طائرات بلا طيار… استراتيجية أوباما لقنص الإرهاب في اليمن - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

طائرات بلا طيار… استراتيجية أوباما لقنص الإرهاب في اليمن

0 172

James Traub – Foreign Policy

الجريدة * قسم الترجمة * 17/5/2012

 ضاعفت إدارة أوباما حجم استعمالها للطائرات بلا طيار لمطاردة الأشرار… لكن إلى متى يجب الانتظار حتى تظهر تداعيات المعلومات الاستخبارية المغلوطة التي نُشرت في الخارج؟

وفق بعض المصادر الإخبارية، وافق الرئيس الأميركي باراك أوباما في الشهر الماضي على توسيع نطاق استعمال الطائرات بلا طيار ضد عناصر “القاعدة” في اليمن. في السابق، كانت الضربات الجوية تستهدف أفراداً معروفين حصراً، لكن من الآن فصاعداً، تحصل وكالة الاستخبارات المركزية وقيادة العمليات الخاصة المشتركة في الجيش الأميركي على الإذن باستهداف الناس الذين يتصرفون بطريقة مشبوهة تجعلهم أهدافاً عالية القيمة. يظن بعض الخبراء في مكافحة الإرهاب وفي شؤون اليمن أن البيت الأبيض يفتح بذلك أبواب الجحيم عليه. قد يكونون على حق، لكن حبذا لو كانت الخيارات البديلة التي يقترحونها أكثر إقناعاً.

لا شك أن قرار البيت الأبيض يحمل أهمية خاصة، ولكنه يشير إلى أن أوباما يتمنى فعلاً خوض الحرب على الإرهاب. لقد ورث الرئيس الراهن حربَي العراق وأفغانستان، ومهما فعل هناك فستكون النتائج تفاعلية. لكن لم يعد الأميركيون يقاتلون في العراق الآن وقد بدأوا ينسحبون من أفغانستان. كذلك، انتقل معقل الإرهاب إلى اليمن والصومال ومنطقة المغرب العربي. إنها المواقع التي يمكن أن يختار فيها أوباما تنفيذ استراتيجياته بكل حرية ووضع بصمته الخاصة. لكن يبدو أن استراتيجيته معقدة: في أماكن مثل اليمن ونيجيريا، تحاول إدارة أوباما تحسين قدرة الحكومات المحاصرة على تقديم الخدمات، وهي تدرب الجيوش على مواجهة الإرهابيين. لكن أصبحت الحرب بالطائرات بلا طيار محور استراتيجية البيت الأبيض. كما يتذكر الناس جورج بوش الابن على أنه الرئيس الذي حاول مكافحة الإرهاب من خلال شن الحرب وإسقاط الطغاة، قد يتذكر الناس أوباما على أنه الرئيس الذي سعى إلى هزم الإرهابيين من خلال عمليات قتل مستهدَفة من الجو.

لم يكتفِ أوباما بمنح الإذن بتطبيق سياسة جديدة بل قام بإعداد بنية تحتية عالمية جديدة في مجال الحرب بالطائرات بلا طيار أيضاً. في السنة الماضية، كتبت صحيفة “واشنطن بوست” أن الولايات المتحدة “تحشد مجموعة من القواعد السرية للطائرات بلا طيار” في إثيوبيا وجزر السيشل وجيبوتي وشبه الجزيرة العربية. بعد سنوات على رفض الاعتراف بتلك الجهود السرية، قرر البيت الأبيض التناقش بموضوع الطائرات بلا طيار علناً. في 30 أبريل، ألقى مستشار مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض، جون برينان، خطاباً اعتبر فيه أن المواقع التي تستهدفها الطائرات عن بُعد تتوافق مع معايير الحرب وتُعتبر خياراً “حكيماً” لأنها تسمح بشن رد فوري، وتجنب سقوط الضحايا الأميركيين، وتقليص حجم الأضرار التي تطال المدنيين (تختفي تلك الأضرار بشكل كامل وفق قول برينان، لكن البعض يشكك في صحة ذلك). قدم برينان تفاصيل غير معهودة حين شرح المعايير الدقيقة لتطبيق كل قرار بالاستهداف.

إذا كانت الطائرات بلا طيار ستصبح محور عمليات مكافحة الإرهاب مستقبلاً، فسيكون اليمن بمنزلة مختبر التجارب. يبدو هذا البلد موقعاً مناسباً لهذا النوع من الجهود أكثر من باكستان حيث صعّد أوباما وتيرة الاعتداءات أيضاً. تعامل المؤسسة الأمنية الباكستانية حركة “طالبان” كمورد استراتيجي، وكأنها لا تطرح أي تهديد، بينما تعتبر الحكومة اليمنية الراهنة (رغم ضعفها) أن “القاعدة” تطرح تهديداً على سيادتها. خلال السنة الماضية، بعد أن تفكك نظام الرئيس علي عبدالله صالح في وجه التظاهرات الشعبية الحاشدة، احتلت “القاعدة في شبه الجزيرة العربية” مساحة من الأراضي في جنوب اليمن. رحبت الحكومة الموقتة الجديدة برئاسة عبدربه منصور هادي بالجهود الأميركية واستعملت قواتها الجوية الخاصة لدعم الطائرات الأميركية. بعد أن كانت قوات “القاعدة” و”طالبان” تختلط مع السكان المحليين في باكستان، يبدو أن “القاعدة في شبه الجزيرة العربية” كشفت عن موقعها أمام الاعتداءات الجوية بسبب انعزالها في موقع خاص بها. في الأسابيع الأخيرة، أدت عمليات الطائرات بلا طيار إلى مقتل محمد سعيد العمدة، رابع رجل مطلوب في اليمن، وفهد محمد أحمد القصع، مدير العمليات الخارجية في “القاعدة في شبه الجزيرة العربية”.

مقارنةً بالحلول العسكرية المطروحة، يصعب هزم الطائرات بلا طيار. في هذا الصدد، أوضح برينان: “في العادة، لا تحبذ البلدان دخول جنود أجانب إلى مدنها وبلداتها. كذلك، تضمن تلك الطائرات دقة عالية عند استهداف المواقع”. بالتالي، يُعتبر استعمال الطائرات بلا طيار درساً مستخلصاً من الجيل الأول من الحرب على الإرهاب، بأن دقة الاستهداف تساهم في الحد من التداعيات الشعبية. لكن هل هذا الأمر صحيح فعلاً؟ على جميع المستويات، أصبحت ضربات الطائرات بلا طيار في باكستان أكثر دقة، ولكنها لا تزال مصدر استياء بالنسبة إلى الرأي العام الباكستاني تماماً، كما استاء من توغل قوات الولايات المتحدة وحلف الأطلسي موقتاً. في شهر مارس، صوّت البرلمان الباكستاني على قرار منع هذه العمليات كلها. لكن موجة الغضب هذه منعت الولايات المتحدة من تحقيق أهدافها على المدى البعيد، أي مساعدة باكستان على التحول إلى دولة مستقرة تخضع لحكم مدني. أدى النجاح على المدى القصير إلى تهديد الأهداف الطويلة المدى (لكن ربما لا تزال المحاولة تستحق العناء).

لم يحصل الأمر نفسه بعد في اليمن وقد لا يحصل مطلقاً مادامت الطائرات بلا طيار تستهدف الإرهابيين التابعين لتنظيم “القاعدة” بدل استهداف المتمردين المحليين أو المدنيين. لكن الوضع يبقى شائكاً هناك رغم كل شيء. قالت السفيرة السابقة إلى اليمن باربرا بودين: “في الوقت الراهن، لا نواجه ردة فعل مماثلة لتلك التي شهدناها في باكستان. لكن في البداية، لم نواجه ردة فعل عنيفة في باكستان أيضاً. إنها مشاعر متراكمة. كما أن الناس في اليمن يدركون ما يحدث في باكستان. سيؤثر ذلك على الخطاب العام الذي نستعمله لتبرير استعمال الطائرات بلا طيار في باكستان وأفغانستان”. كما يمكن استخلاص درس آخر من التجربة في أفغانستان مفاده أن الجهود الرامية إلى مكافحة التمرد وحماية المدنيين وتشكيل حكومة صالحة تؤدي بدورها إلى نشوء مقاومة وطنية. يعتبر الناس ميدانياً أن أي تدخل هو هجوم عليهم وليس وسيلة لمساعدتهم (ما يفسر سبب إصرار الرئيس صالح على أن القوات الجوية اليمنية هي التي أطلقت العمليات الجوية وفق وثائق “ويكيليكس”). يبدو أن سياسة مكافحة التمرد التي بدت واعدة جداً منذ سنتين أو ثلاث سنوات أصبحت اليوم مجرد سراب أو حل غير فاعل في الحرب على الإرهاب. كم سيمضي من الوقت قبل أن نقول الأمر نفسه عن الطائرات بلا طيار؟

في الحالتين، لا يقضي الحل بالتخلي عن هذه المقاربة بل بالاعتراف بتكاليفها الحتمية. ما من حلول عسكرية غير مكلفة. كانت العمليات الجوية التي استخدمت طائرات بلا طيار لقتل أنور العولقي وسمير خان (قائدان في “القاعدة في شبه الجزيرة العربية”) تستحق العناء، ويمكن قول الأمر نفسه عن الاعتداءات الأخيرة. لكن متى تتجاوز هذه الكلفة أهمية العملية؟ قالت بودين إنها حضرت حديثاً مؤتمراً في “موقع سري” حيث أثار هذا السؤال جدلاً محتدماً بين المسؤولين الأمنيين. رفض البيت الأبيض طلب وكالة الاستخبارات المركزية بتحديد قواعد الاستهداف نفسها في اليمن كتلك التي تُعتمَد الآن في باكستان حيث يُسمَح باستهداف المقاتلين الذين يطرحون تهديداً على القوات الأميركية حتى لو لم يكونوا أهدافاً عالية القيمة. تسود شكوك على أعلى المستويات الآن، في وكالة الاستخبارات المركزية أو في أوساط قوات العمليات الخاصة على الأرجح. ربما لا تزال القواعد “النمطية” الجديدة مبهمة أكثر من اللزوم.

من المعروف أن وتيرة الضربات الجوية هي أعلى مما يظن الجميع. ذكر تقرير صدر عن مكتب الصحافة الاستقصائية في بريطانيا حدوث 21 ضربة مؤكدة أو محتملة بالطائرات بلا طيار في اليمن خلال الشهرين الأخيرين. قال مسؤول في الحكومة اليمنية إن الولايات المتحدة كانت تطلق ما معدّله عمليتان يومياً منذ منتصف شهر أبريل. لذا يبدو أن خطر إنتاج عدد أكبر من المقاتلين المتشددين بما يفوق العدد الذي نقتله في اليمن هو مجرد فرضية.

على نطاق أوسع، يكمن الخطر الفعلي في واقع أن الولايات المتحدة ستعتاد على استعمال الطائرات بلا طيار لدرجة أن الضربات المستهدَفة ستصبح محور الاستراتيجية الأميركية بدل أن تكون جزءاً منها. هذا ما يطرح تساؤلاً عن طبيعة تلك الاستراتيجية الكبرى التي لا تنحصر في اليمن بل تشمل أماكن أخرى حيث تسعى “القاعدة” إلى استغلال الدول الضعيفة لفرض سيطرتها على الأراضي. يعتبر معظم النقاد أن الولايات المتحدة يجب ألا تضحي بالإنجازات الطويلة الأمد من أجل تحقيق الأهداف على المدى القصير. يعتبر غريغوري جونسن، خبير في الشأن اليمني، أن الولايات المتحدة يجب أن تعترف بصعوبة العمل الدبلوماسي وسياسة مكافحة الإرهاب. أما الحل الطويل الأمد، فهو يشمل بناء الإمكانات ونشر الديمقراطية وضمان التنمية الاقتصادية. لتجاوز مشكلة استغلال “القاعدة” لفشل الدول، يقضي الحل الوحيد بمعالجة شوائب الدول الفاشلة على المدى البعيد.

هذا الأمر صحيح طبعاً. لكن هذا النقد قد لا يكون منصفاً بحق إدارة أوباما التي كانت تطبق استراتيجية مماثلة منذ عام 2009 قبل أن تنحرف عن مسارها الأصلي بسبب الاضطرابات السياسية وأعمال العنف في السنة الماضية. في الأشهر الأخيرة فقط، أُعيد تفعيل بعض البرامج العسكرية والمدنية في اليمن. لكن عدا ذلك، ما هو مبرر الوثوق بهذه الاستراتيجية؟ لم تكن التجربة في أفغانستان واعدة بأي شكل (علماً أنها تشبه تجربة اليمن بشدة على بعض المستويات). لقد زادت أهمية عامل الدقة في الضربات الجوية نتيجة فشل الخيارات البديلة الأقل فاعلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.