنّة.

ومنذ السنوات الأولى للغزو، فتحت إدارة برايمر الأميركية كل الأبواب، أمام تدفّق السلاح، وشجّعت على تشكيل ميليشيات مسلّحة، بالتوازي مع الجيش العراقي الرسمي.

والسؤال هنا، هو: ما السبب أو الدافع الذي يقف خلف إنشاء هذه الميليشيات المسلّحة، طالما أن هدف معظمها وأكثرها، قوة وتسليحاً، لم يكن مقاومة الاحتلال الأميركي؟ ولكن حتى توفر الولايات المتحدة الذريعة، قامت بتشجيع “داعش” على توسيع دائرة نشاطاتها ووجودها، حتى أصبحت تهدد مكانة الدولة والجيش، خصوصاً حين احتلت الموصل وهي كبرى المدن العراقية في الشمال.

انتهت “داعش” إلى حد كبير، ولكن بقي لها بعض الخلايا التي تظهر بين الحين والآخر، ولكن لا تشكل تلك الخطورة التي تستدعي استمرار وجود ميليشيات يتجاوز تعداد واحدة منها هي “الحشد الشعبي” المئة ألف مقاتل، وتمتلك أسلحة ثقيلة وبنى عسكرية تضاهي الجيش الرسمي.

واضح أن هدف وجود هذه الميليشيات، هو تعزيز وحماية الأحزاب والأجسام الطائفية، والنظام الذي تشكل عنوانه وجوهره.

كل الحكومات المتعاقبة كان تحمل وعوداً كاذبة للناس وعلى رأس تلك الوعود مكافحة الفساد المستشري في عظام الدولة. لكنها كانت المتهم الأول والأساسي في استمرار هذا المرض وتعميق مخاطره. لا ينفي أي مسؤول وجود فساد بشع، ولكن الكل يتبرّأ من ذلك، مئات مليارات الدولارات، التي أظهرتها بعض المواقع الإخبارية الدولية، وتخص بالأسماء رؤساء وزراء ووزراء ومتنفّذين.

الصراع الذي وقع مؤخّراً بين “التيار الصدري”، وبين “الإطار التنسيقي”، والطرفان ينتميان للطائفة الشيعية، هو صراع على الإصلاح، وإجراء تغييرات جذرية، ودستورية على النظام.

راهن الصدر على قوة الجماهير ومن خلال الاعتصام السلمي الذي بدأه أول آب المنصرم، لكنه عاد وانكفأ بعد دخول السلاح على الخط.

هكذا كان الصدر المبادر للتهدئة، ولكن الوضع يزداد تأزّماً، خاصة إذا شعر “الإطار التنسيقي” بأنه أحرز الفوز.

ما جرى جولة من جولات سبقتها، ولن تكون الأخيرة، فالباب مفتوح على مزيد من الأزمات، التي يدفع الشعب بقوته واستقراره وأمنه ثمنها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى