أقلام وأراء

سميح صعب: مودي يخذل أميركا ويعمّق العلاقات مع روسيا

سميح صعب 10-7-2024: مودي يخذل أميركا ويعمّق العلاقات مع روسيا

أن يقصد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي روسيا في أول رحلة خارجية له منذ توليه رئاسة الوزراء للمرة الثالثة الشهر الماضي، فتلك دلالة إلى الأهمية الكبيرة التي لا تزال نيودلهي توليها للعلاقات التاريخية مع موسكو، على رغم كل الإغراءات الأميركية لمودي للابتعاد عن الكرملين في زمن الحرب الروسية-الأوكرانية.

من مقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نوفو أوغاريوفو إلى الكرملين، كانت ثمة حفاوة كبيرة بـ”الصديق العزيز”، موجهة إلى قادة الغرب الذين كانوا يحتفلون بالتزامن في واشنطن بمرور 75 عاماً على تأسيس حلف شمال الأطلسي، للقول لهم: أخفقتم في عزل روسيا.

المكاسب المتبادلة بين روسيا والهند تتجاوز التحفظات الغربية، وتبعث برسائل في كل الاتجاهات للخصوم والحلفاء على حد سواء.

وبخلاف ما يتوخاه بايدن، تثبت زيارة مودي أنه ما دام هناك دول بحجم الهند والصين تمضيان في توثيق شراكتهما الاقتصادية مع روسيا، فإن ذلك يفرغ العقوبات الغربية من مضمونها إلى حد كبير، ويوفر رافداً مالياً للكرملين يعوض ما فقده بسبب الحظر الغربي.

أحجمت الهند عن التنديد بالهجوم الروسي على أوكرانيا، وامتنعت عن التصويت على القرارات التي دانت موسكو في الأمم المتحدة. ولا تزال المشتري العالمي الثاني، بعد الصين، للنفط الروسي والمستورد الأول للأسلحة الروسية.

وارتفعت مبيعات النفط الروسي للهند من 2.5 مليار دولار في عام 2021 إلى 46.5 مليار دولار في 2023، وفق بيانات وزارة التجارة الهندية. وتشتري الهند النفط الروسي بأسعار لا تتجاوز 60 دولاراً للبرميل، وهو السقف الذي حددته مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، في محاولة للحد من الموارد المالية للكرملين.

وتجاهلت الهند مناشدات أميركية كي تنأى بنفسها عن الأسلحة الروسية. بل إن التعاون العسكري هو الآخر في ازدياد. والأسبوع الماضي، أعلنت شركة “روستك” الروسية العملاقة للأسلحة أنها في صدد إنتاج ذخائر مضادة للدبابات في الهند، من أجل تزويد الجيش الروسي بها. والمفاعلات النووية الهندية تعمل بالوقود الروسي بينما البرنامج الفضائي الهندي يحتاج إلى الخبرات الروسية في هذا المجال.

وفي ثنايا الزيارة، رغبة من مودي في التأكيد لبوتين، أن نيودلهي لم تغرق تماماً في أحضان الغرب، على رغم أن التعاون الهندي-الأميركي بلغ أعلى المستويات منذ عقود، وفق ما نقلت صحيفة “الواشنطن بوست” عن محللين هنود. وفي الوقت نفسه، يرمي مودي من التمسك بـ”العلاقات الاستراتيجية الخاصة والمميزة” مع موسكو، إلى إقناع بوتين بعدم تسليم كل أوراقه للصين التي يقيم مع رئيسها شي جينبينغ “شراكة بلا حدود”. وهذا يقوي موقع روسيا في قلب هذه الشراكة. كما أن من المفيد لبوتين أن يستعرض تمتعه ببعض الاستقلالية في علاقاته مع دول أخرى، وفي مقدمتها الهند، المنافس الآسيوي للصين، من دون نسيان الزيارة التي قام بها الرئيس الروسي لبيونغ يانغ الشهر الماضي، على رغم عدم ملاقاتها بالارتياح في بكين.

هذه العلاقة المثلثة، تتيح لبوتين تحقيق توازن وإثبات أن روسيا لا تعتمد كلياً على قوة بعينها.

ولم ينسَ مودي الإشارة بحنين إلى تاريخ العلاقات الهندية-الروسية قائلاً: “إن الحديث عن روسيا يذكر كل هندي بحليف وقف معنا في الأوقات الجيدة والسيئة على حد سواء، كصديق موثوق للهند”.

ومن زيارة بوتين للصين في أيار (مايو) إلى زيارة مودي لموسكو، يزداد إحباط الولايات المتحدة وأوكرانيا من الصين والهند. ولم تخف واشنطن قلقها من زيارة مودي لروسيا، بينما أبدى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي “خيبة أمله” من معانقة رئيس وزراء “أكبر ديموقراطية في العالم” لبوتين، في اليوم الذي أمطرت فيه الصواريخ والمسيّرات الروسية كييف ومدناً أوكرانية أخرى، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 شخصاً.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى