صقر أبو فخر يكتب- ردا على التلفيق الفلسطيني .. ظاهر العمر متمرّد وليس بطلا - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

صقر أبو فخر يكتب- ردا على التلفيق الفلسطيني .. ظاهر العمر متمرّد وليس بطلا

0 129

بقلم صقر أبو فخر – 27/11/2020

في التمهيد لروايته “قناديل ملك الجليل” (الدار العربية للعلوم – ناشرون، بيروت، 2011) يكتب إبراهيم نصر الله: “في القرن الثامن عشر، وعلى ضفاف بحيرة طبرية، وفي جبال الجليل ومرج بني عامر، بدأ رجلٌ من عامة الناس رحلته نحو أكبر هدفٍ يمكن أن يحلم به رجل في تلك الأيام: تحرير الأرض وانتزاع الاستقلال وإقامة الدولة العربية في فلسطين (…). كان اسمه ظاهر العمر الزيداني”. الآن، نحن في القرن الحادي والعشرين، وقد مرّ على مقتل ظاهر العمر نحو 250 سنة، وبات في إمكان المؤرخين دراسة تجربة ظاهر العمر بصورة أفضل بكثير من المرويات القديمة، والسقيمة أحيانًا، وتقويم ما فعله ذلك الملتزم الطموح والطمّاع استنادًا إلى مئات الوثائق، خصوصًا التركية، التي جعلت من مرويات ميخائيل نقولا الصبّاغ الواردة في كتابه “تاريخ الشيخ ظاهر العمر الزيداني” (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2019)، وحكايات جدّه عبود ابراهيم الصباغ المدوّنة في كتابه “الروض الزاهر في تاريخ ظاهر” (دار الشروق، عمّان، 2017) مجرد قصص متقادمة وبالية.

هل صحيحٌ أنه كان لدى ظاهر العمر الزيداني مشروع سياسي يتضمن تحرير الأرض، وانتزاع الاستقلال، وإقامة الدولة العربية في فلسطين؟ بالطبع لا. وهذا الكلام شططٌ في المرامي وتجاوزٌ للقصد. والمألوف أن الروائي يستطيع أن يغير في الوقائع وفي ترتيبها الزمني، وأن يبني تاريخًا متخيلاً كما يريد؛ المهم هو الرؤية والجمال الفني والمضمون المطابق. لكن مثل ذلك التأريخ يبقى، في نهاية المطاف، تأريخًا روائيًا. والعمل الفني هنا لا يمكنه أن يتجاوز نطاقه، أي أنه “رواية تاريخية” تتضمن قدرًا متفاوتًا من التخيّل والإضافة والتعديل، أكان ذلك في الشخصيات أو في الوقائع أو في السرديات، أي أن ذلك التاريخ ليس تاريخًا صحيحًا كما يفترض علم التاريخ. ومن نافل القول إن في الإمكان الاستمتاع بالرواية التاريخية، لكن من غير الممكن الركون إليها باعتبارها تاريخًا، حتى لو استندت في تفصيلاتها وحوادثها إلى مصادر تاريخية متينة. والمؤكد أن ظاهر العمر وعائلته وأتباعه لم يمتلكوا قط وعيًا وطنيًا يرى في فلسطين كيانًا سياسيًا يتطلع إلى الاستقلال عن الدولة العثمانية. هذا هراء؛ فالولاءات آنذاك كانت معقودةً للحكام وللعشائر والعائلات والطوائف والمناطق، لا للأوطان.

“انتهت حكاية ظاهر العمر مثلما انتهت قصة فخر الدين المعني. فلا وطن ولا وطنية في قصتيهما “.

ظهرت فكرة الوطن، كعقد اجتماعي، في سياقٍ تاريخيٍّ متدرّج لتحلّ في محل نظام القرابة القبلي، وتؤسّس المجتمع على أسسٍ حديثة. ومفهوم الوطن، والمواطن استطرادًا، هو أحد منجزات الحداثة. والمواطنة إنما هي، بالتعريف، العضوية في جماعةٍ لها دولة ودستور وقوانين ومؤسسات دستورية، وكان هذا المفهوم تبلور في السياق السياسي الأوروبي، ثم انتقل إلى العالم كله، وكان من شأنه أن يساهم جوهريًا في عملية تكوين الهوية الوطنية الجامعة، وفي الاندماج الاجتماعي على أساس المساواة. ومفهوم الوطن ومشتقاته، كالمواطنة، لم يصل إلى العالم العربي، وبالتحديد إلى فلسطين، قبل مرحلة متأخرة من القرن التاسع عشر. وفي البدايات ظهرت مفاهيم القومية والأمة والدولة المطابقة للأمة. ولم تكن فلسطين في وعي النخب المتعلمة والمتنورة غير جزء من أمة أوسع هي سورية. ومن الصعب، إن لم يكن من المحال، أن نعثر على نصوصٍ فكريةٍ وسياسيةٍ في القرن الثامن عشر تعتبر المناطق التي صار اسمها فلسطين كيانًا تاريخيًا قائمًا بذاته، وله هوية وطنية مستقلة. وحتى النخب الفلسطينية التي راحت تظهر في أواخر القرن التاسع عشر، وأسست الحركة الوطنية الفلسطينية في طورها الأول، وتصدّت للاستعمار البريطاني وللمشروع الصهيوني، كانت تُجمع على أن فلسطين كما رسمت حدودها بريطانيا هي جزء من سورية (سورية الجنوبية)، وظهر ذلك بوضوح وجلاء في جميع مقرّرات المؤتمرات الوطنية الفلسطينية منذ عام 1919 حين عُقد المؤتمر الأول، حتى 1932 على الأقل. وبهذا المعنى، لا يجوز إدماج الأزمنة ألبتة، ولا يجوز إسقاط زمنٍ على زمن؛ فلا الماضي يفسّر الحاضر تمامًا، ولا يحق للحاضر أن يقرأ الماضي، أو أن يسائله، استنادًا إلى النتائج. وفلسطين لم تكن موجودة كوحدة سياسية وإدارية إلا في أوائل القرن العشرين، مع أن اسم فلسطين قديم جدًا، لكنه كان يشير دومًا إلى جزءٍ من جنوب سورية.

التلفيق التاريخي

لفّق مؤرخون لبنانيون كثيرون تاريخًا زائفًا وخرافيًا للبنان، وابتدعوا حكاياتٍ، وزوّروا وقائع لم تنجدها ألبتة الوثائق الصحيحة. ومن المحال كتابة تاريخ لبلد لم يكن موجودًا إلا في مرحلة متأخرة، وكان ذلك البلد جزءًا من بلاد أوسع نطاقاً. وعلى المنوال نفسه، حاول مؤرّخون قلائل صوغ تاريخٍ خاص للأردن مثلًا، أو لفلسطين، على غرار ما فعله مؤرّخون لبنانيون، أمثال فؤاد أفرام البستاني وجواد بولس وكمال يوسف الحاج. كيف يمكن، في هذه الحال، كتابة تاريخ لكيان لم يكن موجودًا بصورته الحالية قبل زمن ليس بعيدًا.

“لم يظهر أي كيان سياسي فلسطيني قبل زوال الحقبة العثمانية عن ولاية سورية أو بلاد الشام في 1917 “.

لم يكن ثمّة كيان سياسي وإداري اسمه الأردن قبل سنة 1921 حين أُعلنت الإمارة. كان هناك نهر الأردن، والمنطقة الواقعة غربي النهر دُعيت الضفة الغربية لنهر الأردن، والمنطقة الواقعة شرقي النهر دُعيت شرق الأردن أو عبر الأردن Trans Jordan، وكل ما في الأمر أن الأردن اسم لنهر، ولاحقًا لمنطقة جغرافية لا لكيان سياسي. وتلك المنطقة صارت إمارة في سنة 1921 ثم مملكة في 1946. وعلى هذا النسق، لم يظهر أي كيان سياسي فلسطيني قبل زوال الحقبة العثمانية عن ولاية سورية أو بلاد الشام في 1917. كان هناك مصطلح فلسطين والأراضي المقدسة كبقعة جغرافية تشمل المنطقة الممتدة من الجليل حتى القدس وبيت لحم، أي النطاق الجغرافي الذي جرت فيه وقائع سيرة المسيح. أما في ما عدا ذلك، فكانت مناطق من مناطق سورية. والأمر نفسه ينطبق على لبنان الذي لم يكن غير جبلٍ من جبال الشام واقعٍ بين طرابلس وحمص بحسب الجغرافيين، مثله مثل جبل حوران أو جبل عامل أو جبل الخليل أو جبل اللكام. وحتى مناطق كسروان والشوف وجزين، وبالطبع طرابلس وبيروت وصيدا، لم تكن داخلة في لبنان إلى أن ظهر سنجق جبل لبنان (من دون بيروت وطرابلس وصيدا وصور وحاصبيا وزحلة وبعلبك) في سنة 1861 كصيغة إدارية لوقف الحرب الدامية والدائمة بين الدروز والموارنة.

إن فبركة تاريخ لفلسطين على منوال التاريخ اللبناني المفبرك، بإضافة صفاتٍ بطوليةٍ وقوميةٍ على تجربة ظاهر العمر الزيداني، من شأنها أن تُفسد التاريخ الحقيقي والصحيح. ومن مخاطرها العلمية والفكرية إسقاط الحاضر على الماضي، واختراع أبطال وهميين. وأولئك الأبطال، من طراز ظاهر العمر وعلي باشا جانبولاد (جنبلاط) وفخر الدين المعني، هم، بمنظار الحقبة التي ظهروا فيها، متمرّدون خانوا دولتهم وتعاونوا مع أعدائها، ونالوا ما يستحقونه من عقاب. وبعض المؤرّخين الذين كتبوا تواريخ لفلسطين أو للبنان أو للأردن على هذا النحو، كانوا كالخياطين الذين دأبوا على خياطة تواريخ المناطق التي تكونت منها الكيانات الجديدة (لبنان وفلسطين والأردن)، وألصقوا بعضها ببعض.. وهات يا تاريخ!

“فبركة تاريخ لفلسطين على منوال التاريخ اللبناني المفبرك، بإضافة صفاتٍ بطوليةٍ وقوميةٍ على تجربة ظاهر العمر، من شأنها أن تُفسد التاريخ الحقيقي والصحيح”.

نعم، ثمّة تواريخ للعشائر والقبائل والعائلات، وتواريخ للمناطق، وتواريخ للمدن، وتراجم للرجال والأعيان، لكن كل منطقة أو مدينة كانت، حتى نهاية الحقبة العثمانية تقريبًا، تنسج علائقها بالمناطق المجاورة، في التجارة والإدارة والصلات البشرية الطبيعية، من دون أي محتوىً سياسي أو فكري على غرار مفهوم الوطن والوطنية الذي ظهر في ما بعد. وعلى سبيل المثال، لم تكن علاقة طرابلس ببيروت تمتاز بأي ميزةٍ عن علاقة طرابلس بحمص. وعلاقة صفد بدمشق، أو علاقة نابلس بدمشق، كانت أوثق وأكثر تفاعلًا من علاقة صفد بغزة، أو نابلس ببير السبع. والأمر نفسه ينطبق على طبرية التي كانت تابعة دومًا لجند الأردن، والتي ظلت صلتها بدمشق أقوى بكثير من صلتها بيافا. وهذا أمرٌ بدهي تقتضيه الجغرافيا وخطوط المواصلات وانتشار العشائر وقوافل التجارة. ومن غير الممكن كتابة تاريخ شامل لفلسطين من دون النظر إلى حدودها الحاضرة، كجزء من سورية. فالألوية التي ضُمّت إلى بعضها في بدايات الاستعمار البريطاني، ونشأت منها خريطة فلسطين الانتدابية كانت تابعةً، في معظمها، لولاية دمشق. وسنجق القدس وألوية نابلس واللجون وغزة كانت تتبع ولاية سورية. وصفد كانت، في إحدى المراحل، جزءًا من ولاية صيدا التي أُسّستْ في سنة 1660 بعد القضاء على فخر الدين المعني لمراقبة تمردات الدروز في الشوف، وكانت قبل ذلك تابعةً لولاية دمشق. والمؤرّخون الفلسطينيون، في معظمهم، يعرفون جيدًا مشكلة كتابة تاريخ حقيقي وشامل لفلسطين، ومن الصعب جدًا كتابة تاريخ من هذا الطراز من دون تاريخ المناطق السورية المحيطة بفلسطين. وللأسف، ثمّة نزوع لدى بعضهم، على غرار بعض المؤرّخين اللبنانيين، لكتابة تاريخ لفلسطين يُستحضر فيه أبطال ملفقون من طراز ظاهر العمر الزيداني، بطريقة تحاكي قصة فخر الدين المعني الذي لم يكن أميرًا على لبنان قط، لأن لبنان لم يكن موجودًا آنذاك، بل كان ملتزمًا جباية الأشواف (أي الشوف) برتبة أميرالاي التي تحوّلت على ألسنة العامة إلى ميرالاي ثم مير ثم صارت تُلفظ أمير.

بطل أم متمرّد؟

ظاهر العمر، في الأصل، مجرد ملتزم جباية الضرائب في إحدى نواحي الجليل. وكان طموحًا بلا شك، وديدنه، مثل غيره من الملتزمين، أن يوسّع نطاق التزامه كي تزيد ثروته ويزداد نفوذه، أو تعيين أحد أولاده ملتزمًا هذه المنطقة أو تلك. وكان يتوسّل ذلك بالهدايا والرشاوى لرجال الدولة في اسطمبول على عادة ذلك الزمان.

“ظاهر العمر  مجرد ملتزم جباية الضرائب في إحدى نواحي الجليل. وكان طموحًا مثل غيره من الملتزمين أن يوسّع نطاق التزامه كي تزيد ثروته ويزداد نفوذه “.

والبداية كانت في مرحلة ما بعد قضاء الدولة العثمانية على فخر الدين المعني جرّاء تمرّده على الدولة وتحالفه مع الإيطاليين، وبالتحديد مع إمارة توسكانيا. ومع تسلّم الشهابيين حكم منطقة الشوف وجوارها خلفًا للمعنيين، عيّنَ بشير الشهابي في سنة 1798 ابن أخيه منصور حاكمًا على صفد. ولأن الحاكم الجديد كان سُنيّاً وقيسيًا، اختار القيسي عمر صالح الزيداني (والد ظاهر العمر) ملتزمًا جباية الضرائب في صفد وجوارها. ولمّا توفي عمر الصالح في سنة 1703 خلفه ابنه ظاهر العمر، وهي عملية اعتيادية. وفي سنة 1742 تمكّن الخلف من الحصول على امتياز طبرية التي كانت تتبع الأردن، ثم اتخذ من عكا مقرًا له. وتطلع ظاهر العمر إلى الترقّي من ملتزم جباية الضرائب، وهو المنصب الذي ورثه من والده، إلى حاكم محلي لإحدى نواحي الجليل. ولمّا أراد توسيع نطاق حكمه، اصطدم بمشايخ النواحي، ثم بالدولة العثمانية التي قضت عليه في نهاية الأمر. وكانت سلطة مشايخ النواحي قد ظهرت جرّاء ضعف الدولة العثمانية واضطرارها إلى التعاون مع الأُسر المحلية لتأمين الحكم والأمن والإدارة. وما دام هؤلاء كانوا يخدمون الدولة، لم تجد الدولة سببًا للصدام معهم (راجع: عادل مناع، تاريخ فلسطين في أواخر الدولة العثمانية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 1999).

“نسج العمر علاقات وثقى بفرنسا التي كانت تستورد القطن من شمال فلسطين. وراح يشجّع الهجرة إلى عكا، وسهل انتقال بعض القبارصة الأرثوذكس إليها “.

عندما نجح ظاهر العمر في مد التزامه ليشمل الجليل كله، رغب، فوق ذلك، في أن يتوسّع نحو نابلس وجنين وغزة، فاصطدم بالعائلات المتنفذة، أمثال آل جرار وطوقان والنمر ومكي والحسيني. وكان مقرّه، في البدايات، في طبرية، لكنه، بسبب خوفه من والي الشام، نقل مقرّه إلى عكا في سنة 1746 بعد حصوله على امتياز عكا. وفي عكا، نسج علاقات وثقى بفرنسا التي كانت تستورد القطن من شمال فلسطين. وفي تلك الفترة، راح يشجّع الهجرة إلى عكا، وقام بتسهيل انتقال بعض القبارصة الأرثوذكس إليها، علاوة على عدد كبير من مسيحيي لبنان، فصار المسيحيون أغلبية سكان عكا آنذاك. ثم أسّس جيشًا صغيرًا من المغاربة المهاجرين إلى فلسطين، وعهد إلى أحمد آغا الدنكزلي بقيادته. ولأن شيوخ النواحي في نابلس وجنين وضعوا حدًا لظاهر العمر، وكذلك عائلات غزة أمثال مكي والحسيني وغيرهما، فقد استغل انشغال الدولة العثمانية بالحرب مع روسيا التي اندلعت في عام 1768، وأقام اتصالاتٍ مع الروس، بمشورة إبراهيم عبود الصبّاغ مستشاره وخازن أمواله. وحين هُزم الأسطول العثماني أمام الأسطول الروسي بالقرب من جزيرة خيوس اليونانية في يوليو/ تموز 1770، بادر ظاهر العمر إلى الاتصال بقائد الأسطول الروسي الكونت أورلوف. وفي 18/6/1772 قصفت السفن الحربية الروسية مدينة بيروت، وأنزلت مشاة البحرية على شواطئها، واحتل الروس المدينة، ودخل رجال ظاهر العمر خلف الروس إلى بيروت، وعاثوا فيها نهبًا وسلبًا. وكان التعاون مع الروس ضد الدولة العثمانية يُعتبر خيانة وغدرًا.

“عندما نجح ظاهر العمر في مد التزامه ليشمل الجليل كله، رغب في أن يتوسّع نحو نابلس وجنين وغزة، فاصطدم بالعائلات المتنفذة “.

حينذاك، قرر والي عكا تأديب ظاهر العمر لخيانته، فاستنجد الأخير بوالي مصر علي بك الكبير الذي كان قد شقّ عصا الطاعة على الدولة العثمانية مستغلًا انشغالها بالحرب مع روسيا، وأراد إعادة حكم المماليك إلى مصر. وفوق ذلك، عرض ظاهر العمر على الإمبراطورة كاترين، إمبراطورة روسيا، من خلال بعض الكهنة، تمليك الروس المدن البحرية على الشاطئ السوري (بيروت وصيدا وعكا ويافا) لقاء مساعدته على الوقوف في وجه والي دمشق العثماني. ومع انتهاء الحرب الروسية – العثمانية، بتوقيع معاهدة كوتشوك كاينرجي في يوليو/ تموز 1774، قررت اسطمبول القضاء على ظاهر العمر جزاءً لخيانته، وأوكلت المهمة إلى محمد بك أبو الذهب الذي كان قضى على علي بك الكبير في مايو/ أيار 1773، وقعد مكانه في مصر، وصار “شيخ البلد”. وفي تلك الأثناء، لم يتحمّل أبناء ظاهر العمر تمردّاته وخيانته وجشعه، فتمرّد عليه ابنه علي، ثم ابنه عثمان الذي أشار على أحمد الدنكزلي بقتله وهو خارج من عكا هاربًا إلى قلعة تبنين.

“عرض ظاهر العمر على إمبراطورة روسيا، كاترين، تمليك الروس المدن البحرية على الشاطئ السوري لقاء مساعدته على الوقوف في وجه والي دمشق العثماني “.

وبالفعل، أطلق الدنكزلي النار على ظاهر العمر وهو يغادر عكا في 16/8/1775، ثم احتز رأسه وسلّمه إلى حسن باشا الجزائرلي قائد الأسطول العثماني الذي حمله بدوره إلى اسطمبول. أما أحمد الدنكزلي فقد صلبه الأمير الجزائرلي على صارية إحدى السفن، ولم يشفع له إطلاقه النار على ظاهر العمر. وكذلك قُتل ابراهيم عبود الصبّاغ، بعدما عُثر في خزائن ظاهر العمر على 82 ألف كيس من النقود، وكان امتنع عن سداد الجباية طوال سبع سنوات، وقيمتها لم تكن تزيد على خمسة آلاف كيس فقط (راجع: عادل مناع، مصدر سابق، ص 47-71). وهكذا انتهت حكاية ظاهر العمر الزيداني مثلما انتهت قصة فخر الدين المعني. فلا وطن ولا وطنية في قصة الاثنين، بل نهايةٌ تشبه نهايات المتمرّدين من هذا الطراز.

* كاتب عربي مقيم في بيروت .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.