أقلام وأراء

سميح صعب: أميركا ماضية في حرب استنزاف روسيا

سميح صعب 26-08-2022

مع دخول الحرب الروسية – الأوكرانية شهرها السابع، لا تزال إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تظهر التصميم نفسه على مساعدة أوكرانيا على التصدي للهجوم الروسي ومنع الرئيس فلاديمير بوتين من تحقيق أهدافه من وراء الغزو، وتالياً الدفاع عن النظام العالمي القائم منذ أكثر من ثلاثة عقود. 
حتى الآن، بعثت واشنطن بأكثر من تسعة مليارات دولار من المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وأكثر من 40 مليار دولار حزمة مساعدات اقتصادية أقرها الكونغرس في الربيع الماضي. وتأمل إدارة بايدن، عن طريق تجهيز الجيش الأوكراني بمدافع هاوتزر وراجمات “هيمارس” ومسيرات مفخخة، أن تحدث فارقاً في الميدان. وفعلاً، بدأ القادة العسكريون الأميركيون يشيدون “ببراعة” الجنود الأوكرانيين في استخدام السلاح الأميركي المتطور، وفي تمكنهم من وقف التقدم الروسي في الأسابيع الأخيرة. 
ومنذ اليوم الأول للحرب، الخط الأحمر الوحيد الذي رسمه بايدن هو إرسال قوات أميركية للقتال على الأرض إلى جانب الجيش الأوكراني. أما ما عدا ذلك، فإن واشنطن لا تضع قيوداً على نوعية السلاح المرسل إلى كييف ولا على الكمية المرسلة، وترهن إرسال أنواع جديدة منه، بالسرعة التي يمكن أن يتدرب فيها الأوكرانيون عليها. وباتت صواريخ “جافلين” المضادة للدروع بمثابة الأسطورة في أوكرانيا، نظراً إلى فاعليتها في مواجهة المدرعات الروسية التي وصلت إلى ضواحي كييف. ولا تبخل الاستخبارات الأميركية في مشاركة نظيرتها الأوكرانية في ما تملكه من معلومات عن الأهداف العسكرية الروسية.
ويقف الكونغرس بمعظمه إلى جانب بايدن في تقديم المزيد من المساعدات، في حين أن ثمة تذمراً لدى الرأي العام الأميركي من موجة التضخم التي ترافقت مع العقوبات الأميركية غير المسبوقة على روسيا، ومنها حظر استيراد أي نوع من المشتقات النفطية ذات المصدر الروسي، رغم تواضع الكميات المستوردة. لكن ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحظر الأوروبي على استيراد الطاقة الروسية، دفع بالأسعار في الولايات المتحدة إلى الارتفاع. كما أن الإدارة الأميركية كانت مضطرة إلى السحب من المخزون الإستراتجي كي تهدئ الأسواق في ظل رفض دول “أوبك” رفع إنتاجها بكميات كبيرة.   
إذاً، تخوض إدارة بايدن الحرب مع روسيا بالوكالة، عبر تزويد أوكرانيا بالسلاح والمال. كما أنها تمارس ضغوطاً على حلفائها الأوروبيين كي يظهروا مزيداً من التماسك في مواجهة ما يصفه الرئيس الأميركي بـ”حرب بوتين”، ويحضّهم على إرسال المزيد من السلاح والمال إلى كييف، فضلاً عن فرض المزيد من العقوبات على الكرملين، رغم أن دول الاتحاد الأوروبي تدفع غالياً ثمن الفطام عن مصادر الطاقة الروسية، وصناعات كثيرة مهددة بالتوقف وسط قلق جدي من الدخول في ركود اقتصادي.   
وفي المقابل، اتخذ بايدن سلسلة من الخطوات العسكرية لطمأنة الحلفاء في الناتو، من أن أميركا لن تتخلى عنهم في هذه الحرب. وعززت القوات الأميركية في أوروبا وجودها بعشرات آلاف الجنود والعتاد الحربي من القاذفات إلى الصواريخ.   
ويعتقد بايدن أنه رغم التقدم الروسي على الأرض، فإن القتال تحول حرب استنزاف لروسيا، التي يعتقد أنها ستخرج من الحرب وهي أضعف مما كانت قبل 24 شباط (فبراير) الماضي، بينما الغرب سيخرج أقوى مع تخلي فنلندا والسويد عن حيادهما والانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، فضلاً عن الوحدة غير المسبوقة عبر ضفتي الأطلسي، والتي كانت قد تضررت على نحو غير مسبوق في ظل رئاسة دونالد ترامب.   
نجح بايدن في إظهار روسيا على أنها “التهديد الأكبر” للغرب، وتالياً تبددت تلك المحاولات لبناء علاقات أوروبية – روسية مستدامة، بسبب تضارب الرؤى الاستراتيجية بين الجانبين.   
وأوروبا ترتمي اليوم في الحضن الأميركي كما لم تفعل منذ عقود، بينما تقدم الولايات المتحدة نفسها مدافعاً عن النظام العالمي الذي يتربع الغرب على عرشه.

 

 

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى