سهيل كيوان يكتب - عربي إسرائيلي أصله الهواء.. - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

سهيل كيوان يكتب – عربي إسرائيلي أصله الهواء..

0 66

سهيل كيوان 14/10/2020  

“إسرائيلي من أصل عربي”، تعريف قرأته أكثر من مرّة، وذلك في سياق خبر عن شخص عربي من الفلسطينيين العرب الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية، مثل الفنانين الذين كانوا يشتركون في مسابقات الغناء العربية، أو في أفلام سينمائية، ولاعبي كرة قدم مشهورين يوقّعون للّعب مع فرقٍ أجنبية، مثل مؤنس دبّور وضياء سبع وغيرهما، وعادة ما يأتي هذا التوصيف والتعريف في نهاية الخبر بصيغة: “ويذكر أن مؤنس -أو ضياء- هو إسرائيلي من أصل عربي”.

هذا التعريف يستعمل عادة لشخص أصبح مواطنًا في دولة ما، بعدما هاجر إليها أو هاجرت أسرته إليها منذ عقود أو قرون، كأن تقرأ مثلا بأن رئيس الأرجنتين الأسبق، كارلوس منعم، ينحدر من أصل سوري، أي أن أسرته هاجرت إلى الأرجنتين منذ زمن ما، واستوطنت وتجنّس أبناؤها فأصبحوا أرجنتينيين مثل غيرهم من المواطنين، وصحيح بالنسبة للأميركيين، الذين ينحدر معظمهم لأسر هاجرت وأتت من مكان ما من كل مكان في العالم، باستثناء سلالة ما يعرفون بالهنود الحمر، فهم السكان الأصليون في أميركا، وهو توصيف ينطبق على الإسرائيليين، فيقال إن فلانًا يهودي إسرائيلي من أصل أميركي أو أوروبي أو من إحدى الدول العربية أو أي بقعة من العالم، أما من ينحدرون لأسر يهودية وُلدت في فلسطين، فيقال عنهم ببساطة، “التساباريم”، نسبة إلى نبتة الصبّار المنتشرة في البلاد، في البداية أطلقها المهاجرون الجُدد من أوروبا على اليهود الفلسطينيين على سبيل السخرية، ثم صار كل مولود يهودي في فلسطين، وبعدها في دولة إسرائيل يسمّى “تساباري” حتى لو كان والده من روسيا أو غيرها، أي أن أبناء ليبرمان المولدافي الأصل مثلا يعتبرون في الإحصاء الإسرائيلي “تساباريم”.

أما وصف العربي بأنه “إسرائيلي من أصل عربي”، فهو لا ينطبق علىالعرب الفلسطينيين في إسرائيل لأنهم لم يقطعوا آلاف الكيلومترات كي يأتوا ويستوطنوا فيها، بل هم ورثة لمن ولدوا فيها جيلا بعد جيل منذ قرون عديدة، وتصل سلالات بعضهم إلى ما قبل الإسلام، إذ أن بلاد الشام وكذلك سيناء ومصر كانت مأهولة بقبائل عربية قبل الإسلام، وقصص التوراة تشهد على ذلك، وعلى تجارة بين آباء اليهودية وبين أسماء عربية مثل أبي مالك.

القادم الجديد هو الطارئ على المكان، هو المتنقل، ولهذا يُذكّرون الناس بأصله بهدف التوضيح، مثل باراك أوباما الرئيس الأميركي من أسرة تنحدر من أصل كيني.

بمجرد حصول المهاجر إلى أميركا أو الأرجنتين أو غيرها على الجنسية، يحصل على جميع حقوق المواطن، ويتساوى أمام القانون في الحقوق والواجبات مع من سبقوه إلى هذا البلد، ويمكن له الوصول إلى رئاسة الدولة وجميع المواقع الحسّاسة فيها، بما فيها وزارة الدفاع وأزرار القنبلة النووية.

أما العربي الفلسطيني فهو لا يُعامَل كمواطن متساوٍ في الحقوق، بل هو في حالة تناقض وصراع، وتُعامِلُه الدّولة التي يحمل جنسيتها كغريب غير مرغوب فيه، وتعمل على نزع أصله وتعزيز شعوره بالاغتراب عن وطنه، برفضها الاعتراف بانتمائه القومي، وحتى الجغرافي بعدما محت اسم موطنه الأصلي فلسطين، وسيطرت عليه وغيّرت اسمه، ويبادر مسؤولوها إلى اقتراحات تبادل سكاني بهدف التخلص منه، وهو يشكل عقبة ويجعل المسؤولين في حالة قلق مما يسمونها المشكلة الديمغرافية المرتبطة به، وبعدد أبنائه وبحبوب منع الحمل واللولب.

أتفّهم صحافة الغرب والصحافة الإسرائيلية عندما تصف فلسطينيا في إسرائيل، بأنه إسرائيلي من أصل عربي، فهم بهذا يطبقون سياسةً تعتبر علاقة العرب بالدولة هي قضية إسرائيلية داخلية، أما أن تمارس هذا وسائل إعلام عربية لدى بعضها تأثير كبير على الأجيال العربية الصاعدة، ففي هذا تضليل متعمّد، وهو تنكّر لأهل البلاد الأصليين، وتنصل من المسؤولية، وتسليم تام بأنه لا علاقة للشعب الفلسطيني بهذه البلاد!

وهو إنكار لوجود مشكلة يعاني منها هؤلاء العرب، وهو تعبير يُقصد به عزلهم عن امتدادهم القومي، فهم إسرائيليون من أصل عربي، فما شأن العرب بهم؟

هذه التسمية ليست ساذجة، بل عميقة، ويُقصد منها التنكّر لوضعهم كأقلية قومية عربية فلسطينية أصلانية. هذا التوصيف يذكر كلمة عربي ويتجاهل الفلسطيني، لأنه إذا كان فلسطينيًا، فهو ينتسب إلى مكان اسمه فلسطين، وإلى شعب اسمه الشعب الفلسطيني، ولكن عندما يكون إسرائيليًا من أصل عربي، فهو هوائي، الله يعلم من أين أتى هذا العربي ليستوطن في “أرض إسرائيل”، كذلك فإن الدولة لا تصنّف هؤلاء العرب بـ”تساباريم” لأن هذا اللقب يطلق على اليهود فقط.

هذا التوصيف يعني قطع الجذور، وتفتيت شعب، وتجاهل لوجود قضية قومية تجمع الفلسطينيين كلهم!

لا أيها الأخوة إنهم ليسوا هوائيين!

إنهم العرب الفلسطينيون أهل البلاد الأصليون ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية، أما حول ظروف حمل هذه الجنسية، فتلك هي قصة إبريق الزيت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.