سوق النفط في ظل كورونا: الوضع الراهن وتوقعات المستقبل - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

سوق النفط في ظل كورونا: الوضع الراهن وتوقعات المستقبل

0 104

المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية – د. محمد شادي  *- 3/9/2020

تعرضت سوق النفط لواحدة من أكبر الصدمات في تاريخها مع تفشي جائحة كورونا، وما تزامن معها من أحداث أهمها الحرب التجارية الأمريكية مع شركائها، وعلى رأسهم الصين والاتحاد الأوروبي، مضافًا إليها حالة عدم اليقين التي خيمت على الاقتصاد العالمي بشكل عام، وهو ما أسفر عن انخفاض حاد في الأسعار لتصل إلى مستوى 18.3 دولارًا للبرميل في إبريل من العام الجاري، وهو ما يعتبر أدنى مستوى منذ يونيو 1999، وذلك تحت تأثيرات الهلع التي أثرت على شهية الاستثمار المباشر وغير المباشر. وعقب استقرار معدلات تفشي الجائحة أصبحت تتنازع السوق اتجاهات تؤثر في جانبي العرض والطلب، سواء بالرفع أو الخفض، بما يعزز حالة عدم اليقين في سوق الطاقة بشكل غير مسبوق. 

أولًا- العوامل المؤثرة على السعر في الوقت الحاضر

تخضع سوق النفط -كسائر الأسواق- لقوى العرض والطلب، بحيث يتحدد السعر في ظل مجمل تفاعلاتها، لكن ما يميز سوق النفط أنها تعتبر أوسع الأسواق على الإطلاق، إذ يتأثر السعر بأي حادث في محيط الكرة الأرضية بكامله، وذلك لمحورية النفط في الاقتصاد العالمي، سواء كسوق استثمار منفصلة، ومدخل مشترك في إنتاج معظم السلع، أو سلعة التسعير الأساسية للطاقة، وأخيرًا باعتباره المحرك الرئيسي للنشاط الإنساني في عمومه، ففي عام 2019 بلغت حصته 157.8 إكساجول (118) (1 متبوع بـ18 صفرًا) من إجمالي 583.9 إكساجول استخدمتها البشرية بنسبة 33% تقريبًا، ولذلك فإن حصر جميع العوامل التي تؤثر على السعر أمر من الصعوبة بمكان، وفيما يلي أهم هذه العوامل. 

1- جانب العرض:

داخل جانب العرض تتضارب العوامل، بحيث يؤدي بعضها إلى ارتفاع المعروض، وبعضها الآخر يعمل في عكس الاتجاه، ويمكن اختصار أهم التطورات المؤثرة على جانب العرض في أربعة هي:

أ- فقدان السيطرة على الصادرات الليبية، والفنزويلية، والإيرانية:

تكتنف الدول الثلاث (ليبيا، وفنزويلا، وإيران) أحوال سياسية غير مستقرة تؤدي إلى عدم اليقين بشأن كمية الصادرات إلى السوق العالمية، حيث تملك الدول الثلاث في 2019 نحو 41.8% من احتياطيات أوبك، كما بلغ إنتاجها في يوليو 2020 ما إجماليه 2.37 مليون برميل يوميًا منخفضًا من 5.85 ملايين برميل كمتوسط عام 2018، وهو ما يعني أن أكثر من نصف القدرات الإنتاجية للدول الثلاث خارج منظومة الإنتاج لأسباب متفرقة، تتمثل في العقوبات الأمريكية على إيران وفنزويلا، وإغلاق معظم الموانئ النفطية من جانب الجيش الوطني في الهلال النفطي الليبي، ويوضح الجدول التالي متوسط الكميات المنتجة في الدول الثلاث بين عامي 2018 و2020:

جدول رقم (1): تطور الإنتاج من إيران وليبيا وفنزويلا خلال الفترة من 2018 حتى يوليو 2020

يعني ذلك أن هذه القدرات المفقودة قد تعود في أي وقت إلى السوق دون سابق إنذار، أو أن تقدير الكميات المصدرة قد يكون غير صحيح نتيجة اتّباع أساليب غير مباشرة في البيع، وهو ما قد نكون بصدده تحديدًا في حالتي إيران وفنزويلا، حيث أعلن تقدير لمكتب أبحاث الكونجرس الأمريكي مؤخرًا أن الصادرات الإيرانية انخفضت إلى 227 ألف برميل يوميًا فقط في مايو 2020، وهو ما نفته تقارير متوالية صادرة عن شركات تتبع السفن مثل Tanker Trackers تفيد بأن الكميات المصدرة قد تزيد عن 600 ألف برميل يوميًّا. 

ب- ارتفاع مستويات المخزونات العالمية:

يتعلق جانب العرض في جزء منه كذلك بمستوى المخزونات الاستراتيجية لدى الدول المستهلكة، ففي حالة انخفاض هذه المستويات تتجه الدول إلى ملئها، بينما في حالة ارتفاعها يتخذ عكس الاتجاه عن طريق التخلص من الزائد عن الحاجة مما يضع مزيدًا من الكميات المعروضة في السوق، وكانت الفترة الماضية قد شهدت اتجاهات متزايدة من معظم دول العالم إلى رفع مخزوناتها الاستراتيجية نتيجة انخفاض الأسعار لدرجات غير مسبوقة، مما أدى إلى ارتفاع هذه المخزونات إلى أعلى من متوسطها خلال فترة السنوات الخمس الماضية لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وذلك منذ بداية عام 2020 وخاصة خلال الأشهر الثلاثة ما بين أبريل وحتى يونيو 2020. ففي حين بلغ أقصى مستوى في إبريل خلال الفترة ذاتها 3.05 مليارات برميل، بلغ مستوى المخزون في إبريل 2020 مستوى 3.12 مليارات برميل، بزيادة 71 مليون برميل، واستمر الوضع خلال مايو ويونيو الذي بلغت فيه الزيادة 102 مليون عن الحد الأقصى. 

شكل رقم (1): مخزون النفط الخام التجاري والمشتقات الأخرى في نهاية الفترة

تعني الأرقام السابقة أن هناك مخزونًا فائضًا بشدة سيجري التخلص منه، سواء بالاستخدام أو إعادة العرض، وهو ما سيقلل الطلب أو سيرفع الكميات المعروضة وفي جميع الأحوال سيعمل على خفض السعر.

ب- اتفاقات OPEC+:

اتّفقت الدول المصدّرة للنفط الأعضاء في منظمة أوبك وغيرها من خارجها بقيادة روسيا في إبريل 2020، على خفض الإنتاج بمقدار 9.7 ملايين برميل بما يُمثل 10% من الإنتاج العالمي خلال الفترة إبريل – يونيو، للسيطرة على السوق ورفع الأسعار من وضع الانهيار الذي شهدته مع تفاقم الجائحة، وتم تمديد هذا الخفض خلال شهر يونيو لكي يستمر العمل به خلال شهر يوليو، على أن يتم خفض الإنتاج بمقدار 7.7 ملايين برميل يوميًّا حتى نهاية ديسمبر المقبل. ورغم أن الاتفاق أسفر عن خفض فعلي للإنتاج؛ إلا أن بعض الدول انتهكت -وما زالت- اتفاقات الخفض، وعلى رأسها العراق مما يسمح بكميات غير مخطط بوجودها في السوق بالتسرب إليه. 

جدول رقم (2): تطور إنتاج بعض أهم الدول المصدِّرة للنفط

2- جانب الطلب:

يشهد جانب الطلب ذات التضارب الذي يشهده جانب العرض مع اتجاهات أكبر لانخفاضه في المدى المنظور. 

أ- الموجة الثانية من كورونا:

أدت الموجة الأولى من تفشي الجائحة إلى انخفاض شديد للغاية في استخدام الوقود نتيجة انخفاض نشاط الصناعة والتجارة بشكل عام، وهو ما تسبب في انخفاض الطلب على النفط بشكل أساسي، ويوضح الشكل التالي تأثير الصدمة الأولى لكورونا. 

شكل رقم (2): الاستهلاك والإنتاج العالمي من النفط، وتأثير أزمة كورونا على الاستهلاك

ويتضح من الشكل انخفاض الاستهلاك بشكل حاد في الربع الأول 2020 إلى 85 مليون برميل/ يوم، من 101 مليون برميل في الربع الرابع من 2019.

ب- برامج التحفيز الاقتصادي لمواجهة آثار كورونا:

تدخلت الحكومات بعد الموجة الأولى لكورونا لتخفيف آثارها على الاقتصادات، مما أدى إلى حجم كبير من الإنفاق في اتجاه تعزيز واستعادة زخم النشاطين الصناعي والتجاري، وهو ما يجب أن يعزز الطلب على النفط. فعلى سبيل المثال، أعدت الولايات المتحدة الأمريكية في شهري مارس وإبريل حزمة مساعدات بنحو 2.8 تريليون دولار، ويجري الآن التفاوض على حزمة أخرى قد تكون بحجم الأولى، فيما قدمت الصين حزمة بنحو 367 مليار دولار في إبريل، فيما قدمت اليابان مجموعة حزم بنحو تريليون دولار بحلول نهاية إبريل، كذلك فعل الاتحاد الأوروبي بحلول مايو عندما قدم حزمة مساعدات بنحو 860 مليار دولار، ولم تقتصر حزم التحفيز على جانب السياسة المالية، بل شملت أيضًا جوانب السياسة النقدية، وشملت أهم التدخلات خفض أسعار الفائدة والتوسع في شراء الأذون والسندات، وغيرها.

ج- قرب اكتشاف علاج كورونا:

يؤدي تضافر الأخبار حول قرب المؤسسات البحثية من اكتشاف علاج كورونا إلى رفع الطلب على النفط خاصة بالنسبة للعقود الآجلة، وهو ما يُعزز جوانب الطلب بما يرفع السعر.

ثانيًا- توقعات المستقبل:

مع تضافر جميع العوامل السابقة تذهب معظم التوقعات، وعلى رأسها توقعات وكالة إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، إلى أن تعافي الطلب سيبدأ من الربع الثالث من عام 2020 قبل أن يصل إلى مستويات ما قبل الأزمة بحلول الربع الثالث من 2021، على أن يتوازن السوق مجددًا في الربع الرابع من العام، كما يوضح الشكل التالي:

شكل رقم (3): توقعات وكالة إدارة معلومات الطاقة الأمريكية الإنتاج والاستهلاك من النفط في المدى القصير.

وبناء على هذه الاتجاهات أصدرت عدة مؤسسات توقعاتها للأسعار خلال عامي 2020 و2021 على نحو ما يوضح الجدول التالي:

جدول رقم (3): توقعات بعض المؤسسات الدولية لأسعار خام برنت في عامي 2020-2021

ويتضح من الجدول أن جميع التوقعات تصب في الاتجاه نفسه من حيث الاتجاه إلى الارتفاع، حيث يعمل التوازن السابق الإشارة إليه على رفع السعر.

مما سبق يتضح أن سوق النفط تتجاذبها العديد من المؤثرات السياسية والاقتصادية بل وحتى الصحية، وأن هذه المؤشرات تنقسم أساسًا إلى محورين للعرض والطلب، وداخل كل منهما تتفاعل عوامل فرعية أخرى يؤدي بعضها إلى خفض العرض أو الطلب، لكن مجمل هذه المؤشرات الفرعية والأساسية تدفع في اتجاه تعافي السوق بداية من الربع الثالث من العام 2020 قبل أن يصل السوق لنقطة توازن بنهاية 2020، وهو ما يتوقع معه ارتفاع الأسعار في 2021 عن العام الجاري.

*د. محمد شادي ، باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة .

  عن المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

9

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.