طارق فهمي يكتب - نتائج الانتخابات الداخلية لـ"حماس" منافسة حقيقية أم مناورة تكتيكية؟ - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

طارق فهمي يكتب – نتائج الانتخابات الداخلية لـ”حماس” منافسة حقيقية أم مناورة تكتيكية؟

0 85

طارق فهمي *- 13/3/2021

تتمثل سياسة الحركة بعد الانتخابات في استمرار سياسات التهدئة وتثبيت الهدنة والسعي للتمركز حول مكتسباتها السياسية والاستراتيجية .

جرت انتخابات حركة حماس في هدوء، وبعيداً عن الأنظار ليس لاعتبارات أمنية كما يتردد، وإنما لتأكيد مبدأ الشورى داخل الحركة، على الرغم من استمرار يحيى السنوار على رأس الحركة في قطاع غزة وإعادة انتخابه، كما أن الحركة تواجه أوقاتاً حرجة وعصيبة في ظل صراع ما بين قيادات الداخل والخارج والتباين حول الأولويات المطروحة، وهو ما يعني أن الجزم بأن التغييرات الأخيرة بمؤسسات الحركة في القطاع والضفة والأقاليم، ومكاتب الحركة في بعض الدول المساندة قد يؤدي إلى الاستقرار لن يكون صحيحاً، خصوصاً مع توقع ردود فعل حقيقية في الحركة إثر إعلان المشاركة في العملية الانتخابية بالكامل، أو الاكتفاء بالمشاركة في أول استحقاق.

ملاحظات مهمة

جاءت إعادة انتخاب يحيى السنوار رئيساً للحركة في الداخل كحل وسط لتقريب وجهات النظر بين قيادات كتائب عز الدين القسام والمستوى السياسي للحركة في الداخل، بخاصة أن اسم نزار عوض منافسه كان مطروحاً للحظات الأخيرة وجرى التصويت للمرة الرابعة في دائرة غير معلنة وتمت في الخفاء مع التمويه بفوزه أولاً، وكان هناك من يدفع إلى التغيير بقوة في ظل التراضي بين كتلة إسماعيل هنية، ورموز كتائب عز الدين القسام، كما لم يمانع بعض قيادات المكتب السياسي في الخارج من استمراره، خصوصاً أن المعركة الأخرى في المكتب السياسي للحركة كانت قد بدأت، وتحتاج إلى ضوابط ومعايير حقيقية في التعامل، وليس التوافق على اسم محدد.

كما حرصت حركة “حماس” على نقل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي تحديداً بأن الحركة ماضية في مسارها التهادني، وعدم الخروج عن المشهد الفلسطيني الإسرائيلي عبر الالتزام بخط التهدئة الفعلية وتثبيت الهدنة، وعدم العودة لسياسة إطلاق الصواريخ على منطقة غلاف غزة، بخاصة أن إجراء الانتخابات، واستمرار يحيى السنوار في موقعه يعكسان هذا التوجه الراهن للحركة، ولن يخرجاه عن مساره الحالي.

تعكس إعادة الانتخاب أيضاً اتجاه الحركة إلى التهدئة والاستقرار في المواقف الراهنة، فالسنوار ليس وجهاً صدامياً في المشهد الفلسطيني العام، وحركة “حماس” على وجه الخصوص، فهو المقرب من مسؤول الجناح العسكري محمد ضيف، وهو من دفع به إلى المشهد على الرغم من الاتهامات الأخيرة له بأنه أضر بوضع الحركة وأدخلها في دائرة من الأزمات بما في ذلك المالية منها، ومن ثم فإن اختيار منافسه نزار عوض الذي فشل في التولي كان محسوماً ومهماً وفي توقيت له دلالاته، لا سيما أن مواقفه تجاه السلطة الفلسطينية وإجراء الانتخابات والاستمرار فيها، والقبول بنتائجها والتعامل مع إسرائيل سيكون على رأس أولويات السنوار مع تأكيد تماسك الحركة ومسارها الثابت، ولكن الواضح أن نجاحه في مواجهة محمود الزهار وزياد الظاظا وفتحي حماد يشير إلى ما يلي:

التركيز على الشخصيات التوافقية الأكثر ميلاً للجناح العسكري، التي يمثلها السنوار بخلفيته السياسية والشخصية، فهو من قاد في أوقات معينة الجناح العسكري للحركة، ويعتبر رئيس أركانها العسكري في مراحل معينة، وبالتالي فإن اختياره يعكس رسالة محددة للجانب الإسرائيلي.

إن نزار عوض تولى من قبل مواقع قيادية داخل الحركة بما في ذلك أعلى مواقع صنع القرار، وإن كانت التوجيهات العليا لمجلس الشوري في القطاع من فرضت على عوض عدم الظهور في المشهد الإعلامي والسياسي لاعتبارات سياسية وليست أمنية بالمعنى المعروف.

إن محمود الزهار الأقرب إلي إيران فشل في اجتياز الانتخابات لاعتبارات متعلقة بدوره غير الرسمي وظهوره علانية في موقع جديد وعلى رأس الحركة سيضع الحركة في مأزق، وهو ما ينطبق على الظاظا وفتحي حماد وكلها شخصيات قيادية، لكنها لا تصلح في الوقت الراهن، لا سيما أن الحركة أمامها استحقاقات مصيرية، بل إن مستقبلها في قطاع غزة على المحك.

سيظل اسم الرئيس الجديد لمجلس الشورى في القطاع مجهولاً لبعض الوقت – ونتحفظ على اسمه لاعتبارات أخلاقية وترتبط بالجانب الآخر – وإن كان هذا الاسم وأسماء أخرى موضوعة على قوائم الاغتيالات باعتباره إجراء معلوماً داخل المؤسسة العسكرية، ويتم تبديل وتحريك الأسماء كإجراء مهني ليس أكثر، ولكن من المؤكد أن هذا الموضوع غير قابل للنقاش، فإسرائيل لن تقترب من هذه الأسماء، وبالمناسبة استبعدت عدداً من قيادات “حماس” خلال الأشهر الأخيرة من قائمة التصفيات وأدخلت قيادات ميدانية جيدة من منطقة الوسط.

ارتبط التغيير في قمة مؤسسات حركة “حماس” باختيار مكتب سياسي جديد ضمن المرحلة الأولى من الانتخابات قبل اختيار رئيس وأعضاء المكتب السياسي، وستكون المنافسة المطلوب حسمها بين إسماعيل هنية وصالح العاروري وخالد مشعل.

وهناك صراع سيتم على الاسم، وستكون هناك ترضيات سياسية للجميع تخوفاً من الانشقاق، وقد سبق وأن حاولت تركيا إعادة طرح اسم خالد مشعل ليكون رئيس المكتب الدولي لجماعة “الإخوان”، وظهرت تحفظات واعتراضات من قبل بعض العناصر المصرية الهاربة في لندن على هذا وتأجل الأمر.

ومن المؤكد أن صالح العاروري مرشح المستوى العسكري في الداخل باعتباره قيادة ميدانية سبق وعاش في تركيا وعمل مسؤولاً عن بعض شبكات “حماس” في الخارج، وطلبت إسرائيل رسمياً من أنقره إبعاده عن الأراضي التركية، وهو ملاحق أمنياً، وقرار تصفيته مؤجل.

ستعلن حركة “حماس” أسماء المكتب السياسي الجديد في قطاع غزة، لكن ستتحفظ على الأخرى بناء على توصيات المجموعة الحديدية في الحركة في الداخل، خصوصاً أن الحركة تعمل على اتباع قاعدة التدرج في اختيار ممثلي المناطق الذين يتوجب عليهم انتخاب ثلاثة مجالس شورى فرعية في قطاع غزة والضفة، والخارج ينتخب أعضاؤها بدورهم ثلاثة مكاتب سياسية فرعية، ثم ينتخب رئيس وأعضاء المكتب السياسي، وبالتالي فإن إعادة انتخاب يحيى السنوار يعني أن مهامَّ جديدة ستكون مطروحة للمكتب، وتكليفات أخرى أكثر وضوحاً وطلباً ستكون قائمة.

مشكلات مستجدة

تحفظ بعض القيادات داخل الحركة في قطاع غزة على استمرارية يحيى السنوار، وعلى آليات الاختيار والانتخاب الشكلي، وبعضها سجل اعتراضاته في بعض مواقع التواصل، وهو أمر غير مسبوق. إضافة إلى الانتظار لتشكيل قوة سياسية داخل المكتب بالقطاع، وهو أمر لن يكون سهلاً ولن يحسم بمجرد انتخاب أعضاء المكتب الجديد والإعلان عن أسمائه.

كما أن استمرار تدخل بعض الدول الإقليمية في قرار حركة حماس، يعني أن تركيا وإيران ستباشران وسائل الضغط بصورة كبيرة في الفترة المقبلة مع المضي قدماً في مسار عملية الانتخابات، مما قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في بعض مؤسسات الحركة وقرارها النهائي، إضافة إلى مراقبة إسرائيل للمشهد الراهن، فما يهم تل أبيب الحفاظ على تثبيت الهدنة وعدم إطلاق الصواريخ على منطقة غلاف غزة.

وستظل تراقب توجهات السنوار والمكتب السياسي، وفي تقديرها عدم تغيير سياستها تجاه الحركة، لا سيما أن بعض وزراء حكومة الائتلاف الراهن يطالبون باستمرار آليات التعامل، والبقاء على السياسة نفسها مع “حماس” لحين اتضاح مسار الانتخابات المقبلة.

في السياق ذاته، ترغب حركة “حماس” في التحول للاعب مقبول في الإقليم، وبصرف النظر عن نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة، فإن مرحلة مقبلة جديدة ستقدم عليها الحركة، وبالتالي، فإن أهم تحدٍ مطروح هو إعادة ترتيب الأولويات والسياسات داخلياً، وهو جوهر ما تتحرك فيه الحركة في منظومته الداخلية بصرف النظر عن أي تغيير جارٍ، ولعل هذا ما أكده يحيى موسى، أحد قياداتها، الذي دعا رسمياً إلى دمقرطة كاملة للحركة وإطلاق الحق في الترشيح والدعاية وتقديم الانتخابات، لأن ما جرى في الانتخابات الحالية دار وراء الكواليس، وفي الخفاء وبعيداً عن الأعين، وهو ما يؤكد أن الحركة لا تريد أن تتعامل بصورة علانية، وأنها لا تزال غير قادرة على الخروج من حالة المقاومة إلى حالة الحزب؛ مثلما فعل “حزب الله” على سبيل المثال .

الخلاصات الأخيرة

ستدخل حركة “حماس” في مرحلة مستجدة مع قياداتها الصاعدة، وإن كان التيار العسكري سيكون له الغلبة عكس ما يتردد إعلامياً، كما سيظل قرارها ليس نابعاً من الداخل وستتدخل الأطراف الإقليمية لمحاولة التأثير في قرار الحركة داخلياً وإقليمياً، ولكن المشكلة الحقيقية في إعادة ترتيب الحسابات والأولويات والسياسات المقبلة للحركة؛ حيث إن المشاركة في حدث الانتخابات البرلمانية ضرورة لإعادة اكتساب الشرعية المنقوصة داخلياً وخارجياً، وبالتالي فهي مجبرة على إجراء التغييرات الراهنة والتعامل معها بواقعية مع محاولة تأجيل الصراعات الداخلية باعتبارها ملفات مسكوت عنها، ومن ثم فإن الحركة ستمضي في أحد مسارين؛ الأول، محاولة التأقلم مع الواقع السياسي الراهن والتفاعل معه بقوة، مع تأجيل الحسم في بعض الملفات الشائكة، وهو أمر طبيعي بما في ذلك الخلافات بين المستويين السياسي والعسكري مع التأكيد أن الأخير سيكون له الحسم ودوره سيكون كبيراً ومتنامياً في الفترة المقبلة، على الرغم من إنكار ذلك على مستوى الداخل وقيادات المكتب السياسي.

والأخير ترتيب الأجواء الداخلية انطلاقاً من قرار محدد ومباشر بأن الحركة تواجه استحقاقات مصيرية تتطلب تفاعلاً جاداً ومحكماً وعدم التصعيد أو الكشف عن خلافات حقيقية داخلياً وخارجياً، حيث يبدو المستقبل مجهولاً والسيناريوهات مفتوحة على مصراعيها بما في ذلك عدم الاعتراف بما سيجري والخروج من دائرة المشهد السياسي، وتعقيداته حال عدم قبول الأطراف الخارجية بوجود حركة حماس في المشهد الفلسطيني سواء فازت في الانتخابات التشريعية، أو دخلت في شراكة رسمياً في حكومة وحدة وطنية واتباع سياسة تقاسم السلطة.

*كاتب وأكاديمي – متخصص في الشؤون الفلسطينية ومستشار مشارك في المفاوضات العربية الإسرائيلية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.