صقر أبو فخر يكتب- لبنان : انتهاء مفعول التجربة.. ما عاد يمكن إخفاء الطعام تحت السجادة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

صقر أبو فخر يكتب- لبنان : انتهاء مفعول التجربة.. ما عاد يمكن إخفاء الطعام تحت السجادة

0 74

صقر أبو فخر *- 3/10/2020

أكثر الكلمات والعبارات تداولاً اليوم في لبنان هي “اختفاء لبنان” و”اندثار لبنان” و”عودة الحرب الأهلية إلى لبنان”. والكلام الذي بات يتردّد في بعض الصالونات المسيحية، بصوتٍ عالٍ وبلا استحياء، يختلف عن الكلام الذي يرتفع في التظاهرات؛ ففي تلك الصالونات يُقال علنًا: لا نريد العيش مع المسلمين. وإذا كان بعضهم يريد لبنان موحدًا، فلنتفق، إذًا، على الفيدرالية أو على الكونفدرالية. وإذا لم يكن ذلك ممكنًا، فلا مفرّ من التقسيم، وهو أمر شبه محال في الأحوال الموضوعية الجارية. وفي المقابل، ثمّة كلامٍ يُحكى بجدّية في الصالونات السياسية لبعض المسلمين، أن النظام السياسي في لبنان الذي ظهر بعد اتفاق الطائف في سنة 1989 انتهى إلى غير رجعة، وثمّة حاجةٌ عاجلة إلى مؤتمر تأسيسي ثالث، يُعاد فيه الاتفاق على لبنانٍ جديد بغلبة شيعية هذه المرة. أما الحديث السائر في الأفواه، خصوصًا في خطب الجمعة وفي التصريحات الصحافية، أن لبنان المرغوب فيه هو لبنان الواحد الموحّد كيانًا وأرضًا وشعبًا ومؤسسات، فهو من زخارف الكلام، فاللغة السياسية السائدة هي لغة زائفة إلى حد كبير.

“ليس الخوف من المسلمين جديدًا لدى المسيحيين، فقد ظهر منذ سنة 1920، حين قرّر الفرنسيون ضم بيروت وطرابلس وعكار والبقاع وحاصبيا ومرجعيون وصيدا إلى سنجق جبل لبنان”.

ليس الخوف من المسلمين جديدًا لدى المسيحيين، فقد ظهر منذ سنة 1920،حين قرّر الفرنسيون ضم بيروت وطرابلس وعكار والبقاع وحاصبيا ومرجعيون وصيدا إلى سنجق جبل لبنان، الأمر الذي خفّض الوزن النسبي للمسيحيين في الدولة الحديثة. وتكرّر الخوف في حوادث 1958 بعد قيام الوحدة المصرية – السورية، وكذلك في 1969 بعد توقيع اتفاقية القاهرة بين الجيش اللبناني ومنظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات. وكان من عقابيل ذلك أن بادر اليمين المسيحي إلى تفجير الحرب الأهلية اللبنانية في 1975 لوقف الجنوح إلى الغلبة الإسلامية. لكن النتائج التي انتهت إليها الحرب الأهلية جاءت معاكسةً للأهداف الأصلية. واليوم، يبدو الخوف من حزب الله وإيران أكثر إلحاحًا وجدّية، فالحديث عن مؤتمر تأسيسي ثالث للبنان يعني أمرًا واحدًا هو تغيير النظام، أي إعادة توزيع السلطة والثروة على الطوائف اللبنانية، بحيث يقتطع الشيعة حصة إضافية، وهو ما يجعل الطوائف الأخرى تستنفر في الداخل، وتطلب الحماية من الخارج، لأن زيادة حصة الشيعة تعني، بدهيًا، نقصان حصص الطوائف الأخرى.

الخوف من الشيعة

حزب الله أخاف الجميع: السُنّة والمسيحيين والدروز، علمًا أنه لا يستطيع أن يفرض إرادته السياسية على أي طائفة مهما بلغت قوته؛ يمكنه فحسب أن يفرض سطوة، بمقادير معينةٍ، على بعض أجهزة الدولة المخصّصة للشيعة. هذا صحيح، لكن من المحال أن يُرغم الطوائف الأخرى على انتهاج نهجه السياسي، فأي طائفة لا تعدم إيجاد مَن يحميها ويمدّها بلوازم القوة إذا دعت الحاجة إلى مثل ذلك المدد. وفي بلد منقسم مذهبيًا على الطريقة اللبنانية، فإن حزب الله لا يمكنه أن يستولي إلا على حصة الشيعة وحدهم، حتى لو حرّر الجليل الفلسطيني. والواضح أن الأميركيين والسعوديين وأنصارهم في لبنان، وهم كثر، منهمكون في تغذية خوف الطوائف من حزب الله، وهو خوفٌ جدّي، بطرائق غير عقلانية، أي بما يفوق الواقع بكثير، فهؤلاء لا يهمهم مصير لبنان بقدر ما يهمهم أن يحكموا هم لبنان، ويستمرّوا في اقتسام الثروة، حتى لو أدّى ذلك إلى انهيار لبنان. وعلى سبيل المثال انفجار مرفأ بيروت؛ فبعد نحو نصف ساعة عليه، وحتى قبل أن نعرف، نحن الذاهلين، أين وقع الانفجار، بدأت تحليلات السياسيين والمراسلين الصحافيين ومذيعي محطات التلفزة وضيوف برامج الثرثرة التلفزيونية، علاوة على “مناضلي” الكيبورد ووسائل التواصل الاجتماعي، وكانت كلها تلقي المسؤولية على حزب الله، من دون أن تكون المعلومات الأولى قد تجمعت بعدُ، ومن غير أن يكون بين أيدي الناس أي معلوماتٍ صحيحةٍ أو متينةٍ عما حدث. وهكذا طافت وسائل الأخبار بأنباء ذات مضامين سياسية محتقنة، لا تعير الوقائع الحيادية أي مكانة، وكانت كلها تقريبًا تنحو إلى القول إن حزب الله هو مَن استقدم نيترات الأمونيوم إلى العنبر رقم 12، وإن حزب الله يسيطر على المرفأ بكماله، علاوة على المطار والجيش وأجهزة المخابرات الأربعة، وعلى المجلس النيابي ورئاسة الجمهورية، وها هو يخترق المناطق السُنّية بـِ “سرايا المقاومة”، والمناطق الدرزية والمسيحية بأشخاص يسترزقون من الأموال الإيرانية.

“حزب الله أخاف الجميع: السُنّة والمسيحيين والدروز، علمًا أنه لا يستطيع أن يفرض إرادته السياسية على أي طائفة مهما بلغت قوته”.

هذا “الحكي” لغو ونكايات؛ إنه من أشكال الصراع السياسي المحتدم بين حزب الله ومشروعه السياسي، وبين قوى سياسية أخرى نقيضة لحزب الله. وبحسب إحصاءات “فيسبوك”، فإن أكثر الأخبار انتشارًا وتداولًا هي الكاذبة والصور المفبركة. وفي الأيام العشرة التي تلت انفجار 4 أغسطس/ آب 2020، نُثرت آلاف الأخبار الكاذبة. وهيهات أن تصحّحها الأيام، أو أن تزيلها من رؤوس الناس وهواتفهم النقالة، فالسجالات التي اشتعلت بعد الانفجار تعبّر عن الأهواء والميول، ولا تعبر ألبتة عن التفكير في الوقائع الجارية، أو محاولة استجلاء ما يجري حقًا.

خطوتان إلى الوراء

ليس كلامي هذا دفاعًا عن حزب الله على الإطلاق، بل قراءة في أحوال خلق الله. والغاية في هذه المقالة ليست وصف حال لبنان واللبنانيين، فهي معروفة، بل التفكير، ولو بسذاجة، في انتشال لبنان واللبنانيين من مستنقع تلك الحال. وأنا نقيض للأحزاب الطائفية والدينية من أي جهة أتت وإلى أي جهة انتمت. وكان يشفع لحزب الله عندي تاريخه المقاوم في جنوب لبنان، مثلما شفعت مقاومة حركة حماس الإحتلال الإسرائيلي في البدايات. لكن كل شيء تغير وانتهى في ما بعد، فحزب الله صار مليشيا مذهبية، مثلما صارت حركة حماس سلطةً مسلحةً لا شرعية لتسلطها. وتحوّلُ حزب الله مليشيا مذهبية هو انقلابٌ على تاريخه المقاوم، وليس في مصلحته السياسية ألبتة. ومن مضحكات أيامنا في لبنان أنه حين تكرّ التظاهرات في وسط بيروت، وهي تهتف “شيعة شيعة” فإن حركة أمل، ومعها حزب الله، يتنصّلان منها فورًا. وهذا التنصل يثير السخرية والهزء، فهو برهانٌ مؤكد على أن جمهور حزب الله وحركة أمل، أي الجمهور الشيعي الواسع، هو الذي يكرّ بالأوامر ويفرّ بالأوامر نفسها. وحزب الله صار شريكًا في الفساد المستشري بعهرٍ لم يعهده لبنان منذ عهد الرئيس بشارة الخوري، لا لأن أعضاء الحزب فاسدون على غرار الفاسدين إياهم، بل لأنه بتحالفه مع حركة أمل التي تمتلك أكبر عدد من فرسان الدرّاجات النارية، وسكوته على الفساد تحت ذرائع مهينة، كوحدة الطائفة الشيعية، وكذلك ترويجه ذريعة حماية “اتفاق مار مخايل” مع العماد ميشال عون وحزبه، صار ساكتًا على الفساد، أي شريكًا فيه. وعلى حزب الله اليوم أن يتراجع خطوتين إلى الوراء، كي يتمكّن من التقدّم خطوة إلى الأمام في ما بعد، هذا إذا رغب في أن يُجنّب لبنان الانزلاق نحو التصادم الأهلي والانهيار.

“صعود ديناميات التفكّك على أسس مذهبية في لبنان يجعل البحث عن الحقيقة مسألة عويصة تمامًا “.

صعود ديناميات التفكّك على أسس مذهبية في لبنان يجعل البحث عن الحقيقة مسألة عويصة تمامًا، فيما البحث عن دعامات للهويات المذهبية هو الذي يتقدّم دائمًا. واليوم بات الكلام على كونفدرالية على أساس الطائفية، لا على أساس الإقليم الجغرافي، عاليًا بعدما كان خافتًا، منذ طالب الأباتي شربل قسيس بها في عام 1976، ثم لحقه الأباتي بولس نعمان السوري الأصل بعد خلوة سيدة البير في 1977. وتُستعاد عبارة إدوار حنين في هذه الأيام كحكمة تاريخية، أن “لبنان في كل مرة يستقل يهتز، وفي كل مرة كانت تحميه حماية خارجية يعتز”. وهذه الاستعادات تثير حماسة عشرات الألوف.

أمراء الفشل

لبنان، في لحظاته العصيبة اليوم، هو نقطة صراع محتدمة بين المملكة السعودية (وحلفائها) وإيران (وحلفائها). والطرفان، أي السعودية وإيران، مسؤولان عن الأوضاع التي آل إليها لبنان، علاوة على مسؤولية الطوائف اللبنانية وزعمائها. أما التركيز على حزب الله وحده، أو على إيران وحدها، فهذا ليس رأيًا متينًا. ومع ذلك، يتبارى طرفا الصراع في الكيد المتبادل وتحقير الخصم؛ فالضارب بالطبل يعيب على النافخ بالمزمار. والحقيقة أن أزمة لبنان الحالية تعود إلى ما بعد حرب تموز 2006 بقليل، حين قرّرت السعودية وبعض دول الخليج العربي عدم السماح لمواطنيها بالمجيء إلى لبنان، فبدأت علائم التدهور الأولى. ولبنان الحديث يحتاج لبقائه إلى مَن يأتي إلى ربوعه الجبلية ليصطاف صيفًا ويتزلّج شتاء، وإلى مَن يرغب في الحصول على فوائد عالية، لقاء إيداع بعض أمواله في المصارف اللبنانية، وإلى مَن يهبط إليه، ثم يطير منه سريعًا، بعد أن يعقد اتفاقات مربحة للاستيراد أو تبييض الأموال، وإلى مَن يتلذّذ بالطريقة اللبنانية في اللهو .. إلخ، وهذا كله انتهى بقرار سعودي، فالسياحة متوقفة تمامًا، وأموال السعوديين وشركاتهم، والخليجيين معهم، امتنعت عن طرق أبواب المصارف اللبنانية والمكاتب التجارية في بيروت، فيما النهب المنظم لواردات الدولة ازداد تغوّلًا، ووصل التربّح غير القانوني إلى مداه الأقصى، وطمّت النفايات شوارع المدن وسواحلها البحرية، ولم يبقَ من مصادر الدخل غير المخدّرات وتبييض الأموال والدعارة المخملية، في الوقت الذي ما فتئت آلاف الجمعيات الوهمية التابعة للطوائف تتقاضى مخصصاتها المالية من ميزانية الدولة المهترئة، علاوة على صراعات الطوائف وعدم استقرار النظام السياسي، وهي كلها أمور لصيقة بالحياة السياسية اللبنانية منذ “الاستقلال” في 1943، ولا علاقة لأحد بها تاريخيًا، لا السوريين ولا الإيرانيين. والإيرانيون لاعبون ماهرون في أي حال، وهم يجيدون ألعاب التقية والإخفاء في حالة الفوضى، كما في العراق ولبنان وسورية، لكنهم لاعبون غير حاذقين في الأحوال العادية. ومع ذلك، تبدو السعودية في لحظة انهيار لبنان كأنها أدارت ظهرها لهذا البلد، بذريعة أن حزب الله يسيطر عليه. ومن هذه الثغرة تتقدم تركيا لتعرض نفسها حامية للسُنّة.

“لبنان، في حد ذاته، مشكلة منذ تأسيسه؛ بلد يهاجر سكانه منه دائمًا “.

أكثر ما يخيف إيران، من بين دول الجوار، أن يعود العراق موحدًا وقويًا، فيستعيد القدرة على المطالبة بنصيبه المهدور من شط العرب والأحواز. وأكثر ما يخيف تركيا أن تعود سورية موحدة وقوية، فيمكنها، في تلك الحال، إيقاظ فكرة استعادة الإسكندرون حتى مرسين وأضنة. والوضع الاستراتيجي الأمثل للسعودية منع أي تحالفٍ أو تنسيقٍ بين العراق وسورية؛ فوجود تكتل يجمع سورية والعراق، أو سورية ومصر، يعتبر طامّة كبرى على الحكم في المملكة. ومن هذا المنظور الجيوستراتيجي، تعمل إيران على تدمير عناصر القوة في العراق، من خلال دعم مليشيات مذهبية ذئبية لا تتقن السياسة، ولا تعير أي اهتمام للمصالح العليا والتاريخية للعراق، بل الولاء ولا شيء غير الولاء والبراء. وتعمل إيران أيضًا على أن يكون لها في سورية نفوذ كبير تطل منه على لبنان الذي هو في نهاية المطاف تجويف جغرافي في بلاد الشام، وتحوّله إلى ورقةٍ من أوراق الصراع مع إسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة، ويمكنها بيع تلك الورقة حين يحين موعد الاستحقاق. أما السعودية فهي قليلة الحيل والحيلة عمومًا، وتكاد تعتمد في سياستها في المشرق العربي على أموالها ومناصريها والولايات المتحدة لحماية أمنها وتحقيق مصالحها الأمنية والسياسية المتنافرة مع مصالح إيران وتركيا. وفي لجّة هذا الهول، وبالتحديد بعد سقوط بغداد في 9 إبريل/ نيسان 2003، وبعدما تحوّلت الاحتجاجات السورية إلى حرب أهلية طاحنة ببركات دول الجوار، صار المشرق العربي جحيمًا خالصًا، والخروج منه في الأحوال الحاضرة يعادل المحال.

من المحال العثور في العالم العربي كله، وربما في العالم الثالث عشر الذي ينتمي لبنان إليه، على جماعات سياسية – مذهبية مثل الجماعات اللبنانية التي ما برحت تسير من فشل ذريع إلى فشل مريع. ومع ذلك ما زالت تستلذ بالسلطة، ويقعي زعماؤها على أنقاض البلد بلا خوف من أن يزيحهم أحد. وربما نقع على تفسير أولي لهذه الحال، أن لبنان لم يكن في أي يوم باريس الشرق أو سويسرا الشرق أو هونغ كونغ المتوسط، بحسب الخرافات البلدية السارية. أما بيروت الحداثة كالجامعات والصحافة ودور النشر ومظاهر الحريات الفردية والعامة فكانت مجرد هامش قصير (1948-1975) في متن طويل، بدأ مع لحظة إعلان الجنرال الاستعماري غورو دولة لبنان الكبير في 1/9/1920، وها نحن نشهد خواتيمه المأساوية اليوم. وكان التاجر السمسار، وأقصد السياسي اللبناني، مثل التاجر الصيني يحمل ثلاثة موازين: واحد ثقيل للشراء، وواحد خفيف للبيع، وواحد معتدل للمحنكين الآخرين.

“التفتيش عن مخرج من الأزمة اللبنانية الحالية كالبحث في غرفة مظلمة عن قطة سوداء غير موجودة.

لبنان، في حد ذاته، مشكلة منذ تأسيسه؛ بلد يهاجر سكانه منه دائمًا. وقد كانت هناك فرصة مُنحت للبنانيين منذ مائة سنة ليؤسسوا دولة ففشلوا، وراحوا يُلقون فشلهم على الآخرين: مرّة على العروبة الناصرية، ومرّة على العروبة البعثية، ومرّات على الفلسطينيين. ولبنان نفسه تسوية تاريخية، قوامها لبننة المسلمين وتعريب الموارنة، مع العلم أن 60% من مسلمي لبنان غير عرب (أكراد وشركس وأرناؤوط وتركمان وعجم .. إلخ)، وأن 95% من موارنة لبنان عرب خُلّص. وكان خصوم المارونية السياسية ثلاثة: اليسار والعرب والإسلام السياسي، فيما أعداء لبنان، بحسب ريمون إدة (الحوراني الأصل) ثلاثة: الصهيونية والشيوعية والشهابية (أي تيار الرئيس فؤاد شهاب). وكان الملك سعود بن عبد العزيز يردّد على منواله أن أعداء الأمة ثلاثة: الشيوعية والصهيونية والجامعة الأميركية في بيروت. ولكن المارونية السياسية الراحلة التي كانت مؤلفةً من جميع الطوائف اللبنانية، تعوّدت أن تمد أيديها إلى العرب في الخارج، كي تلجم الإسلام السياسي واليسار في الداخل. أي أنها كانت، خصوصًا في عهد فؤاد شهاب، مع سياسة جمال عبد الناصر في خارج لبنان، وضدها في الداخل. ومع ذلك، بقيت “أيديولوجية الجرد” المارونية التقليدية تروّج أن الخطر يأتي من العرب، والضمانة تأتي من فرنسا. بيد أن إعلان دولة لبنان الكبير غيّر تلك الأيديولوجية إلى “أيديولوجية المدينة التجارية”، أي بيروت التي ضُمّت إلى لبنان، بعدما كانت مدينة سورية على ساحل البحر المتوسط. وتتضمن “أيديولوجية المدينة” الفكرة القائلة إن على المسيحيين والمسلمين أن يعيشوا معًا في هذه الدولة الجديدة، وأن يعملوا من أجل مصالحهم وحدها. ولكن، لم يطل الأمر كثيرًا حتى اكتشف الموارنة أن الأمور لم تَسِرْ بحسب تقديرهم، ولا بحسب ما وعدتهم به فرنسا، ما دعا البطريرك إلياس الحويك (أصله من بلدة سرغايا السورية) إلى القول: إن فرنسا كالشمس تضيء من بعيد وتحرق من قريب.

يتلاشى من دون رثاء

الانحطاط الذي يلفّ الحياة العامة في لبنان تكاد الركب تغوص فيه، بعدما أحاط الانهيار بكل شيء، وشمل جميع مظاهر السياسة والاجتماع والعيش اليومي. ومن شواهد ذلك أن كثيرين من “المثقفين” في لبنان اليوم صاروا يقفون من القضايا الكبرى، بما في ذلك قضية بلادهم، موقف المتفرّج في قاعة المسرح؛ فيصفقون للمشهد الذي يعجبهم، ويمتنعون عن التصفيق للمشهد الذي لا يعجبهم، ويتأفّفون ممن يصفق لمشهد أعجبه. والأسوأ من هؤلاء هم الذين يصفّقون لكل مشهد، أكان يستحق الاستحسان والإعجاب أم لا يستحق.

التفتيش عن مخرج من الأزمة اللبنانية الحالية كالبحث في غرفة مظلمة عن قطة سوداء غير موجودة، ومعظم الحلول التي يتداولها أصحاب الأفكار تبدو جهدًا بلا غلّة، أو مثل “واقد الشمع في بيتٍ لعميانِ”. والعميان هم جمهور الطوائف والمذاهب والأحزاب الرثة في المدن التي تزداد رثاثة يومًا بعد يوم. وسأختطف من الروائي السوري المرموق خالد خليفة عنوان روايته “لم يصلِّ عليهم أحد” (بيروت: هاشيت – أنطوان نوفل، 2019) لأقول إن لبنان يتناثر ويندثر ولن يصلي عليه أحد، وحاله اليوم لا تقارن ألبتة بحاله في عصر ماريكا. وماريكا سبيريدون (اسمها الأصلي فيكتوريا توتونجيان) كانت “لهلوبة” الحياة الليلية في بيروت، وتُضرب الأمثال في حسنها وجمالها وجاذبيتها وتزاحُم الرجال عليها. وعندما توفيت في عام 1999 صُلي على جثمانها، ولكن بلا رثاء. ولبنان القديم الذي يشبه ماريكا، في بعض وجوهه، كالجمال والمال واللذة والشهرة، بات اليوم مرذولاً، فإذا كانت ماريكا الجميلة قد مثّلتْ، في يوم من الأيام، رحيق لبنان في حقبة ازدهاره القصيرة، فها هم زعماء لبنان يمثلون في غُلمتهم نحو السلطة، وفي نهمهم إلى المال، البشاعة والوضاعة معًا، لا يحضرون إلا وبخر أفواههم يسبقهم. ولبنان الذي دمّره هؤلاء يتلاشى، رويدًا رويدًا، من غير أن يحظى ولو برثاء بسيط من أشقائه، أو من جيرانه، وها هو يتخبّط في لجة فاغرة من دون أن يهرع أحد لنجدته، بما في ذلك طوائفه التي ما برحت تنوس في ولائها، مثل بندول الساعة، بين الشرق والغرب، من دون خجلٍ أو تردّد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.