سليم سلامة يكتب - دراسة جديدة : صحيفة "يسرائيل هيوم" أداة في يد نتنياهو ساعدته على البقاء في رئاسة الحكومة - مركز الناطور للدراسات والأبحاث
Take a fresh look at your lifestyle.

سليم سلامة يكتب – دراسة جديدة : صحيفة “يسرائيل هيوم” أداة في يد نتنياهو ساعدته على البقاء في رئاسة الحكومة

0 74

سليم سلامة 15/9/2020

من الصعب الادعاء بأن الأمر كان في حاجة إلى دراسة علمية معمقة وشاملة كهذه. ورغم ذلك، تقدم هذه الدراسة الجديدة ـ الأولى من نوعها في إسرائيل ـ مساهمة جدية في سبر أغوار الحقيقة المعروفة عن مدى تأثير صحيفة “يسرائيل هيوم” (“إسرائيل اليوم”) التي تُوزَّع مجاناً على أنماط التصويت في انتخابات الكنيست الإسرائيلي وعلى صورة الحكم في إسرائيل والتشكيلات السلطوية المسيطرة على مقاليد السلطة فيها خلال العقد الأخير، على الأقل، أو كما يقول يوتام مرغليت، أحد الباحثين الذين أعدوا هذه الدراسة: “لا يمكنني القول إن صحيفة “يسرائيل هيوم” هي التي أبقت بنيامين نتنياهو على سدة الحكم خلال العقد الأخير، لكنها قدمت له مساعدة كبيرة في ذلك، على أقل تقدير”، بينما يجمع مراقبون ومحللون سياسيون إسرائيليون كثيرون على أن تأثير هذه الصحيفة على المنظومة السياسية ـ الحزبية في إسرائيل هو “تأثير دراماتيكي”.

ينبغي التأكيد، استدراكاً، أن هذا التقدير الذي يجمع عليه كثيرون من المراقبين والمحللين يختلف، جوهرياً، مع خلاصات توصلت إليه أبحاث عديدة أجريت في أنحاء مختلفة من العالم خلال عشرات السنوات حول مدى تأثير وسائل الإعلام على أنماط تصويت المواطنين في دول مختلفة، إذ بينت أن تأثيرها محدود، بل محدود جداً لدرجة أنه يكاد يكون معدوماً تماماً في معظم الأحيان، وذلك لأسباب عديدة ومختلفة يكفي أن نشير إلى ثلاثة من أبرزها باقتضاب: الأول ـ أن المصوتين، في غالبيتهم الساحقة، يختارون في العادة، وبدون علاقة مباشرة بعملية التصويت، صحيفة أو قناة تلفزيونية محددة تنسجم مع توجهاتهم ومعتقداتهم السياسية. وهم لا يبحثون في وسيلة الإعلام المحددة هذه، في الغالب، عن الحقائق الموضوعية أو عما يمكن أن يتحدى قناعاتهم ومعتقداتهم، بل العكس تماماً ـ يبحثون ما يؤكد تلك القناعات والمعتقدات الراسخة لديهم. الثاني ـ حين تكون وسيلة إعلام ما منحازة سياسياً، لصالح طرف سياسي معين، يستطيع الجمهور/ الناخبون، إجمالاً، تبيّن ذلك بسهولة ثم اتخاذ موقف (مسبق) من أية مادة صحافية تقدمها، سواء كانت إخبارية أو تحليلية، تبعاً لمواقفهم هم، قناعاتهم ومعتقداتهم. الثالث ـ أن جزءاً كبيراً من النماذج والتشكيلات الاقتصادية السياسية في مجال الإعلام ووسائله تفترض، ابتداءً، أن المنافسة والمحفزات التي تُنتجها ديناميات السوق من شأنها إقصاء وسائل الإعلام المتحيزة إلى خارج دائرة التأثير.

صحيفة الليكود ونتنياهو شخصياً، بامتياز

يوتام مرغليت (من جامعة تل أبيب) كان شريكاً، مع باحثين آخرين هما تمار ميتس (من جامعة كولومبيا) وغاي غروسمان (من جامعة بنسلفانيا)، في إنجاز دراسة مشتركة هي الأولى من نوعها في إسرائيل كما أسلفنا، نشرت مؤخراً، تحت عنوان “ملكية وسائل الإعلام كاستثمار سياسي: يسرائيل هيوم نموذجاً”، وتركزت في بحث مدى وأشكال تأثير “يسرائيل هيوم”، الصحيفة اليومية المجانية التي أسسها الزوجان اليهوديان الأميركيان مريم وشيلدون إدلسون وبدأ صدورها اليومي المنتظم في إسرائيل يوم 30 تموز 2007 ثم سرعان ما أصبحت تحتل ـ ابتداء من العام 2010 ـ المرتبة الأولى في تدريج انتشار الصحف الإسرائيلية. وقد أضيف إلى الصحيفة الورقية لاحقاً موقعان إخباريان أحدهما باللغة العبرية والآخر باللغة الإنكليزية.

يشير الباحثون في مستهل دراستهم إلى أن ما يهم مالكي وسائل إعلام كهذه هو، بالدرجة الأولى، التأثير السياسي، وليس الربح المادي. وتؤكد حالة “يسرائيل هيوم” هذا الاستنتاج، إذ سجلت هذه الصحيفة منذ إنشائها وحتى اليوم خسائر مالية تقدر بما يزيد عن مليار شيكل.

الاستنتاج المركزي الأول الذي توصلت إليه هذه الدراسة هو أن صحيفة “يسرائيل هيوم” مارست تأثيراً ملحوظاً، بل ملحوظاً جداً، على أنماط التصويت في إسرائيل وأنها استطاعت “نقل” عدد من المقاعد البرلمانية (يتراوح بين اثنين وثلاثة مقاعد، على الأقل) نحو اليمين، وخصوصاً لصالح حزب الليكود بزعامة نتنياهو، خلال المعارك الانتخابية البرلمانية العامة الثلاثة قبل الأخيرة على وجه الخصوص. معنى ذلك أن الدراسة وجدت علاقة سببية واضحة بين تأثير “يسرائيل هيوم” وبين التصويت لصالح حزب الليكود، ولو على حساب أحزاب يمينية أخرى.

أما الاستنتاج المركزي الآخر الذي توصلت إليه الدراسة فكان أن “يسرائيل هيوم” هي الوسيلة الدعائية/ التحريضية الخاصة ببنيامين نتنياهو شخصياً وأن الانكشاف على هذه الجريدة أدى، في المحصلة، إلى زيادة التأييد لنتنياهو.

وثمة خلاصة ثالثة توصل إليها الباحثون تجزم بأن تأثير “يسرائيل هيوم” على أنماط التصويت في إسرائيل كان أكبر وأكثر وضوحاً في البلدات التي يمكن اعتبارها “متوازنة” نسبياً من الناحية السياسية، بمعنى أنها ليست محسوبة كلياً على جناح ما في الخارطة السياسية ـ الحزبية الإسرائيلية، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من نتائج التصويت في الجولات الانتخابية البرلمانية السابقة.

ينوه الباحثون الثلاثة إلى أنه بالرغم من اطلاعهم على الدراسات التجريبية والنماذج المختلفة الخاصة بتأثير وسائل الإعلام على أنماط التصويت ـ وهو ما شكل أحد دوافعهم المركزية لإجراء دراستهم هذه ـ إلا أن ثمة شكوكاً كانت تساورهم بأن حالة “يسرائيل هيوم” تختلف عن كل ما سواها، وذلك لسببين مركزيين: الأول ـ أن الزوجين اللذين يمولان إصدار هذه الصحيفة منذ يومها الأول وحتى يومنا هذا، مريم وشيلدون إدلسون، لم يكونا يبحثان عن جني أي ربح مادي من وراء إصدارها ولم يطمحا إلى ذلك، مطلقاً. والثاني ـ أن النموذج الذي اختاراه لتحقيق التأثير المرغوب والمرجو قد حقق لهما مبتغاهما بالفعل على أرض الواقع. أما النموذج المقصود هنا فهو: توزيع الصحيفة اليومية بالمجان طوال كل هذه السنوات.

وقد شملت هذه الدراسة متابعة وتقييم المعطيات المختلفة حول توزيع الصحيفة ومدى انتشارها، ثم نتائج التصويت في مناطق مختلفة في إسرائيل، إلى جانب تقصي التغطية الصحافية التي اتبعتها هذه الصحيفة على مدى اثني عشر عاماً منذ بدء صدورها يومياً وفي مركزها الانحياز الواضح لليكود كحزب ولنتنياهو شخصياً واعتماد أجندة تخدمه بصورة شخصية مباشرة.

من الناحية التقنية، اعتمد الباحثون هنا برمجية حوسبية تستطيع قراءة المصطلحات والتعابير السياسية المستخدمة في التغطية الصحافية، الإخبارية والتحليلية على حد سواء، وتحديد مدى انحيازها السياسي لجناح معين في الخارطة السياسية ـ الحزبية، وذلك من خلال مقارنتها بمصطلحات وتعابير وردت في البرامج الانتخابية التي أصدرتها الأحزاب السياسية المختلفة في إسرائيل. وإضافة إلى ذلك، استعان الباحثون الثلاثة بمساعدي بحث قاموا، بصورة مستقلة ومنفردة، بإجراء مسح شامل للصفحة الأولى من الأعداد التي صدرت من هذه الجريدة يومياً على مدار سنوات عديدة، إلى جانب التدقيق في العناوين واستعراض المواد الصحافية المنشورة وتحديد الجهة السياسية ـ الحزبية التي تميل إليها وتروج لها.

الواقع معاكس للتقييمات

المجموعتان الرئيسيتان اللتان يمكن للصحيفة ـ أية صحيفة ـ أن تمارس التأثير عليهما، عادةً، هما: الجمهور الواسع ـ سواء كان من الناخبين أو المستهلكين، بصورة أساسية ـ وصنّاع القرارات، أي النخب السياسية والاقتصادية.

في هذا الشأن، درج السياسيون، المسؤولون الإداريون في الأجهزة الرسمية المختلفة، رجال الأعمال، الأكاديميون، المثقفون والصحافيون ـ بصورة عامة ـ على الاستهزاء بصحيفة “يسرائيل هيوم”، الاستهتار بها والحط من شأنها ومن قدرتها على التأثير. لكنّ الباحثين الثلاثة بيّنوا في دراستهم هذه واقعاً معاكساً تماماً لتلك التقييمات “العلمية” و”المهنية”، ظاهرياً: تأثير هذه الصحيفة على الجمهور الواسع في إسرائيل كان كبيراً جداً، نسبياً، ويفوق كل تلك التقييمات بكثير. ذلك أن قطاعات واسعة جداً من المواطنين، العاديين أساساً لكن ليس فقط، الذين لم يكونوا من قراء الصحف، لم يكونوا يأبهون بها والأهمّ ـ لم يكونوا مستعدين لشرائها ودفع ثمنها مقابل الاطلاع على ما فيها، أصبحوا فجأة من قراء الصحف وانضموا إلى دائرة مستهلكيها حين أتيحت لهم إمكانية الحصول على “يسرائيل هيوم” في كل مكان تقريباً، في الشارع، في محطة القطارات، في محطة الباصات، في المستشفيات وفي قائمة لا نهائية من المواقع والمؤسسات و… بصورة مجانية، دون أي مقابل مالي.

هكذا أصبحت “يسرائيل هيوم”، ابتداء من العام 2010، أي بعد ثلاث سنوات فقط على بدء صدورها، الصحيفة الأكثر والأوسع انتشاراً في إسرائيل، بعد أن كانت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أولاً ثم مجموعتها الإعلامية الواسعة تالياً تتربع على صدارة هذه القائمة منذ قيام الدولة دون منازع.

من هنا، يشير الباحثون إلى احتمال أن يكون تقديرهم بشأن “نقل مقعدين أو ثلاثة إلى الليكود” تقديراً ناقصاً لا يعكس الواقع الحقيقي بدقة، إذ ثمة مجموعة ثالثة ـ ولو أنها صغيرة تشمل بضع عشرات من الأشخاص ـ مارست هذه الصحيفة عليها الدرجة الأعلى والأخطر من التأثير، وهي: مجموعة مالكي وسائل الإعلام المركزية في إسرائيل (وهي، في غالبيتها الساحقة، بملكية خاصة)، أصحاب الرساميل والسياسيين الأكثر تأثيراً في إسرائيل.

فقد كان دخول صحيفة “يسرائيل هيوم” إلى سوق الإعلام (والتجارة) الإسرائيلية، برأس مال أميركي داعم لها (هو رأسمال الزوجين إدلسون) بلغ ما يزيد عن 30 مليار دولار، من وجهة نظر هذه المجموعة، بمثابة زلزال أحدث تغييراً جوهرياً عميقاً في تشكيلة وتركيبة القوى الفاعلة في المنظومة السياسية ـ الحزبية الإسرائيلية. ولا بد من الإشارة السريعة هنا إلى أن هذا الواقع المستجد كان المحرّك الأساسي والموضوع المركزي للاتصالات الحثيثة التي جرت بين رئيس الحكومة، نتنياهو، ومالك مجموعة “يديعوت أحرونوت”، أرنون (نوني) موزِس، والتي تدحرجت إلى تحقيقات جنائية مع كليهما عُرفت بـ “ملف 2000” وانتهت في نهاية المطاف إلى قرار المستشار القانوني للحكومة، أفيحاي مندلبليت، في تشرين الثاني 2019، تقديم لائحة اتهام جنائية ضد كليهما ـ بتهمة الغش وخيانة الأمانة ضد رئيس الحكومة، نتنياهو، وبتهمة محاولة إعطاء الرشوة ضد موزِس. وقد بدأت محاكمتهما في أيار الأخير. وإذا ما أردنا مزيداً من التوضيح في هذا الشأن، فبالإمكان الجزم بأن التهمة الجنائية الموجهة إلى موزِس (محاولة رشوة رئيس الحكومة نتنياهو) تشكل أفضل دليل على عمق المأزق الحاد الذي أدخلت صحيفة “يسرائيل هيوم” موزِس إليه، من جميع النواحي ـ الاقتصادية، السياسية (قدرته على التأثير على صناع القرارات، بل التحكم بأدائهم، إلى حد كبير) والإعلامية.

التأثير السياسي هو الهدف الأساس

وضعت صحيفة “يسرائيل هيوم” حداً نهائياً للواقع الذي استمر وتكرس في اسرائيل لسنوات طويلة جداً: رجل أعمال واحد، هو أرنون موزِس، صاحب رأسمال كبير، لا يأبه بأي شيء، لا بالأحزاب ولا بسياساتها، يمينها أو يسارها، ولا بالصحافة أو الديمقراطية، وإنما جل ما يهمه هو أمر واحد فقط ـ المال والمزيد من المال الذي يمنحه القوة والقدرة على التأثير السياسي.

في ظل هذا الواقع، وفي أعقاب الدورة الأولى من توليه رئاسة الحكومة في المرة الأولى (من حزيران 1996 حتى تموز 1999)، أيقن نتنياهو إنه إذا كان يريد العودة إلى رئاسة الحكومة، فسيكون ملزماً بعقد تحالفات مع وسائل الإعلام القائمة أو باستحضار لاعبين جدد إلى هذا الملعب يكونون في صفه وداعمين له.

الرواية التي يسردها أنصار نتنياهو في هذا الصدد تقول إن دخول “يسرائيل هيوم” إلى ملعب الصحافة الإسرائيلية في العام 2007، ثم ما تبع ذلك من بروز عدد من الصحافيين اليمينيين المؤيدين لنتنياهو، سواء في القنوات التلفزيونية أو في الإذاعات أو في الصحف المطبوعة، ثم الانتقال السريع والعلني في العديد من وسائل الإعلام هذه إلى التوجهات اليمينية المتعصبة، سياسياً وقومياً، كان بمثابة “إصلاح غبن تاريخي”، كما يصفونه، استمر لسنوات عديدة جداً كانت “وسائل الإعلام اليسارية” تسيطر خلالها على مختلف المنصات الإعلامية في إسرائيل.

في المقابل، تقول رواية معسكر المعارضين لنتنياهو إن هذه الظواهر هي دليل إضافي آخر على أن رئيس الحكومة، نتنياهو، قد فقد جميع الكوابح والضوابط ويسعى إلى الاستيلاء الفعلي على المؤسسات الديمقراطية تمهيداً لتفكيكها نهائياً وأنه “اشترى نتائج الانتخابات العامة والسلطة في إسرائيل خلال العقد الأخير، بأموال ثريّ أميركي”.

لكن الحقيقة أن المنافسة، أو الصراع، بين “يديعوت أحرونوت” و”يسرائيل هيوم” ليست على الآراء والأفكار حقاً، وإنما ـ وإن ظهر كذلك في كثير من الأحيان، فهو ليس إلا غطاء تسويقياً للمنافسة والصراع الحقيقيين ـ على السلطة، القوة والتأثير. ومن هنا، يشير الباحثون إلى أن كثيرين من صحافيي اليمين الذين أدخلهم نتنياهو شخصياً إلى وسائل الإعلام، المرئية والمسموعة والمقروءة، من خلال شيلدون إدلسون وبواسطته، هم “صحافيو بيبي” (نتنياهو) المستعدون لشن الهجوم على اليسار، كما على اليمين أيضاً، إن كان الأمر يخدم مصالح نتنياهو الشخصية الضيقة. وبذلك، استنسخ هؤلاء واعتمدوا جميع قواعد العمل الفاسدة التي كانت قائمة في إسرائيل قبل دخول إدلسون وصحيفته.

يرى مرغليت، ميتس وغروسمان أن ما توصلت إليه دراستهم هذه ينبغي أن يؤدي إلى إعادة التفكير بطرق ومنهجيات ضبط سوق الإعلام في إسرائيل. فهم يكتبون أن “الأخبار ليست منتجاً استهلاكياً عادياً، والمسؤولون الحكوميون، الرسميون، يجب أن يكونوا قلقين حيال إمكانية تمتع أشخاص بشكل عام، ومتمولين أثرياء من خارج إسرائيل بشكل خاص، بقدرة كبيرة على التأثير على العملية السياسية ـ الحزبية، بواسطة الصحافة”. ويضيفون: “هذا الخطر كبير بشكل خاص لأن ظاهرة استيلاء أثرياء كبار على وسائل إعلام مركزية في إسرائيل آخذة في الاتساع والازدياد”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.