Take a fresh look at your lifestyle.

صقر أبو فخر يكتب – تحولات النخبة الفلسطينية .. من الأعيان والأغوات إلى التبعثر وضمور الفاعلية

0 230

صقر أبو فخر *- 25/6/2021

غمرتنا الدولة العثمانية بأفضالها أربعمئة سنة، فلم تتطوّر لدينا، نحن العرب، أي هوية قومية جلية، حتى الطور الأخير من عصر القوميات، وبقينا لابثين عند هوياتنا الوشائجية الموروثة. والفلسطينيون في ظل الدولة العثمانية كانوا، مثل جميع سكان سوريا، يدينون في ولاءاتهم للعشيرة أولًا، ثم للطائفة أو القرية. وفكرة الوطن، أو الولاء للوطن، جديدة تمامًا على الثقافة السياسية، وهي لم تبدأ في الظهور إلا في حقبة الاستعمار البريطاني، أو قبل ذلك بقليل، فعصر القوميات، خارج القارّة الأوروبية، وبالتحديد في البلاد العربية، بدأ يفرض أفكاره بقوة بعد الحرب العالمية الأولى. وفي فلسطين، حاولت النخب المدينية التي درست في اسطمبول (اسطنبول) وبيروت ودمشق، والقليل منها في أوروبا، أن تُطوّر هوية قومية عربية حديثة للفلسطينيين. وهذا ما سعى إليه المفتي الحاج أمين الحسيني مع النخب التي التفّت حوله. غير أن عموم الشعب بقي، على الرغم من المخاطر الداهمة التي جسّدتها الحركة الصهيونية وموجات الهجرة اليهودية، منقسمًا إلى مكوناته الأولى، كالعائلة والعشيرة والمنطقة، مع ميل أو شعور عميق بالانتماء إلى العرب، وإلى سوريا بالتحديد. لكن ذلك الميل كان أقواميًا وليس قوميًا واضحاً. وثمّة فارق حاسم بين ما هو أقوامي وما هو قومي بحسب ياسين الحافظ، فالقومي يظهر في ترابط بنيته وتدامج عناصره التكوينية، ويُنتج وعيًا قوميًا، أما الأقوامي فهو مذرّر ومفتّت ومتجاور وغير متفاعل، ولا يُنتج إلا فكرًا تقليديًا إيمانيًا (ياسين الحافظ، في المسألة القومية الديمقراطية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية – الأعمال الكاملة، 2005، ص 164). وفي هذا الميدان، أسّس الحاج أمين الحسيني في 1934 الحزب العربي الفلسطيني، وأوكل أموره إلى قريبه جمال الحسيني الذي جعله منافسًا، لا خصمًا، لحزب الاستقلال العربي الذي كان ظهر في دمشق في سنة 1919، ثم نهض فرعه الفلسطيني في سنة 1932. واللافت في تجربة حزب الاستقلال في فلسطين أنه ضمّ مالكي الأرض، مثل عوني عبد الهادي ورشيد الحاج إبراهيم وأحمد حلمي عبد الباقي، وجذب إليه، في الوقت نفسه، أبناء الطبقة الوسطى والمسيحيين لأنه تبنى أيديولوجية قومية عربية عَلمانية. لكن هذا الحزب اضمحل في ثورة 1936- 1939، مع أن أعضاءه أدّوا أدوارًا مهمة في الحركة الوطنية الفلسطينية، خصوصًا في اللجان القومية المحلية، ثم في اللجنة العربية العليا (1936).

لم تكن في فلسطين أحزاب جدّية قبل سنة 1934؛ ففي تلك السنة توفي موسى كاظم الحسيني، وانفرطت بعده اللجنة التنفيذية العليا للفلسطينيين التي كان يرئسها. وابتداء من ذلك العام، بدأت الأحزاب السياسية بالتكاثر. أما الحزب الشيوعي الفلسطيني فظهر في سنة 1920 حزبا يهوديا لا كحزب عربي. وقبل تلك الفترة، كانت الطرق الصوفية في منزلة أحزاب العامة التي تمنح مريديها الشعور بالأمان والطمأنينة، فيما مارست الأحلاف العائلية دور الأحزاب السياسية النخبوية. والواضح أن هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى كان لها الشأن العميق في تفسّخ فئة الأعيان والأغوات التي تكوّنت بعد قانون الأراضي العثمانية الذي أُقرّ في عام 1858، وكذلك بقايا الفئات الاجتماعية القديمة التي راحت تتحلّل تدريجًا بعد الحرب الكونية الأولى. وسمح هذا الأمر بصعود نخب جديدة أسّست أحزاباً ذات أيديوليوجيات حديثة، تضمنت أفكار العدالة الاجتماعية والمساواة، وأحيانًا الديمقراطية، علاوة على الوحدة السورية والاستقلال الوطني والتصدّي للانتداب والهجرة اليهودية. والزعامات الحديثة في الدول العربية، أي النخب الجديدة، ظهرت في سياق تأسيس أحزابٍ عَلمانية أو شبه عَلمانية، مثل سعد زغلول وحزب الوفد وثورة 1919 في مصر، وعبد الرحمن الشهبندر وحزب الشعب وثورة 1925 في سورية، وكذلك شكري القوتلي وحزب الكتلة الوطنية والنضال الوطني ضد الاستعمار الفرنسي في سورية منذ عام1927 فصاعدًا (أُسست الكتلة الوطنية كمنظمة سياسية في 4/10/1932). لكن زعامة الحاج أمين الحسيني في فلسطين بُنيت على منظومةٍ من الأتباع التقليديين لآل الحسيني، ومن بعض المنتفعين من شبكة الأوقاف التي كان آل الحسيني يشرفون عليها، ومن بعض الوطنيين الشبان الذين وجدوا في الحاج أمين زعيمًا ممكنًا لحركةٍ وطنيةٍ فلسطينيةٍ جديدة، خصوصًا مع تحوّله إلى عدو لدود للانتداب البريطاني في أثناء ثورة 1936-1939. لكن التشكيلات الزعامية الفلسطينية حافظت على تذرّر المجتمع، ورسّخت فيه الوعي الأقوامي لا الوطني، وظلت الانقسامات العائلية، في المدن وفي الأرياف على السواء، عنصرًا مهيمنًا في السياسات الفلسطينية. لقد كان ارتباط الفلسطيني، بشكل عام، متمحورًا حول العائلة أولاً، ثم حول الرزق ثانيًا. والرزق يأتي إما من ملكية الأرض، أو من الاستنفاع، أي من الوظيفة أو خدمة الأعيان. وكان الانتماء الوطني ضعيفًا على العموم، ولا يظهر إلا في خضم المواجهة مع الصهيونيين أو مع البريطانيين؛ فالانتماء الوطني يصبح قويًا نسبيًا في أثناء النضال ضد الأجنبي والغريب، فيما يخمد في سياق المنازعات الداخلية، لأن المجتمع الفلسطيني، على الرغم من مظاهر الحداثة الوافدة إليه، ظل تقليديًا، ومفاهيم العشيرة والحمولة موجودة فيه بقوة، والعلائق  الوشائجية هي السائدة، بما في ذلك الجمعيات الأهلية الخيرية التي كانت ذات سماتٍ عائلية وعشائرية أكثر من كونها ذات طابع مدني حديث، فهي، بهذا المعنى، جمعياتٌ تراحمية تؤسّسها وتديرها العائلات والعشائر لمصلحة العائلة والعشيرة بالدرجة الأولى، ولمصلحة أحلافها بالدرجة الثانية. وحتى الجمعيات السياسية، لم تشذ عن تلك القاعدة، فالحزب العربي الفلسطيني (جمال الحسيني) وحزب الدفاع الوطني (راغب النشاشيبي) كانا التجسيد الحديث للصراع القديم بين آل الحسيني وآل النشاشيبي. أما المجموعات الجديدة التي نشطت خارج سياق العائلات الوجاهية المتنفذة، فاقتصرت على الحزب الشيوعي الفلسطيني والقسّاميين وحزب الاستقلال العربي والحركة العمالية، وهذه الجماعات والمجموعات كانت ضعيفة الإمكانات والفاعلية.

حاولت النخب المدينية التي درست في اسطمبول وبيروت ودمشق، والقليل منها في أوروبا، أن تُطوّر هوية قومية عربية حديثة للفلسطينيين “.

إذاً، حتى الأحزاب الفلسطينية، وهي مؤسّسات حديثة، كانت، في أحد وجوهها، غلافاً للانقسام العائلي الموروث والمتجدّد. أما الحركة الوطنية الفلسطينية التي بدأت تظهر بالتدريج بعد هبّة البراق في سنة 1929، وأنعشها استشهاد عز الدين القسّام في أحراج يعبد في 1935، ثم اتخذت قوام “اللجنة العربية العليا لفلسطين” في 1936، فلم تتحوّل إلى قوة ثورية، بل بقيت تقليدية، وتخثرت مع تولي الوجهاء المحليين وبعض مشايخ الدين واجهاتها السياسية العلنية.

أعيان ومشايخ وأفندية

أود الإشارة، في البداية، إلى أنني أفضّل استعمال كلمة “النخبة” Eliteللفئات السائدة الحديثة بدلاً من “الصفوة” أو “الطبقات العليا” upper class، لأن لعبارة “الطبقة” مفهومًا مستقرًا ومغايرًا في علم الاجتماع الماركسي. ومصطلح النخبة تعبيرٌ واسعٌ جدًا يشمل النخبة الحاكمة (أهل الحل والعقد)، والنخبة السياسية (الأحزاب ومَن في حكمها)، والنخبة الإبداعية (روائيون، شعراء، كُتّاب، رسامون، موسيقيون، صحافيون .. إلخ)، والنخبة الأكاديمية (باحثون، أساتذة جامعات)، والنخبة المالية (رجال أعمالومستثمرون وأرباب المصارف والتجار .. إلخ). والنخبة، بهذا المعنى، هي مجموعة الأفراد الذين يتولون إدارة مجال معين في المجتمع المدني، وهي التي تهيمن على صناعة القرار وعلى الحقول السياسية والأكاديمية والثقافية وحتى الدينية. والنخبة الفلسطينية، بحسب هذه الدراسة، هي التي قادت المجتمع الفلسطيني في مراحله المتعاقبة، منذ الحقبة العثمانية حتى قيام السلطة الفلسطينية بعد توقيع اتفاق أوسلو في سنة 1993 (راجع: جميل هلال، تكوين النخبة الفلسطينية، رام الله: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية – مواطن، 2002). والنخبة غير الإنتلجنسيا التي هي فئةٌ من المثقفين المستقلين عن أي سلطة، دينية أم سياسية، وهؤلاء يكرسون حياتهم وجهدهم لنشر رؤى وأفكار ومواقف تتعلق ببناء الدولة والمجتمع والعدالة والتقدّم ونهضة الأمة وطرائق مواجهة المشكلات الكبرى كالتدامج الوطني، أو تحقيق القضايا الكبرى كالوحدة العربية وتحرير فلسطين والتحول الديمقراطي .. إلخ. وقد أدّى ضمور الأنتلجنسيا الفلسطينية وانحسار فاعليتها اليوم إلى شيخوخة المؤسسات العلمية والمنظمات النضالية التاريخية، الأمر الذي ربما يؤدّي لاحقًا إلى موت نوعٍ من السياسة والتفكير السياسي الفاعل، والتحوّل نحو السياسة بمعناها المبتذل، أي تأمين مصالح المجموعات والأفراد في نطاق الدولة. وعلاوة على ذلك، أُفضّل استعمال كلمة “الأعيان” notables للدلالة على الفئات العليا في الحقبة العثمانية. والأعيان الفلسطينيون في أواخر عهد الدولة العثمانية توزّعوا، كما هو معروف، مراتب وطبقات؛ فهم مُلّاك الأرض وزعماء العشائر ومفتو المذاهب الأربعة والقضاة وخطيب المسجد الأقصى ونقيب الأشراف ومشايخ الصوفية والوجهاء ومديرو الأوقاف وأئمة المساجد وأمراء الحج وعلماء الدين، فضلاً عن “الذوات” أو الأكابر، أي كبار رجال الدولة وضباط الجيش والموظفون، ثم يأتي المهنيون (الأطباء والمحامون والمهندسون) ورجال الأعمال (التجار والصناعيون والحرفيون). وقد كان نظام الالتزام الجبائي العثماني، وحتى المملوكي قبله، المدخل الرئيس لتشكيل فئةٍ اقتصاديةٍ وسيطةٍ تحولت، مع توالي الزمن، سلطة محلية، ثم اتسعت تلك السلطة لتصبح شبكة ممتدةً ومتداخلةً من المحاسيب والأتباع والمنافع. ففي بدايات الحكم العثماني لبلاد الشام (منذ سنة 1517 فصاعدًا)، كان العثمانيون يرسلون حكامًا من خارج البلاد الشامية لإدارة الشؤون المحلية، ويعيّنون مباشرة الولاة وقادة الألوية (الواحد من هؤلاء يدعي أميرالاي، أي آمر لواء). غير أن الوهن بدأ يدبّ في أوصال الدولة في القرن الثامن عشر، الأمر الذي اضطرها إلى التعاون مع الأسر المحلية المتنفذة، لضمان حُسن سير الإدارة. وفي هذه الفترة بالتحديد، برز مشايخ النواحي والأرياف، وكذلك أعيان المدن وأغواتها، وتسلموا مواقع في الإدارة المحلية. ومن بين تلك العائلات والأغوات والأعيان آل جرار وطوقان والنمر والأحمد وارشيد وعبد الهادي والجيوسي والبرغوثي والقاسم والتاجي الفاروقي والتميمي وأبو غوش والماضي والخضراء والطبري، علاوة على الشوّا والصوراني وبسيسو والفاهوم والغصين والبيطار والداودي والحسيني والنشاشيبي والعلمي والدجاني والخالدي والجعبري والمصري.

نبعت قوة مشايخ عائلات الأرياف وأغوات المدن الريفية من التزامهم جباية الضرائب لمصلحة والي الشام “.

نبعت قوة مشايخ عائلات الأرياف وأغوات المدن الريفية من التزامهم جباية الضرائب لمصلحة والي الشام. ولما احتاجت الدولة العثمانية مزيدًا من الأموال والجند، لإخماد ثورات البلقان والتصدّي للسياسة الروسية في منطقة القرم، تنافس أعيان الأرياف في تلبية المطالب العثمانية، وتسابقوا في التزلّف والاستجابة، الأمر الذي أشعل المنازعات القبلية والعائلية، خصوصًا في نابلس وطولكرم وجنين والخليل وبيت جبرين. وفي فترة حكم إبراهيم باشا، إبن محمد علي باشا، أُزيح بعض شيوخ الأرياف عن مواقعهم، وحلّ في محلهم أعيان المدن. لكن، بعد خروج إبراهيم باشا من سورية في سنة 1840، غمرت فلسطين فوضى تمثلت في عودة بعض مشايخ الأرياف إلى التمرّد في سبيل استرجاع مواقعهم، وكان خصومهم في هذه القضية أعيان المدن. وكان ذلك التمرّد أحد تعبيرات انفصال الريف عن المدينة. ورفض هؤلاء الأعيان، بما في ذلك بعض أعيان المدن المتعصبين دينيًا أو الموالين للدولة العثمانية، إصلاحات إبراهيم باشا لأنها  نصّت على مساواة المسلمين بالمسيحيين. وعلى سبيل المثال، كان آل أبو غوش يفرضون ضريبة الخفارة على الحجاج المسيحيين والسياح الوافدين إلى القدس، وهذا الامتياز منحهم إياه السلطان سليمان القانوني. وحين ألغى إبراهيم باشا ذلك الامتياز، أثار ذلك الإلغاء نقمة آل أبو غوش، لأن من شأنه إضعاف مكانة العائلة وسطوتها وثروتها. بيد أن النظام القبلي للأرض الذي عرفته فلسطين راح يتغير ويتبدّل مع صدور قانون الأراضي في عام 1858 الذي سلب من العشائر والعائلات ما كان مستقرًا لديها طوال عقود كثيرة، مثل الانتفاع بأراضي الوقف وأملاك السلطان (الجفتلك) وأراضي الدولة (الميري).

كانت القرية الفلسطينية تعيش في انطواء، وفي شبه عزلةٍ منذ القرن السابع عشر، جرّاء ابتزاز ملتزمي الضرائب الجشعين والعصابات المحلية المسلحة وغارات البدو (جون رودي، “حركات استلاب الأرض” في تهويد فلسطين، إعداد: إبراهيم أبو لغد، ترجمة أسعد رزوق، بيروت: مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، 1972، ص 135). وكان الفلاحون الفلسطينيون يعيشون في قراهم، ويستثمرون أراضي المشاع التابعة للقرى لقاء ضريبة الميري، ويعتمدون في حمايتهم على نظام القرابة القديم، ويتولّى الزعماء المحليون، وهم في الأعم الأغلب من حمولة الفلاحين نفسها، تسيير معاملاتهم لدى السلطات العثمانية الغائبة وتسهيلها. وكان المشاع يجعل جميع أبناء العائلة شركاء في المراعي ومياه الينابيع والبرك والتحطيب. وكان 28% من الفلاحين لا يمتلكون أي أرض، وهم يزرعون الأراضي بصفتهم أجراء، فالجزء الأكبر من الأراضي الداخلة في حيازة الفلاحين الفلسطينيين تعود ملكيتها إلى عدد قليل من المالكين الكبار، وإلى دائرة الأوقاف. وكانت العائلات التي تقيم في مكانٍ معين، وتفلح الأراضي وتحصد المواسم، مطمئنةً إلى بقائها في المكان نفسه إلى أجل غير مسمى، ما دامت تدفع ما عليها من الضرائب للدولة. لكن، مع صدور قانون الأراضي في عام 1858، ثم قانون تسجيل الأرض، أي الطابو، في عام 1861، بدأت الملكيات المشتركة تتحوّل إلى ملكيات خاصة، فكثير من الفلاحين والبدو اختاروا أن يسجّلوا الأراضي الداخلة في حيازتهم، ومنها المراعي، بأسماء شيوخ عشائرهم لأنهم خافوا التجنيد الإلزامي ودفع ضرائب جديدة، واعتقدوا أن أعراف زراعة الأرض المعمول بها منذ قرون تكفي لحماية حقوقهم وبقائهم في المكان. غير أن “أصحاب الصكوك” عملوا بموجب قانون الطابو، لا بموجب الأعراف المستقرّة، وراحوا يبيعون الأراضي أو يورثونها أبناءهم وأحفادهم الذين تحوّلوا من أبناء فلاحين مالكين إلى “أفندية”، بعدما أصابوا قدرًا من التعليم الحديث، وتسلموا وظائف عالية في الدولة منذ منتصف القرن التاسع عشر فصاعدًا، وانخرط كثيرون منهم في التجارة، وتحصّلوا على رؤوس أموالهم من بيع الأراضي.

كانت القرية الفلسطينية تعيش في انطواء، وفي شبه عزلةٍ منذ القرن السابع عشر، جرّاء ابتزاز ملتزمي الضرائب الجشعين والعصابات المحلية المسلحة وغارات البدو “.

هذه التحوّلات جعلت التضامن العشائري يتقلص رويدًا رويدًا، بعدما فقد الفلاحون الفقراء المزايا التي كانت تشمل العشيرة كلها في الماضي، وبدأت الفروق الاجتماعية  والاقتصادية تتسع، وصار هناك من يملك ومن بات بلا ملكيةٍ في داخل العائلة الواحدة أو العشيرة نفسها. وهكذا راح نظام التضامن العشائري وأعراف التكافل تتضاءل أمام نظام السوق الذي ربط الإنتاج الزراعي الفلسطيني بالتجارة الخارجية من خلال الزراعات التصديرية، كالبرتقال والسمسم.

بعد صدور التنظيمات العثمانية راحت معظم مدن الساحل الفلسطيني (عدا عكا) تتقدّم، في الوقت الذي كانت فيه مدن الداخل تتدهور (عدا القدس). وتعزز موقع المدن الساحلية على حساب الريف، واتسعت الفجوة اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا بين سكان المدن والفلاحين. والتنظيمات العثمانية هي مجموع الخطط الاصلاحية التي صدرت تباعًا في عهد السلطان عبد المجيد والسلطان عبد الحميد وهي: خط غو لخانة (1839). وخط همايون (1856) ونظام الولايات (1864). وكانت الغاية إلغاء نظام الملل وحمايتها، وإعلان المساواة بين المواطنين، وإلغاء نظام الالتزام من خلال قانون الأراضي (1858) وقانون الطابو (1861).  ولهذه الأسباب كلها، ولأسباب أخرى، لم يبقَ في فلسطين في أوائل القرن العشرين غير 1000 قرية فقط قياسًا على ولاية طرابلس مثلًا التي كانت تضم في القرن السادس عشر نحو 3000 قرية (صارت في القرن الثامن عشر 400 قرية)، أو على ولاية حلب التي ضمت في القرن السادس عشر 3200  قرية، ولم يبقَ منها في القرن الثامن عشر غير 400 قرية (راجع: إحصاءات القرى في عام 1945، القدس: حكومة فلسطين، 1946؛ أو سامي هداوي، Palestine: loss of a heritage, san antonio, 1963, p.138 ) وأعيان فلسطين الذين برزوا في تلك الحقبة، وقاد أبناؤهم الحياة السياسية في عهد الانتداب البريطاني، هم نتاج للتنظيمات العثمانية ولقوانين الأرض المذكورة. وقد أدّت التحولات التي لحقت بملكية الأرض إلى الاتجاه نحو الاهتمام بالمحاصيل التجارية، أي المعدّة للتصدير كالبرتقال والسمسم والذرة، وبدرجة أقل الزيتون، وتراجعت الزراعات الاستهلاكية، أي المعدة للغذاء كالقمح والشعير والعدس. وكان من شأن نمو مدن الساحل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وازدهار التجارة والتوسع في زراعة سلع التصدير، خصوصًا السمسم الذي تزايد الطلب الفرنسي عليه لاستخدامه في صناعة الصابون العطري، أن عددًا من أعيان المدن الجدد ارتفعوا إلى الصدارة، وبينهم مسيحيون فلسطينيون كثيرون. وهؤلاء الأعيان الجدد جمعوا ثرواتهم من مصادرة فائض إنتاج الأرياف من الفلاحين الذين فقدوا أراضيهم، وتخلّى عنهم زعماؤهم التقليديون. ففي تلك الحقبة، وجرّاء الضرائب المتراكمة وأسعار الفائدة، فقد كثيرون من الفلاحين أراضيهم، وباتوا مستأجرين أو محاصصين، وصار التجار المرابون هم أنفسهم مالكي الأرض. واللافت أن فلسطين لم تشهد، في تاريخها الوسيط، الملكيات الكبيرة في الأرض، ولم تعرف نظام الفلاحين الأقنان الذين يعملون بالأجرة أو بالمرابعة لدى مالكين غائبين مقيمين في المدن. لكن، بعد قوانين الأرض العثمانية، بدأت تظهر بالتدريج الملكيات الكبيرة وفئة الأقنان، الأمر الذي أدّى إلى شبه إنفصال بين فلاحي الأرياف وأعيان المدن التجارية، وإلى تنافر اجتماعي أضعف التلاحم الوطني العام. فقد نظر كثيرون من أهل المدن إلى أهل الريف “كأناس متوحشين وأجلاف وجهلاء” (خضر إبراهيم سلامة، قرية زكريا، الخليل: مطبعة رابطة الجامعيين، 2013). ويقول الشيخ محمد بن شرف الدين الخليلي عن الفلاحين: “من بعض فعلهم القبيح أنهم يُرسلون نساءهم إلى المدن يبعن ويشترين في الأسواق وهن كاشفات وجوههن متشبهات بالرجال، ولا يستحين من الله (…). وهم يرسلون نساءهم إلى الهيش [الأحراج] يحتطبن ويحملنه على رؤوسهن، ويكلفونهن إلى الطحن وإلى حمل القش (…). ومن بعض أفعالهم القبيحة أنه إذا مات رجل وترك ذكورًا وإناثًا ودوابّ ومواشيَ وأسباباً وأملاكًا، فالذكور يجعلون البنات من جملة الميراث مع الدواب والمواشي (…) ويقتسمون ذلك (…)، وإنهم يقايضون النساء كالجحاش” (ورد ذلك في “فتاوى شيخ الإسلام والمسلمين محمد الخليلي، القاهرة: مطبعة شاهين، 1284 هجرية، ص 289 – 294 نقلاً عن: سميح حمودة، رام الله العثمانية، بيروت: مؤسسة الدراسات الفسلطينية، 2017، ص 32). وهذا النص على ما فيه من أغاليط، مثل “مقايضة النساء” (“زواج البدل” على الأرجح) يعكس نفور نخبة المدينة من أهالي الأرياف. وإلى عهدٍ قريب، ظل أهالي مدينة الخليل لا يطيقون فلّاحي قضاء الخليل. ويروي نبيل عناني، وهو من بلدة حلحول القريبة من الخليل، أن الشيخ محمد علي الجعبري رئيس بلدية الخليل، حين عزم على السفر في عام 1945 إلى بريطانيا لحضور مؤتمر لندن المشهور في شأن قضية فلسطين، تقاطرت على منزله وفود من مدينة الخليل لوداعه، وطلب أبناء عائلات المدينة منه المفاوضة على استقلال مدينة الخليل لا على استقلال فلاحي قضاء الخليل، وقالوا له: “جيبْ الاستقلال للخليل بس، أوعى تجيب الاستقلال للقضا”. فأجابهم الجعبري على الفور: “أعوذ بالله، القضا كلاب”. وبصرف النظر عن مقدار الفكاهة أو المبالغة في هذه الحكاية، إلا أنها تعكس حالة التنافر بين أعيان المدن وفلاحي الأرياف (راجع: نبيل عناني، الخروج إلى النور، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2019، ص 27).

في العقد الأول من القرن العشرين كان هناك 144 ملّاكًا يمتلكون 36% من الأراضي الصالحة للزراعة في فلسطين (أنظر: سميح شبيب، الأصول الاقتصادية والاجتماعية للحركة السياسية في فلسطين: 1920 – 1948، رام الله: وزارة الثقافة الفلسطينية، 1999، ص 21-22). وفي هذا الميدان بقيت النخب المقدسية منفصلة اجتماعيًا عن الزعامات الريفية، ولم تسمح للزعامات الريفية بالاندماج بمجتمع المدينة، حتى بعد أن خرجت النخب المقدسية الجديدة من الحارات القديمة إلى الأحياء الحديثة، كالقطمون والطالبية والبقعة. ولعل السبب هو عدم اعتماد اقتصاد القدس على القرى المجاورة؛ فلا يوجد للقدس ريفٌ خاص بها، أو تابع لها، وليس فيها تجارة واسعة تتخطّى نطاق المدينة، لأنها غير واقعة على طرق التجارة المهمة مع الشام، مثل نابلس، أو بين الشام ومصر مثل يافا، وليس فيها صناعات حرفية للتصدير، بل للبيع من السياح والحجاج. واقتصاد القدس اعتمد طويلًا على مؤسسات الدولة كرواتب رجال الدين والقضاة والموظفين وحامية المدينة، علاوة على خدمة الحجاج المسيحيين. لكن هذه الحال لم تدم طويلًا، وتغيّرت جذريًا في عهد الانتداب البريطاني. ومن غرائب توافقات التواريخ أن “العداوة” بين فلاحي الجليل وارستقراطية القدس كانت شديدةً منذ عهد الرومان. وارستقراطية أورشليم هم كبار الكهنة وملاكو الأرض والتجار، وهؤلاء كانوا دمىً في أيدي الحكام الرومان الذين لم يتورّعوا عن فرض الضريبة تلو الضريبة على الناس. وكان مالكو الأرض لا يقيمون بين الناس في الأرياف، بل في المدينة، فيما العشّارون، أي جباة الضرائب، كانوا الواسطة بين فلاحي الجليل والإدارة الرومانية وارستقراطية القدس، كأن الحال لم تتغير منذ ألفي عام.

الأعيان الجدد

في عهد الانتداب البريطاني، نمت فئة جديدة من المستوردين والمصدّرين والوسطاء وبائعي الجملة والوكلاء والسماسرة والمحاسبين والمحامين، وازدهرت العمليات التجارية المرتبطة بالاستيراد والتصدير، كالشحن والنقل والتأمين والتغليف والتخزين. وعمد  كثيرون من مالكي الأرض إلى بيع بعضٍ من أراضيهم ليفتتحوا بالأموال المتحصّلة شركات تجارية، فيما احتكر أبناؤهم الوظائف المدنية وإدارة عمليات إنتاج الألبان ولحوم المواشي وتغليف الحمضيات قُبيل تصديرها.  ومع انتهاء الانتداب البريطاني من بناء ميناء حيفا (1936)، وتشييد مطاري اللد والقدس، وتعبيد الطرقات بين القدس والخليل وبئر السبع، وبين يافا وأريحا ونابلس، وربط تلك الطرق الداخلية بالطرق الدولية التي تؤدّي إلى الخليج عبر الأردن وسورية، ظهرت فئة فلسطينية ميسورة عملت في الإدارة البريطانية وفي  التعليم والجيش والبوليس، وظهر، إلى جانب هؤلاء، التجار الأغنياء والمقاولون ومورّدو البضائع وأصحاب الفنادق ووكلاء المنتوجات الأجنبية. وهكذا تكوّنت فئة الأعيان الجدد التي تألفت من ثلاث مجموعات:

1- أعيان العائلات القدامى الذين ازدادت ملكية الأراضي لديهم، أمثال آل الحسيني والنشاشيبي والدجاني والعلمي (القدس)، وعبد الهادي وطوقان (نابلس)، والسعيد و الدجاني (يافا)، والشوا (غزة).

2- التجار الذين ارتقت أوضاعهم المالية جرّاء ازدهار مدن الساحل، وبينهم فلسطينيون مسيحيون ووافدون من سورية  ولبنان.

3- رأسماليون أجانب ويهود وشركات استيطانية.

مع تدفق المهاجرين اليهود، خصوصًا في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، شهدت فلسطين ازدهاراً مؤقتًا ومتسارعًا جرّاء الطلب المتزايد على السلع الاستهلاكية، وعلى المهن كالبناء، والعمل في رعاية المواشي ومزارع الخضراوات التابعة للمستوطنات اليهودية الجديدة. وقد ارتفعت أسعار الأراضي بسبب الطلب اليهودي عليها، غداة تدفق يهود ألمانيا وشرق أوروبا على فلسطين بين 1933 و 1939. وقد استفاد مالكو الأرض من ارتفاع الأسعار، فيما تدهورت أحوال الفلاحين تبعًا للتضخم. وهذا ما أدّى، من بين أسباب أخرى، إلى جعل الفلاحين يغادرون قراهم للعمل في مدن الساحل كأجراء، أو كأقنان في الأراضي الساحلية المستصلحة التي خصصها كبار الملاك لانتاج سلع التصدير كالبرتقال والسمسم والتبغ والقطن. وبالتدريج، ظهر في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني اقتصادان: اليهودي المزدهر (زراعة حديثة وتجارة وصناعات) والفلسطيني المتعثر (زراعة متخلفة وحرف تقليدية وصناعات محلية دمرتها السلع المستوردة). وعلى هذه البنية الاقتصادية، قام مجتمعان فلسطينيان متنافران: الأول تقليدي يعبر عن الهويات العشائرية والعائلية والإثنية والطائفية، والثاني حديث لكنه هشّ ومتردّد فشل في تعميم قيم القومية والتحرر والحداثة والمواطنة والمساواة والحريات وسيادة القانون والديمقراطية. وكان التغاير الاجتماعي بين الريف والمدينة واضحًا بلا براقع، وربما تعبر ثنائية الكوفية والطربوش أفضل تعبير عن هذا التغاير المتنافر، فقد اكتسحت الكوفية رؤوس الرجال في ثورة 1936، وطردت الطربوش عن الهامات. ووُزعت بيانات راحت تدعو السكان إلى اعتماد الكوفية بدلًا من الطربوش. وكان الباعة يعلّمون الفتيان الصغار أن يرددوا: “الكوفية بخمس قروش والعرص لابس طربوش”، أو “حطة وعقال بسبع قروش وعرص إلّي بيلبس طربوش”. ويروي عطاالله منصور في روايته “وبقيت سميرة” (تل أبيب: دار النشر العربي، 1962) قصة رياض وسميرة، وهما من إحدى قرى الجليل. فرياض عاش في القرية وعمل في الزراعة والرعي، ودرس حتى المرحلة الابتدائية، ثم انتقل إلى مدينة حيفا للعمل ساعيًا في دائرة البريد. وفي ما بعد تزوج سميرة بناء على إلحاح والده، ولم يكن يحمل لها أي مشاعر غير ذكرى واحدة عندما شاهدها في الحقول مع جارها الذي كان يحاول مضاجعتها. وبعد زواجه لم يستطع احتمال فكرة أن زوجته أحبّت في إحدى مراحل حياتها رجلاً غيره. فكان يتركها في القرية، عندما يعود إلى عمله في المدينة. وعندما اشتدت معارك حيفا في سنة 1948 لجأ إلى لبنان من دون أن يحاول اصطحابها معه. أما سميرة التي بقيت في القرية، فاضطرت إلى العمل في الحقول التي صارت تحت السيطرة الاسرائيلية. وعندما علمت أن رياض تزوج في أحد مخيمات لبنان، أجهضت الجنين الذي كانت حملت به منه. ويرى الناقد محمود غنايم أن رياض لم يرَ سببًا للقتال في حيفا لأن انتماءه كان محصورًا بقريته، ولم يشعر ألبتة بالانتماء إلى حيفا أو إلى فلسطين (راجع: محمود غنايم، مرايا في النقد: دراسات في الأدب الصهيوني، كفرقرع: دار الهدى، 2000؛ ومنار مخول، سيسموغرافيا الهويات، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2019، ص35-36).

يمكن الاستنتاج أن الريف الفلسطيني كان، حتى ثلاثينيات القرن العشرين، معزولًا عن السياسة إلى حد كبير، والفلاحون مشرذمون ووزنهم النوعي في تقرير مصيرهم يكاد يساوي الصفر أو أكثر قليلًا. والمدينة الفلسطينية كانت، بدورها، منقسمةً عائليًا. لذا، مع ازدياد الهجرة اليهودية وانكشاف مرامي الحركة الصهيونية، كانت ردّات فعل الفلسطينيين على الغزو الخارجي أقرب إلى التضامن أو “الفزعة”، ولم تتأسّس على تلك المخاطر الداهمة حركة وطنية مقتدرة. وكان من المحال، إلى حد بعيد، أن تظهر حركة وطنية مقتدرة حقًا، وواعية فعلًا، في ثنايا مجتمع ريفي مشرذم وبلا وزن، كالمجتمع الفلسطيني آنذاك، أو في مجتمع مديني منقسم كالمجتمع المديني الفلسطيني. ومدن فلسطين، وهذه حالة تستحق التنقيب والبحث، لم تمثل في القرن التاسع عشر فصاعدًا معقلاً لليقظة القومية العربية كما تمثلت في دمشق أو حلب أو بيروت، بل ظلت مراكز تجارية في الساحل، وحرفية في الداخل، ومقرًا لسكان الموظفين العثمانيين والتجار والصُناع وأصحاب الدكاكين والخانات والمعاصر، ومكانًا لإدارة الأوقاف وتسيير شؤون التقاضي بين الناس (راجع: عادل منّاع، تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1999، ص224). وما عرفته بعض مدن الساحل من الحداثة، مثل يافا بالتحديد، اقتُصر على فنون التجارة والملاهي والأندية والسباحة والصحافة والمهن المرافقة لها.  

مع تدفق المهاجرين اليهود، خصوصًا في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، شهدت فلسطين ازدهاراً مؤقتًا ومتسارعًا جرّاء الطلب المتزايد على السلع الاستهلاكية، وعلى المهن “.

كان مالك الأرض والفلاح، في مناطق شتى في سورية ولبنان، ينتميان إلى عائلة واحدة، وتربطهما علائق وشائجية، ويعرف الواحد منهما الآخر معرفة مباشرة ذات طابع قرابي. لكن، في فلسطين كان كثير من الملاك، سيما الكبار، يقيمون خارج فلسطين. والعلاقة بين المالك والفلاح معدومة، والوكيل هو من يأتي إلى البيدر مرة في السنة، ليقدّر المحصول ويعطي الفلاح حصته، ويأخذ الباقي إلى المدينة ليبيعه لمصلحة المالك الغائب. وحتى لو انتمى الوكيل إلى عائلة الفلاح، فإن ولاءه، في هذه الحال، لن يكون للفلاح قريبه، بل للمالك ولي نعمته. ومالكو الأرض كانوا غائبين، فلسطينيين كانوا أم غير فلسطينيين، فالمالكون الفلسطينيون يقيمون في المدن الساحلية بعدما تحولوا إلى التجارة. والمالكون غير الفلسطينيين كانوا يقيمون إما في بيروت أو في دمشق. ومعظم الأراضي التي اشترتها الجمعيات اليهودية جاءت من مالكين غائبين، ومن مالكين فلسطينيين أيضًا. وبهذه العُدة من التنافر والمغايرة بين الريف والمدينة، واجه الفلسطينيون المشروع الصهيوني الحديث المدعوم من بريطانيا، والذي كان يُدرك أهدافه بوعي تام، ويضع الخطط الملائمة. ولعل من المؤكد أن الفلاحين الفلسطينيين لم يخوضوا معمعان النضال ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية كفئة اقتصاديةمتضررة، بل إنهم خاضوا الصراع بأفق قومي عربي قاده أعيان المدن وأبناء الطبقة الوسطى الناشئة الذين اعتنقوا الفكر القومي الذي تبلور في الشام بالدرجة الأولى.

أعيان متصارعون ونخب تابعة

كان الانقسام الأبرز الذي شهدته فلسطين في حقبة الانتداب البريطاني هو انقسام آل الحسيني من جهة وآل النشاشيبي من جهة أخرى. وكل طرف وقف على رأس حلف من العائلات الموالية له. وأحلاف العائلات هي شكل معاصر من الانقسام القبلي القديم بين القيسيين واليمنيين. وتولى الحسينيون رئاسة المجلس الاسلامي الأعلى، لهذا سمّيوا أحيانًا “المجلسيون”. وتولى النشاشيبيون، في بعض المراحل، رئاسة بلدية القدس، وسمّيوا “المعارضة”. وكان للحسينيين حزب سياسي هو الحزب العربي الفلسطيني، فيما كان للنشاشيبيين حزبٌ مناوئ هو حزب الدفاع. وفي معمعان الصراع ضد بريطانيا والهجرة اليهودية، اتخذ التيار الحسيني في عهدي موسى كاظم الحسيني والحاج أمين الحسيني موقف العداء للحركة الصهيونية وللهاشميين معًا، في حين اختار التيار النشاشيبي السعي إلى علاقاتٍ وثيقةٍ مع الملك عبد الله ومع البريطانيين، الأمر الذي أدّى بالمعارضة إلى التكيف مع السياسة البريطانية في فلسطين، ومع المشروع الصهيوني. وقد زعم حلف العائلات الذي ترأسه النشاشيبيون أن السبيل الوحيد لإنقاذ فلسطين ليس مواجهة بريطانيا واليهود، كما يدعو إلى ذلك الحاج أمين الحسيني، بل التعاون مع بريطانيا والتفاهم مع اليهود. وبهذا المعنى، لم يعتبر المعارضون أنفسهم خونةً حين عقدوا الاتفاقات مع الهاغاناه، وقدموا لها المعلومات الأمنية عن أنصار الحاج أمين الحسيني.

كانت المعضلة الأبرز في خضم المواجهة مع البريطانيين والصهيونيين هي بيع الأراضي من اليهود، والتعاون معهم. وفي هذا السياق، أُسس “حزب الزراع” في سنة 1923 بدعم من الوكالة اليهودية التي أرادت تحويل ذلك الحزب أداةً في مواجهة الجمعيات الاسلامية – المسيحية. وتزعم هذا الحزب موسى هديب وفارس المسعود (اغتيل الاثنان)، وقد انتشر ذلك الحزب في قريتي الدوايمة (في منطقة الخليل) وسبسطية (في منطقة نابلس)، وكان يُطلق عليه أحيانًا “الحزب القروي”، لأنه ركّز دعايته على التفريق بين المدينة والريف، وبين المديني والفلاح، وراح يوقظ نزعة موروثة هي ريبة الفلاح التقليدية بابن المدينة (الأفندي) الذي يضطهده ويستغله ويستولي على أرضه أو على نتاح جهده (أنظر: الموسوعة الفلسطينية، القسم العام، مادة “الزُرّاع- حزب”، دمشق: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1984). ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد عقد خمسة من  الفلسطينيين في صيف 1940 حلفاً مع الوكالة اليهودية، لمنع تسلل الثوار من دمشق إلى فلسطين، ومنع تهريب السلاح إلى الوطنيين الفلسطينيين، وتقديم المعلومات إلى جهاز “شاي” الاستخباري التابع لفرع الوكالة اليهودية في فلسطين. وكان الهدف هو “السير يدًا بيد مع اليهود” ضد المفتي الحاج أمين الحسيني والمقاتلين العرب الذين يتسللون إلى فلسطين ويهاجمون المستوطنات اليهودية (أنظر: هيلل كوهين، جيش الظلال، بيروت: بيسان للنشر، 2015)، أحد الخمسة كامل الحسين كان شريكًا في اغتيال فريد فخر الدين المؤيد للحاج أمين في مارس/ آذار 1947 ثأرًا لاغتيال محمد الزيناتي في سنة 1946 بسبب بيعه الأراضي من اليهود. وقد قتلت المخابرات السورية كامل الحسين في 1949 حين قاوم محاولة لاختطافه عند جسر الحاصباني في جنوب لبنان. وفي هذا السياق، لم يتورّع فخري عبد الهادي عن إصدار منشور في أواخر عام 1938 يدعو فيه أهالي القرى إلى الوقوف ضد أنصار الحاج أمين الحسيني (المدينيون). وظهرت في مراحل مختلفة بين 1929 و 1948 عصابات كانت تغير على القرى وتنهب ما أمكنها من نهب وسلب. غير أن بعضها اكتسب سمعة وطنية مثل أبو جلدة (أحمد حمد الحمود) والعرميط (صالح أحمد العرميط) اللذين قَتَلا ضابط بوليس في 22/5/1933، ثم أُعدما شنقًا في 30/4/1934. وعلى هذا الغرار، اقتحم يوسف أبو درة جرادات قرية دالية الكرمل لفرض غرامة مالية على سكانها الدروز، الأمر الذي أطلق نزاعًا طائفيًا. وتبين لاحقًا أن أبو درة كان تشاجر مع شخص يدعى شكيب نجيب الحلبي في حيفا، وتمكن شكيب الحلبي من طرح أبو درة أرضًا، واحتجزه ساعات في مراحيض العمال. وظل أبو درة يحمل الضغينة لشكيب الحلبي حتى بعدما صار مسؤولاً عن مجموعات المقاومة الفلسطينية في منطقة حيفا. وكان ذلك هو السبب الرئيس في اقتحام قرية دالية الكرمل ومحاولة قتل سعيّد الحلبي شقيق نجيب. ولم يكتفِ أبو درة بذلك، بل أغار على قرية عسفيا المجاورة في 4/10/1938 وفرض عليها 150 ليرة فلسطينية غرامة. وهو ما أثار غضب دروز فلسطين ولبنان وسورية، بعدما وصلت إليهم الأخبار عن أن رجال أبو درة سرقوا المنازل ونكلوا بالنساء ونجسوا الكتب الدينية ومزقوها. وعلى الفور أصدر الحاج أمين الحسيني بيانًا يستنكر ما فعله يوسف أبو درة ورجاله (راجع: قيس فرّو، دروز في زمن الغفلة، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2019، ص 69-71). وكان الثوار في ثورة 1936 “عصابات صغيرة مستقل بعضها عن بعض، تعمل تحت زعامات مختلفة، ولها مناطق خاصة بها لا تتعداها”، ونفقات هؤلاء كان يدفعها سكان القرى، الأمر الذي أثار كثيرًا من الشكوى والاستياء (راجع: مذكرات فوزي القاوقجي، إعداد: خيرية قاسمية، دمشق: دار النمير، 1996، ص202)، فالنخبة السياسية الفلسطينية التي تبلورت في فترة الحكم البريطاني تمثلت في “الجمعيات الاسلامية – المسيحية” التي ظهرت غداة المؤتمر العربي الفلسطيني الخامس (نابلس، أغسطس/ آب 1922). لكن تلك الجمعيات التي كانت تجتمع أسبوعيًا، ظلت بلا برنامج عمل أو ملفات أو وثائق أو محاضر اجتماعات، وكأنها مضافة واسعة، أو ديوان،  يحلو الكلام فيها عن السياسة وغير السياسة. وبقيت الحال على ذلك المنوال حتى تأليف اللجنة العربية العليا في سنة 1936، التي لم تلبث أن حُلّتْ في عام 1937، وانفرط عقدها بلجوء الحاج أمين الحسيني إلى لبنان في عام 1939.

عندما نشر كينيث ستاين وثيقة عن بيوع الأرض في فلسطين، ذُهل كثيرون أمام الحقائق الواردة في الوثيقة في شأن الأسماء والتواريخ والأمكنة والمساحات وأرقام عقود البيع في سجلات الطابو وأسماء البائعين، وهم أعلام وقادة في الحركة الوطنية الفلسطينية. (أنظر: kenneth stein, The land question in Palestine, The University of North Carolina press,1983, p.228-239). فهل نتساءل، بعد ذلك، لِمَ سقطت فلسطين بأيدي الحركة الصهيونية؟

في خضم الانقسامات الفلسطينية بين عائلات المدن وأعيان الريف، وبين متعاونين مع البريطانيين والهاغاناه والمؤسسات الصهيونية الأخرى في مواجهة التيار الوطني، أي تيار الحاج أمين الحسيني، اندلعت حرب 1947-1948. وقد انتظم معظم الفلسطينيين الوطنيين في وحدات مقاتلة قليلة العدد ومنفصلة؛ فكانت كل قرية تنظّم مجموعة من أبنائها للدفاع الذاتي، وكان تسليح تلك  المجموعات سيئًا وأحيانًا بدائيًا، وقلما تطور التعاون بين القرى إلى وضع خطط مشتركة لتنسيق الدفاعات بصورة فاعلة، بل كانت كل قرية، أو مجموعة قرى متجاورة، تتولى عملية الحراسة والدفاع بمعزل عن القرى القريبة الأخرى. وإذا سقطت قرية عربية، فإن آثار ذلك تمتد إلى قرى أخرى، فتسقط بدورها. ولم تتمكن القيادة الفلسطينية آنذاك من تطوير قوات متحركة، فضلًا عن القوات الثابتة، لنجدة بلدات أو قرى تتعرض للهجوم. والمعروف أن لجانًا قومية بدأت بالتشكل في القرى وفي أحياء المدن فور صدور قرار تقسيم فلسطين رقم 181 في 29/11/1947، وتلك اللجان أخذت على عاتقها جمع الأموال وشراء الأسلحة. لكن الوضع العام لتلك اللجان كان غاية في الفوضى والتفكك وتبديد الإمكانات.

يقول صبحي ياسين: “لم تكن في مدينة حيفا عند إعلان قرار التقسيم وبدء الانفجار الشعبي بندقية حربية واحدة، وكان السلاح الموجود عبارة عن عدد من المسدسات والقنابل اليدوية” (أنظر: صبحي ياسين، طريق العودة إلى فلسطين، القاهرة: مطبعة الحرية، 1960، ص 10-11). أما ناجي علوش فيؤكد أن أكثر من ستين ألف مسلح كانوا يرابطون في قراهم، ويعمل قسمٌ منهم من دون نظام، و”أن مدنًا أو قرى كانت تسقط بيد اليهود وعشرات الألوف من المسلحين قابعون في قراهم لا يعرفون ماذا يفعلون. وكانت المواقع الأمامية تُرهق خلال صراعها من أجل دفع خطر الغزو، وهنالك قوى كبيرة تطلق النار في الهواء تضامنًا مع المواقع الأمامية الباسلة” (أنظر: ناجي علوش، المقاومة العربية في فلسطين، بيروت: مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، 1967، ص 147). ويخلص ناجي علوش إلى القول: “لم يقم عرب فلسطين عامة بما كان يتوجب عليهم أن يقوموا به. فقد تحمسوا، واشترى الكثير منهم الأسلحة بأسعار باهظة، ولكن القسم الأكبر منهم لم يشترك في المعارك، ولم يبارح المقاتلون أماكن إقامتهم. أما سكان المواقع الأمامية فقد قاتلوا واثبتوا شجاعة وبسالة، ولكنهم لم يُحسنوا الدفاع عن مواقعهم في أكثر الأحيان. ولقد دب فيهم الذعر فهربوا لا يلوون على شيء، مع أن المعركة كانت تقتضي ألا يبرح إنسان مكانه” (المصدر السابق، ص 148). ويذكر عارف العارف: “استغاث مقاتلو دير ياسين بالمالحة وعين كارم والقرى المجاورة، إلا أنهم لم يغيثوهم (…). وكثيرًا ما اقترف العرب، ويا للأسف، هذا الخطأ، فكانت القرية أو الجبهة الواحدة تحارب العدو وحدها، فلا تأتي القرية المجاورة لنجدتها، أو تقوم الجبهة الأخرى بعمل آخر لتخفف الضغط عنها” (أنظر: عارف العارف، نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود، الجزء الأول، الطبعة الثالثة، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2013، ص 164).

خيضت حرب 1948 بلا قيادة جدّية، وبلا تنظيم

هكذا خيضت حرب 1948 بلا قيادة جدّية، وبلا تنظيم. ولهذا، لم يكن مستغربًا لدى العارفين ببواطن الأمور أن تكون النتيجة على ما علمتم وذقتم. ويُقوّم صالح الشرع واقع الحال في فلسطين آنذاك بالتالي: “منذ أول مواجهة عسكرية بين القوات العربية واليهودية، لم يكن هنالك أي استعداد للقتال في المدن والقرى العربية، لا من ناحية تنظيم التدريب، ولا من ناحية التسليح، أو الاستعداد النفسي لمواجهة حربية بمفهوم حرب نظامية أو شبه نظامية، والجميع في متاهة لا يعرفون النتائج. والذين لديهم بعض الأسلحة الخفيفة لم يكونوا يفكرون إلا بالدفاع عن قراهم وبيوتهم إذا هوجموا (…)، وكلها أعمال فردية على مستوى المخاتير أو البلديات. وكثير من منتسبي الشرطة العرب فروا بأسلحتهم ولم ينتظموا مع قوات القاوقجي أو غيرها، وبعضهم باعوا أسلحتهم بأسعار عالية (…). وكانت نشاطات الجماهير الشعبية تقتصر على التظاهرات والاضرابات والاجتماعات وإلقاء الخطب الحماسية وعقد المؤتمرات وإرسال البرقيات (…)، ولم يقدم العرب في فلسطين تضحيات تذكر في عام 1948 قياسًا على ما قاموا به في عام 1936”  (راجع: صالح الشرع، فلسطين: الحقيقة والتاريخ، عمان: مكتبة روائع مجدلاوي، 1996، ص 220-221).

أما القوات الصهيونية فكانت متفوقة عدديًا (62 ألف مقاتل منظّم مقابل 14 ألف مقاتل عربي مشرذم)، وتمتلك أسلحة متطورة بما في ذلك الطيران الحربي، ولديها قيادة واحدة، ووسائل اتصال حديثة، وقوات متحرّكة ذات فاعلية، فضلاً عن قوات الدفاع الثابت عن المستوطنات والأحياء اليهودية.  وقد رفع إسماعيل صفوت باشا، القائد العام لقوات المتطوّعين العرب في فلسطين في 23/3/1948 تقريرًا إلى لجنة فلسطين التي ألّفتها جامعة الدول العربية، جاء فيه: إن مجموع القوات اليهودية (الهاغاناه والايرغون وشتيرن) لا يقل عن خمسين ألف مقاتل، يُضاف إليهم خمسة آلاف من القوات الضاربة (البالماح)، فضلاً عن قوات الدفاع المحلية عن المستعمرات التي يبلغ عدد مقاتليها عشرين ألفاً. وهؤلاء مسلحون بمئة دبابة ومئة وخمسين مدرعة وإحدى وعشرين طائرة عسكرية. أما المقاتلون في فلسطين فعددهم 7700 مسلح، بينهم 5200 متطوع تدرّبوا في معسكرات قطنا في سورية، و2500 مجاهد محلي، ومعهم أربعة عشر مدفع هاون وثمانية مدافع خفيفة (أنظر: عارف العارف، نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود، المصدر السابق، ص 133). ولمزيد من البراهين المهينة، يذكر عارف العارف أن 400 مقاتل فقط كانوا موجودين في حيفا قبيل سقوطها في 24/4/1948 (ص 205)، مع أن عدد سكانها الفلسطينيين بلغ في تلك السنة نحو 63 ألف نسمة (نقلاً عن: محمد نمر الخطيب، من أثر النكبة، دمشق، الطبعة العمومية، 1951، ص 296). وعندما صدر قرار التقسيم في 29/11/1947 “لم يكن في يافا أكثر من بضع بنادق وبضعة مسدسات، ولم يكن فيها تنظيم عسكري مدرّب سوى فرقة رياضية دعوها النجادة” (راجع: عارف العارف، النكبة، مصدر سبق ذكره، ص 218). وعلى هذا النحو، ساهم التكوين الاجتماعي الفلسطيني، ومعه النخب التي ظهرت في الحقبة العثمانية وبعدها، في تعميق القصور الذاتي أمام المشروع الصهيوني. وجراء ذلك فشل الفلسطينيون في تطوير حركة مقاومة فاعلة ونشِطة ضد الهجرة اليهودية وضد الانتداب البريطاني معًا، مع أنهم اكتسبوا خبرات عسكرية وسياسية مهمة في ثورة 1936-1939. وعجزت القيادة السياسية الوطنية التقليدية والعائلية والمؤسسات الفلسطينية الأخرى عن تطوير برنامج شامل، من شأنه قيادة المجتمع نحو التحرّر الوطني وتقرير المصير. فقد اختزل الأعيان السياسة بطرد الاستعمار والاستقلال، وهذان أمران كان يلقيان إجماعًا شبه عام. لكن أولئك الأعيان، ومعهم أَعلام النخب الجديدة التي ظهرت في حقبة الانتداب البريطاني، لم يتطوّر لديهم أي اهتمام بالجانب الاجتماعي (عدا الحزب الشيوعي)، أَكان ذلك في الريف أم في الأحياء الشعبية في المدن التي كانت تستوعب الفلاحين المهاجرين من القرى، والذين تحوّلوا إلى أيدٍ عاملة. وربما كان التكوين الاجتماعي لفلسطين، قبل النكبة، قد أدّى، إضافة، إلى أسباب كثيرة، أخرى، إلى فقدان فلسطين، وهو ما دعا ديفيد بن غوريون، في خطبةٍ أمام ضباط الهاغاناه، بعد توقيع اتفاقات الهدنة في رودس في أبريل/ نيسان 1949 إلى القول: “ما تحقق هو نصر تاريخي عظيم للشعب اليهودي كله. كان نصرًا أكبر مما تصورناه وتوقعناه. لكن، إذا اعتقدتم أن هذا النصر قد تحقق بفضل عبقريتكم وذكائكم فإنكم مخطئون جدًا. إني أُحذركم من مخادعة النفس هذه. لقد تم لنا ذلك لأن أعداءنا يعيشون حالة مزرية من التفسخ والفساد والانحلال”.

رأى أنطون سعادة بالعين الثاقبة “أن الدولة اليهودية لم تنشأ بفعل المهارة اليهودية، ولا بشيء من الخَلق والعقل اليهوديّيَن (…) بل بفضل التفسخ الروحي الذي اجتاح الأمة السورية” .

لعل المفكر الوحيد والسياسي المتفرد الذي وضع إصبعه في الجرح القومي كان أنطون سعادة الذي رأى بالعين الثاقبة “أن الدولة اليهودية لم تنشأ بفعل المهارة اليهودية، ولا بشيء من الخَلق والعقل اليهوديّيَن (…) بل بفضل التفسخ الروحي الذي اجتاح الأمة السورية ومزّق قواها وبعثر حماسها وضربها بعضها ببعض وأوجدها في حالة عجز تجاه الأخطار والمطامع الأجنبية” (راجع: أنطون سعادة، مراحل المسألة الفلسطينية، بيروت: عمدة الثقافة، 1977). ولعمري، ما هو ذاك التفسّخ الروحي الذي اجتاح الأمة ومزّق قواها إن لم يكن التشرذم والتخثر والتشرنق في خيوط الماضي الذي ما فتيء يتعالى على فكرة الوطن والوطنية والقومية؟ نعم، كانت القبيلة في نظر أفراد القبيلة هي وطن هؤلاء؛ فهم ينتسبون إليها وليس إلى المكان. والانتساب إلى المكان هو شأن مديني (هذا حلبي وذلك مقدسي وذاك دمشقي)، فيما الانتساب إلى القبيلة شأن بدوي (هذا من شُمّر وذلك من طيء وذاك من عنزة). أما الانتساب إلى العائلة أو إلى الجد الأعلى فكان من شؤون المدن الريفية (هذا من آل الحسيني وذلك من آل طوقان وذاك من آل النشاشيبي).

مفهوم الوطن هو أحد منجزات الحداثة. وقد تبلور هذا المفهوم في السياق السياسي والقانوني والفلسفي الأوروبي، ثم انتقل إلى العالم كله. وكان من المتوقع أن يساهم ذلك المفهوم في تكوين هوية وطنية أو قومية لفلسطين تنتج شكلاً حديثًا من الاندماج الاجتماعي نقيضًا للتذرر الموروث. لكن العائلة والعشيرة، ومعهما الطائفة، كانت التشكيلات الأكثر عنادًا والأكثر صمودًا في وجه عملية الاندماج الاجتماعي. وظل الفلسطينيون، بمعونة الوعي المشائخي، راقدين في نواويسهم الحجرية القديمة على غرار أهلهم في بقية بلاد الشام، ولابثين عند صفتهم المحببة كجماعة أهلية community لا كمجتع society. وكانت نُخبهم مطابقة لتكوينهم الاجتماعي ذاك، وللوعي المشيخي والقبلي السائدين، في ما عدا قلة قليلة هي النخبة المتنورة والطليعية، أي الأنتلجنسيا.

هوية الشتات والنخب الجديدة

انتشر الفلسطينيون بعد نكبة 1948 في جميع أرجاء دول المشرق العربي، أي أنهم باتوا، في معظمهم، لا يعيشون على أرضٍ واحدة، بل تذرّروا هنا وهناك. وهذا الواقع المستجد كان من معوّقات تطوير هوية وطنية منسجمة مع هويتهم القومية الأشمل. غير أنهم طوّروا هوية جديدة هي هوية الشتات، ذلك لأن الفلسطينيين لا يتميزون من السوريين واللبنانيين والأردنيين بأي هويةٍ غير تاريخهم السياسي في مواجهة الصهيونية والاقتلاع. وهوية الشتات تعني اشتراك جميع اللاجئين في تجربة فقدان الأرض والبيت ودورة الحياة الواحدة، علاوة على موقف الآخرين منهم كلاجئين. وهذه التجربة اشترك فيها الفلاحون اللاجئون والأعيان القدامى وأبناء المدن الساحلية والداخلية (يافا وحيفا وعكا وصفد والناصرة وطبرية واللد والرملة). فالفلاحون، بعد فقدانهم الأرض والمنازل، باتوا لاجئين. ومهاراتهم الزراعية قلما أفادتهم في بلدان اللجوء، وتحوّلوا عمالاً زراعيين أو عمالاً غير مهرة، واعتمدوا في معيشتهم، بصورة أساسية، على “أونروا”. أما أبناؤهم فهم الفئة التي خرج منها مؤسسو المنظمات الفدائية وشكلوا النخبة السياسية الجديدة. وهكذا انقسمت النخبة الفلسطينية الجديدة نخبتين متميزتين تمامًا في عوامل تشكلهما: نخبة الشتات، والنخبة التي بقي أفرادها في فلسطين تحت الحكم الاسرائيلي (فلسطينيو 1948). والمجموعة الثانية ظلت بلا نخبةٍ حديثةٍ وفاعلة نسبيًا، حتى زوال الحكم العسكري عنها في عام 1966، فنضجت ونفضت عنها آثار الخوف، وراحت تتصدّى لواقعها في سبيل هويتها العربية.  

انشطرت النخبة الفلسطينية الجديدة، خارج فلسطين، قسمين: الذين تمكّنوا من إخراج أموالهم من فلسطين قبيل النكبة وبعدها، ونقلوا شركاتهم إلى بيروت ودمشق وعمّان، أمثال فؤاد سابا (شركة محاسبة ومراجعة) وبدر الفاهوم (شركة التأمين العربية)، والذين جنوا أموالهم في الخليج العربي، ثم راحوا يوظفونها في لبنان وسورية والأردن في القطاعات التجارية والعقارية والمصارف. والمعروف أن فلسطينيين كثيرين امتلكوا أموالًا نقدية طائلة كانوا أودعوها في المصارف الفلسطينية قبل عام 1948، وتمكن بعضهم من تحويل جزء من أموالهم المودعة في المصارف الفلسطينية إلى خارج فلسطين بعد قرار التقسيم في عام 1947، وقبيل إعلان دولة اسرائيل في 1948. وجميع الأموال المودعة في الخارج، خصوصاً  في لندن، ومعها السندات التي أصدرتها حكومة الانتداب، عادت إلى أصحابها. وكان لدى الفلسطينيين ودائع في صناديق البنك العثماني في القدس وفي بنك باركليز، وقد استُعيدت كلها. وتمكّن الفلسطينيون المقيمون في لبنان والأردن من استعادة 154 خزنة تحتوي ممتلكات شخصية ثمينة (ذهب وسندات). وهذه المبالغ شكلت القاعدة الأولية لظهور فئة رجال الأعمال الفلسطينيين في الدول العربية (أنظر: باميلا آن سميث، فلسطين والفلسطينيون، دمشق: دار الحصاد، 1991، ص 144). واللافت أن أغلبية أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني الأول (القدس، 1964) كانت تتألف من رجال الأعمال الفلسطينيين العاملين في الدول العربية، ومن التكنو قراط الجدد، ومن الأنتلجنسيا الجديدة، ومن المناضلين البارزين في الأحزاب القومية العربية كحزب البعث وحركة القوميين العرب والناصريين.

كان لدى الفلسطينيين ودائع في صناديق البنك العثماني في القدس وفي بنك باركليز، وقد استُعيدت كلها “.

خلافًا للاتجاه الذي سارت عليه النخب الفلسطينية المقتدرة التي لجأت إلى سورية ولبنان، وتميزت بضمور فاعليتها السياسية (لا المالية) وانحسار تأثيرها في الجيل الجديد الذي ناضل في سبيل العودة وتحرير فلسطين، وأسس في هذا السياق حركتي القوميين العرب وفتح، فإن أعيان فلسطين الذين صاروا جزءًا من المملكة الأردنية الهاشمية ابتداء من 24/4/1950 (قرار توحيد الضفتين) قد تمكّنوا من زيادة ثرواتهم بصورة ملحوظة، وسيطروا على الحياة السياسية للفلسطينيين في الأردن. فبعد النكبة مباشرة راحت أسعار الأراضي في الضفة الغربية ترتفع جرّاء الطلب المتزايد عليها، وعلى المساكن لتلبية الحاجات الجديدة. وكانت تلك فرصة لأصحاب الأراضي لتحقيق مزيد من الثروة. وفي الوقت نفسه، راحت أجور العمال الزراعيين تنخفض نتيجة زيادة المعروض من الأيدي العاملة اللاجئة. وأدّى الطلب على المنتجات الزراعية في السعودية ودول الخليج العربي في أوائل خمسينيات القرن المنصرم إلى زيادة وزن مُلاك الأراضي الفلسطينيين في المجتمع الأردني. وراح الحكم الأردني يوزّع المناصب على أبناء العائلات الموالية له، فعين راغب النشاشيبي زعيم المعارضة قبل 1948 حاكمًا عامًا على فلسطين ثم وزيرًا لشؤون اللاجئين، وعين عوني عبد الهادي رئيسًا للمجلس الاسلامي الشرعي الأعلى الذي كان يرئسه الحاج أمين الحسيني، وعين عارف العارف وأحمد حلمي عبد الباقي مُحافِظين. وما إن استتب الأمر للملك عبد الله، بعد تفاهمه مع إلياهو ساسون، على أن تحترم إسرائيل قرارات مؤتمر أريحا الذي ترأسه محمد علي الجعبري في 1/12/1948، مقابل إعلان الهدنة الدائمة بين الأردن وإسرائيل، والسعي إلى سحب القوات المصرية المرابطة في بعض النواحي بين القدس والخليل، وسحب القوات العراقية من جنين وجوارها، حتى راح يعين أبناء العائلات المناهضة لزعامة الحاج أمين الحسيني في الوظائف الرفيعة، ليُنهي الحضور السياسي للحاج أمين وأنصاره. ومنذ تلك الفترة، بدأت هيمنة تلك العائلات على حياة الفلسطينيين في الأردن، أمثال آل طوقان والدجاني والنمر والجيوسي والخطيب والمصري والبرغوثي. وفي هذا الميدان، عين الملك عبد الله عزمي النشاشيبي نائبًا للحاكم العسكري في الضفة الغربية، والشيخ حسام الجارالله مفتيًا للقدس، وانقلب بعض وزراء حكومة عموم فلسطين على حكومتهم، وأعلنوا الولاء للملك عبد الله أمثال أحمد حلمي عبد الباقي وعوني عبد الهادي وحسين فخري الخالدي وعلي حسنة وأنور نسيبة. وفي انتخابات 1950، سيطر أبناء العائلات التقليدية (مُلاك الأرض والتجار) على حصة الفلسطينيين في البرلمان الأردني، أمثال تحسين عبد الهادي ورشاد الخطيب وعبد الرحيم جرار وأنور نسيبة وقدري طوقان وعبد القادر صالح وهاشم الجيوسي وعمر الصالح البرغوثي. وفي هذا السياق، برز أحمد طوقان وطاهر المصري اللذان توليا رئاسة الحكومة في الأردن، فيما كان يوسف هيكل (رئيس بلدية يافا سابقاً) يُعين سفيرًا في الأمم المتحدة، وعوني عبد الهادي في القاهرة، وعيسى البندك في مدريد، وجمال طوقان في بيروت، وعبد الله صلاح في باريس، وعادل الخطيب في القاهرة، وأكرم زعيتر في دمشق. وفي تلك الأثناء، كانت النخبة الفلسطينية الجديدة التي أطلقت الكفاح المسلح في 1/1/1965 تتكون بعيدًا عن تلك العائلات وخارج رحم الملاكين والتجار ورجال الأعمال.

بعد نكبة 1948 بدأت دول الخليج العربي تشهد ازدهارًا نفطيًا واسعًا، وهذا الازدهار راح يجذب الفلسطينيين للعمل لديها مهندسين وإداريين ومدرّسين “.

بعد نكبة 1948 بدأت دول الخليج العربي تشهد ازدهارًا نفطيًا واسعًا، وهذا الازدهار راح يجذب الفلسطينيين للعمل لديها مهندسين وإداريين ومدرّسين، خصوصًا بعد الانهماك في إنشاء مصافٍ جديدة للبترول وموانيء لتصدير النفط، وبناء مجمّعاتٍ سكنيةٍ لاستيعاب الوافدين والمواطنين، الأمر الذي أدّى بدوره إلى زيادة الطلب على السلع الاستهلاكية. وفي هذا الميدان، ظهرت فئة من الفلسطينيين شبه ثرية، كالأطباء والمهندسين والمحاسبين والمدرسين والإداريين، بفضل انخراط هؤلاء في أعمال الشركات الكبرى، مثل تايم لايف وشل وتابلاين وشركة نفط العراق IPC، لأن هؤلاء كانوا يتقنون الانكليزية التي احتاجتها تلك الشركات. ولم يكن هؤلاء الأثرياء الجدد من أبناء الأعيان القدامى، كآل الحسيني وطوقان والنشاشيبي والخالدي وعبد الهادي والشوّا والجعبري والمصري، ولم يتحدّروا من الفلاحين والعمال (إلا القليل)، بل تحدّروا من الأبناء المتعلمين للفئات الوسطى الذين عرفوا كيف يستفيدون من التوسع الكبير في النمو الاقتصادي في دول الخليج والمملكة السعودية، ومن الطلب المتزايد على الإسكان والتعليم ومشروعات البنية التحتية، فأصابوا بعض الثروة، واستثمروا مدّخراتهم في المصارف والقطاع العقاري أو التجاري. غير أن هؤلاء “البورجوازيين” الجدد كانوا يفتقدون الأرض، أي الدولة الخاصة بهم، وملحقين بالاقتصادات العربية التي عملوا في نطاقها وخضعوا لقوانينها وشروطها. لذلك كانت فكرة تحرير فلسطين، في البداية، تتلاءم مع معتقداتهم، ثم صارت فكرة “الدولة الفلسطينية” لاحقًا، غير متناقضة مع أفكارهم أو مصالحهم.

أنهت نكبة 1948، إلى حد كبير، النخبة الوجاهية والعائلية القديمة، وأحلّت في مكانها نخبة جديدة من المناضلين وخرّيجي جامعات القاهرة ودمشق وبيروت “.

أنهت نكبة 1948، إلى حد كبير، النخبة الوجاهية والعائلية القديمة، وأحلّت في مكانها نخبة جديدة من المناضلين وخرّيجي جامعات القاهرة ودمشق وبيروت، واستندت على أبناء المخيمات كقاعدة أساس للعمل الفدائي، وعلى الطلبة الجامعيين بصورة رئيسة، وأضافت جديدًا إلى الحياة العامة الفلسطينية من خلال اهتمامها بقطاعاتٍ حديثة، كالطلاب والنساء والعمال والكُتاب والفنانين. وكان جيل ما بعد النكبة، ونُخبه السياسية والنضالية، راديكاليًا غير متصالح مع الاستعمار ومع نتائح نكبة 1948 والاحتلال الاسرائيلي. ومع ذلك كان تقليديًا، إلى حد كبير، في ميادين الثقافة والفكر والاجتماع، لذلك كانت قدرته على تحديث المجتمع، حين تسلم مسؤولية السلطة الفلسطينية في عام 1994 بعد اتفاق أوسلو الموقع في 1993، فقيرة، ولا سيما في الحقلين، الاقتصادي والاجتماعي، وضعيفة على مستوى إدارة المؤسسات والحوكمة، مع أن السلطة الناشئة استعانت بكثير من الخبرات الفلسطينية في شتى البلدان. والنخب الفلسطينية الجديدة تكاد تنحصر اليوم في قادة منظمة التحرير وفصائلها المتخشبة، وفي مسؤولي السلطة الفلسطينية ومديري مؤسساتها وأجهزتهما الأمنية والسياسية، علاوة على ناشطي منظمات المجتمع المدني وجمعيات المجتمع الأهلي والأكاديميين والكتاب والأدباء والإعلاميين، ويضاف إليهم رجال الأعمال والمستثمرون والتجار والمقاولون ورؤساء الغرف التجارية والصناعية، ورجال المصارف والسماسرة والوسطاء والوكلاء التجاريون .. إلخ. وهؤلاء، في معظمهم، نشأوا في غمار الحركة الوطنية الفلسطينية، أو في معمعان بناء السلطة الفلسطينية، وكانوا مسؤولين، بهذا القدر أو ذاك، عما وصلت إليه حال المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ومخيمات الشتات. فها هو المجتمع الفلسطيني الذي كان متوثبًا، ويتطلع إلى المستقبل، تسوده الرثاثة الاجتماعية، ويتذرّر بدلًا من أن يندمج. ومن مظاهر ذلك العودة إلى إعلاء شأن العائلة والعشيرة، وشيوع العياء الاجتماعي لدى النخب السياسية الجديدة كالوجاهة والمفاخرة، وانتشار مسلك جمع الثروة بأي وسيلة. وربما تجيب هذه الحال عن السؤال اللجوج: لماذا انحسرت أفكار التقدّم والتحرر الوطني والحداثة والنهضة والحريات والعدالة الاجتماعية في أوساط الشعب الفلسطيني، وتقدّمت أفكار الانغلاق والتعصب والتكفير والتفكير المشيخي؟ ولماذا خضع المجتمع الفلسطيني، خصوصًا في قطاع غزة، لهذه الاستاتيكية المتخثرة في وحول الماضي، بعدما كان ديناميًا ناهضًا يستمد رؤاه من المستقبل؟ والحقيقة أن بيئة حركة التحرّر الوطني الفلسطينية كانت، في بعض جوانبها، وارثة المجتمع الفلاحي القديم وباتريمونيالية. ومن مظاهر ذلك احتقار الشهادات والألقاب العلمية، ورواج شعارات مثل “القرار ينبع من فوهة البندقية” أو “لعلع يا رصاص واخرس يا قلم” أو “طلقة على الحدود خير من ألف كلمة”. وكان كثيرون من القادة الفلسطينيين يسخر من الانهماك في البحث العلمي أو في كتابة الدراسات الجادة، ويقول: لماذا هذا التعب؟ اليهود أخذوا فلسطين، ونحن سنحرّرها قريبًا، وهذا كل ما في الأمر. وشاعت عبارة مضمونها أن  الحارس في المخيم والمقاتل في القواعد العسكرية أفضل بكثير من الباحث في شارع فردان (المقصود إليه مؤسسة الدراسات الفلسطينية)، أو في رأس بيروت (المقصود إليه مركز الأبحاث). ولعل هذه الرؤية كانت تعكس التضادّ الغريزي القديم بين القرية والمدينة. لكن التجربة الواقعية برهنت خطل هذا الضرب من التفكير؛ فقد غادر الحارس المخيم والقواعد العسكرية في حرب سنة 1982، وترك مواقعه رغمًا عنه من دون حراسة، فيما برهن الباحث والكاتب والإعلامي والأكاديمي والمثقف أنه الحارس الحقيقي لهوية الفلسطينيين ولثقافتهم ولتطلعاتهم نحو الحرية.

المستقبل المنحرف

خضع فلسطينيو 1948 لمسار سياسي مختلف ومنحرف عن المسار الذي سار فيه الفلسطينيون اللاجئون. ومهما يكن الاتفاق أو الافتراق في تجربة اللجوء إلى الخارج، أو التشبث بالبقاء في الداخل، فإن من غير الممكن فهم تجربة فلسطينيي 1948 كما نفهم تجربة أي أقليةٍ تعيش في دولة عادية. وبالتأكيد، لا يمكن اكتشاف تفصيلات واقع هؤلاء الفلسطينيين بالمنهج السردي التاريخي أو الوصفي، بل من خلال الاستقراء العلمي المبني على طرائق بحثيةٍ عابرة للمناهج. وفي الإمكان الانطلاق، في رؤيتنا هذه، من الأسانيد التالية: لقد فَقَد المجتمع الفلسطيني الذي وقع تحت الاحتلال الاسرائيلي في 1948 نُخبه السياسية والثقافية والاقتصادية والعلمية التي أُرغمت على الرحيل نحو الدول العربية المجاورة. وبهذه العملية القهرية القاسية، فقد ذلك المجتمع ترابطه، وما عادت لديه أي مدينة تشدّ أجزاءه. وفقد، إلى ذلك، اقتصاده الزراعي والكفائي، وتحولت البلدات التقليدية كالناصرة وشفاعمرو إلى مدن مزدحمة وظيفتها إيواء العمال والموظفين الفلسطينيين الذين يعملون نهارًا في مشاغل الاقتصاد الاسرائيلي، ويعودون ليلًا ليهجعوا في المنازل المكتظة. وهكذا وجد الفلسطينيون أنفسهم فجأة في مجتمع جديد تمامًا، وتحولوا من كونهم السكان الأصليين للبلاد إلى غرباء، أي أنهم صاروا “بروليتاريا”، لكن من دون مدن أو اقتصاد صناعي. وهؤلاء بلغ عددهم في سنة 1950 إلى نحو 120 ألفًا، وباتوا اليوم على تخوم المليون ونصف المليون نسمة.  وفي خضم هذا الواقع، نشأت طبقة وسطى فلسطينية في سياق هجرة أبناء الأرياف إلى المدن اليهودية للعمل فيها. ومن بين أبناء هؤلاء الريفيين المهاجرين نشأ جيل ممن درس في الجامعات الإسرائيلية، واكتسب مهنًا شتى كالطب والهندسة والمحاماة والتعليم والإدارة والمحاسبة، وهؤلاء هم الذين شكّلوا الطبقة الوسطى الجديدة التي ما برحت معزولةً إلى حد كبير عن الطبقة الوسطى الإسرائيلية، وغير مندمجة بها البتة. ومع ذلك، اللافت أن الأساس الاقتصادي – الاجتماعي للعائلة أو العشيرة أو الحمولة الذي تضعضع في مناطق 1948 جرّاء النكبة، خصوصًا مع انحسار الزراعة القروية إلى أدنى حد، ما برح موجودًا بقوة في القرى الفلسطينية، وهو يتزايد ويعلو في فترات التنافس التي تثيرها الانتخابات المحلية أو البرلمانية. أي أن الانتماء العائلي لم يندثر، بل تغيرت وظيفته. وكانت النخبة التي بقيت في فلسطين في سنة 1948 قد انقسمت قسمين: إما موالية للدولة الصهيونية تبعًا لمصالحها أو الخوف من الطرد إلى خارج الحدود، فاكتسبت ثراء نسبيًا من عملها وسيطًا للوظائف والمعاملات بين الناس والأجهزة الإسرائيلية، ولا سيما الأجهزة الأمنية، أو معادية لإسرائيل بفضل الوعي القومي الذي اكتسبته من خلال العلم، والتدامج مع العرب الآخرين. وإذا كان الموقع الاجتماعي للفرد يتحدّد، تقليديًا، بالانتماء العائلي، وبالنسب، وبملكية الأرض، وأحيانًا بالوجاهة الدينية، فإن الموقع الاجتماعي لدى الطبقة الوسطى الفلسطينية الجديدة، والمشوهة أحيانًا، صار يتحدد بالثراء الذي يتجسد في كثير من الحالات بمسلك البذخ والترف واستعراض المقدرة المالية. وينحرف عن هذه الصورة إيجابيًا كثيرون من النخب المتعلمة المناضلة، والأكاديميون المسيّسون الذين ناضل أباؤهم، في البدايات تحت الحكم العسكري، في سبيل البقاء على أرضهم، وها هم أبناؤهم يناضلون، بوعي شامل، في اتجاهات عدة أبرزها تأكيد هويتهم الوطنية كأصحاب البلاد الأصليين، وانتزاع مكانة سياسية واقتصادية متطابقة مع تاريخهم كشعب خضع بقوة الاحتلال الكولونيالي إلى الطرد وتدمير مجتمعه (أنظر: عزمي بشارة، العرب في إسرائيل:رؤية من الداخل، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2008). غير أن هذه الصورة لم تكن بكامل حسنها، فقد عانى الفلسطينيون “اللاجئون في وطنهم” (أي الذين هُجّروا من قراهم في عام 1948، لكنهم لم يغادروا وطنهم، بل التجأوا إلى بلداتٍ أخرى وقرى مجاورة) التهميش الاقتصادي والاجتماعي، حتى في داخل الجماعة الفلسطينية الباقية، فكانوا لا يملكون أي أرض بعدما اعتبر القيّم الاسرائيلي على أملاك الفلسطينيين أن أراضيهم باتت تخضع لقانون “أملاك الغائبين”. وعدم امتلاكهم الأرض جعلهم في أدنى السلم الاجتماعي، حتى بين الفلسطينيين الواقعين جميعهم تحت الاحتلال، لأن لملكية الأرض شأن مهم في المعيار الطبقي، وفي تحديد المكانة الاجتماعية للأفراد والجماعات. وعلى سبيل المثال، كان أهالي القرى العربية يذهبون، مع عائلاتهم، إلى ما تبقى من حقولهم، بينما هؤلاء اللاجئون في وطنهم لا أملاك لهم ليذهبوا إليها. وكان ذلك يعني اختلافًا مؤلمًا عن بقية أهل القرية الذين نظر بعضهم، وهم قلة في أي حال، إلى هؤلاء على أنهم غرباء عنهم، ودخلاء على المكان، سيما أنهم لم يكونوا ليشاركوا في انتخابات المجالس البلدية ومجالس المخاتير، لأن سجلات نفوسهم في مكان آخر. وقد وقع هؤلاء اللاجئون عند نقطة انقسام مضنية: بين هوية اللجوء الايجابية التي كات ترفع شعار “أنا من هناك”، أي من القرى المهجّرة، وبين هوية اللجوء السلبية التي كانت تهمس بصوت خفيض: “أنا لست من هنا”، الأمر الذي فاقم حدّة الشعور بالغربة والتهميش الاجتماعي. بيد أن النخب الفلسطينية الوطنية الجديدة أزالت، في معمعان النضال ضد التمييز العنصري الإسرائيلي، وفي سبيل ترسيخ الهوية القومية، كثيرًا من مشاعر الاغتراب السلبية، وجعلت الجميع يندرج في مجرى موحّد إلى حد بعيد.

النُخب المعولمة

اندمج الفلسطينيون بقوة في عالم الشبكات الاجتماعية أو المجموعات الشبكية التي اكتشفوا فيها وسيلة حديثة وفاعلة للخروج من الحصار ومن أسر الأحوال الضيقة. وكثير من هذه المجموعات مقصاة سياسيًا في معظم الأحيان، فوجدت ضالّتها في الفأرة ولوحة المفاتيح (الكيبورد)، وتحوّلت مجموعات معولمة، أي أنها قادرة على التواصل مع العالم، وهي تتواصل بالفعل من خلال المؤتمرات والمنتديات وورش العمل، لكنها تتواصل، بدرجة أقل، مع مجتمعها، ولا سيما أنها مجموعات بلا أيديولوجيا وبلا قيادة أو بؤر مركزية. ومن غير الممكن وصف هذه المجموعات بِـ “النخب الجديدة”، فهذا الأمر ليس علميًا في أي حال، لكن هذه المجموعات تنحو في مسلكها السياسي أو الثقافي مسلك النخب المضطربة، أي أنها ترغب في أن يكون لها شأن في القرار السياسي، لكنها غير قادرة على ذلك جراء تكوينها المشرذم. وهذا الواقع يعتبر تبدلًا مثيرًا في تكوين “النخب” الفلسطينية فرضته العولمة المقترنة بالعلم والتكنولوجيا. ولا ريب في أن التقلبات المتتابعة في تاريخ فلسطين الحديث أدّت إلى تغيرات متسارعة في البنى الاجتماعية، وإلى عدم تكوّن نخب فلسطينية ثابتة، علاوة على أن غياب كيان وطني، والخضوع لنظم سياسية متعددة، ولا سيما مصر والأردن، من شأنه أن يجعل تكوين نخبة فلسطينية طبيعية، عملية معقدة ومشوّهة أحيانًا، خصوصًا بعد ما صار الفلسطينيون أشلاء في مناطق 1948 وقطاع غزة والضفة الغربية، ثم الشتات العربي في سورية ولبنان والأردن والعراق ومصر، والشتات الأوروبي الجديد (أنظر: حسن خضر، خصوصية نشوء وتكوين النخبة الفلسطينية، بيرزيت: جامعة بيرزيت، 2003، ص 19).

قصارى القول، كانت حرب 1947 – 1948 ذروة الصدام بين الحداثة الأوروبية التي نشأ في سياقها المشروع الاستعماري الصهيوني والمجتمع التقليدي الفلسطيني بوجهيه المتغايرين: القروي والمديني. وكانت نتائج ذلك الصدام أن الفلسطينيين خسروا وطنهم، فيما أسّس اليهود وطنًا لهم. ومنذ أن توقفت الحرب في فلسطين في سنة 1949، بدأ اليهود يخرجون من ثقافة المنفى والشتات (الدياسبورا)، بينما راح الفلسطينيون ينغمرون في حياة اللجوء والمنافي. وإني لأخشى أن يصبح الوطن لدى الفلسطينيين، جرّاء نضوب النخب السياسية المفكرة والمناضلة (الانتلجنسيا) وضمور فاعليتها وجفاف مخيلتها وقصور تأثيرها، مثل العضو المبتور: يحسّ المرء به ويشعر بوجوده، ويتحسسه أحيانًا، ويعتقد، في لحظاتٍ كثيرة، كأنه ما زال موجودًا، بينما هو في الواقع ما عاد موجودًا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.