أقلام وأراء

سليمان أبو ارشيد – من سقوط نموذج حل الدولتين إلى واقع الدولة الواحدة

في كتابه “النموذج (الباراديم) الضائع – من حل الدولتين إلى واقع الدولة الواحدة” الذي صدرت طبعته العبرية مؤخرا، انضم الباحث اليهودي الأميركي المرموق، إيان لوستيك، إلى رهط من الأكاديميين والسياسيين الذين يعتقدون بتلاشي نموذج “حل الدولتين” تحت وطأة الواقع الجيوسياسي المتبلور في المنطقة الواقعة بين البحر والنهر والتي تحولت إلى دولة واحدة تنقسم إلى مناطق سكانية مختلفة، وتحكمها إسرائيل بآليات وقوانين مختلفة.

ويقول لوستيك، في مقدمة الكتاب، إنه كان على مدى عقدين من الزمن ناشطا وباحثا وداعما ومستشارا في خدمة اللاعبين الرئيسيين لتطبيق “حل الدولتين” أو منحه الأمل في التحقيق على أقل تقدير، إلا أنه وفي ظل الأسباب التي أوردها في الكتاب، وسنأتي على ذكرها لاحقا، توصل إلى استنتاج أن “حل الدولتين” لم يعد قابلا للتحقيق.

وزيادة على ذلك، فإن التظاهر بإمكانية تحقيق “حل الدولتين” والاستمرار في بذل الجهود في سبيل ذلك، كما يقول، هو فعل مضر بالمبادئ المتمثلة بالديمقراطية والمساواة والحقوق المتبادلة وحق تقرير المصير الذي لا يقتصر على اليهود أو على الفلسطينيين فقط، بل هو بمثابة حكم بالإعدام على هذه المبادئ التي كانت محفزا لدعمه لـ “حل الدولتين”.

ويدعو الباحث في جامعة بنسلفانيا الأميركية وصاحب كتاب “العرب في الدولة اليهودية”، الذي فكك آليات الضبط والسيطرة الإسرائيلية على الفلسطينيين المتبقين في حدود الدولة العبرية بعد النكبة، يدعو إلى استبدال حالة اليأس والإحباط والملل من الشكوى التي نسمعها منذ عقدين بسبب مبادرات ومحادثات فاشلة وفرص ضائعة ووعود مخروقة وعدد غير متناه من معيقات السلام، استبدالها بالفهم العميق والإستراتيجيات الأكثر وضوحا التي انجلت بفعل الوقوف الصادق على معطيات الواقع.

ويقول إن التأمل بالوقائع والتبصر فيها من شأنه أن يساعد أنصار “حل الدولتين”، بأن لا يتحولوا إلى شركاء لمن يسميهم بجماعة “الأبرتهايديين الرماديين” الذين يفضلون علاقات سيطرة غير معلنة وثابتة مدمجة بديمقراطية حقيقية أو أوتوقراطية معترف بها، بمعنى أن استمرار التمسك بحل الدولتين بعد أن وصل لطريق مسدود، هو بمثابة إسداء خدمة لمشروع الضم ونظام الأبرتهايد.

ويشخص لوستيك سببين لنشوء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي هما: رفض إسرائيل بعد نجاح المشروع الصهيوني في تحويل فلسطين كلها، أو غالبيتها، إلى دولة يهودية، لعودة ثلاثة أرباع مليون فلسطيني إلى ديارهم، والتسبب بخلق مشكلة اللاجئين وتجذير التحديات العميقة المتواصلة التي تؤثر حتى اليوم على السلام والأمن في فلسطين؛ والسبب الثاني هو رفض إسرائيل منذ حرب 1967 إقامة دولة فلسطينية، أو كيان فلسطيني من أي نوع في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتسبب بذلك بتدمير احتمال التسوية الوحيد، الذي كان من شأنه أن يضع حدا ليس للصراع الفلسطيني الإسرائيلي فقط، بل للصراع العربي الإسرائيلي الأوسع أيضا.

وهو يشير إلى ثلاثة أسباب خلقت وعززت الرفض الإسرائيلي للتسوية هي: “نظرية الجدار الحديدي الصهيونية” و”هاجس الهولوكوست” و”اللوبي اليهودي الذي وفر الدعم الأميركي اللامحدود لإسرائيل”، ويتوقف بشكل خاص عند نظرية “الجدار الحديدي” التي صاغها جابوتينسكي واجتمع عليها أقطاب الصهيونية والتي تتلخص في تشكيل “جدار حديدي” يصعب على العرب والفلسطينيين اختراقه، ما سيؤدي نهاية إلى تغيير قيادتهم “المتطرفة” بقيادة مهادنة مستعدة للتفاوض على أساس التسليم بوجود وشرعية إسرائيل.

هذه النظرية حققت نجاحا أوليا منذ عام 1948 في اتفاقيات الهدنة وتُوّج هذا النجاح في نتائج حرب 1967، التي أكدت بشكل حاسم، كما يقول، الفرضية الأساسية لنظرية “الجدار الحديدي” بأن الجيوش العربية غير قادرة على تدمير إسرائيل وأن كل محاولة لفعل ذلك سيقود إلى هزائم كبيرة وغالية الثمن، وقد تُرجم هذا التحول بالموافقة على قرارات مجلس الأمن 242 و338 ولاحقا على “مشروع يارينغ”… إلى آخر المشاريع ومبادرات السلام المختلفة التي وافق عليها العرب والفلسطينيين.

إلا أن المفارقة، أو ما لم يخطر في بال جابوتينسكي، كما على حد تعبير لوستيك، هو أن نظرية “الجدار الحديدي” التي نجحت في التسبب بانكسار العرب ودفعهم إلى المساومة والموافقة على تسوية يتم فيها الاعتراف بإسرائيل والاستعداد للتعايش معها، ستدفع بالنفسية والسياسة الصهيونية إلى المزيد من المطالب المتطرفة التي تتعدى السقف المطلوب من “الجدار الحديدي”، وهو ما ساهم إلى جانب “هاجس الهولوكوست” والدعم الأميركي اللامحدود الذي يسره اللوبي اليهودي، في إحباط حل الدولتين.

بفعل كل هذه العوامل تحول “حل الدولتين” الذي دمج على مدى عدة عقود بين صورة المستقبل الجميل وبين الطريق الموصلة إليه (مفاوضات على تقسيم البلاد على أساس حدود الرابع من حزيران 67 أو ما يقاربها) تحول بعد ضياع الطريق وبقاء الصورة إلى “فنتازيا” عن مستقبل لا يطال، شبيهة بالتي كانوا يرون بها أنصار حل الدولتين “فنتازيا” الدولة الواحدة.

ولكن برغم عدم وجود أي حل في الأفق فإن هناك واقعا يفيد بوجود دولة واحدة (إسرائيل) بين البحر والنهر هي، بنظر لوستيك، بمثابة جهاز حكم متفق عليه في الأوساط الدولية، كما أن سياساتها ونشاطاتها تؤثر بشكل حاسم على حياة كل سكان تلك المنطقة، فهي تجبي الضرائب من الفلسطينيين في الضفة وغزة وتقرر من يدخل ومن يخرج منها وإليها، ومن يتمتع بحق الملكية ومن يستطيع أن يعيش ويبني ويتمتع حتى بحق الزيارة وأين. وفي شكلها الحالي الدولة ليست صورة جميلة بعيون أي فئة، فهي لم تتحقق تطبيقا لخطة محكمة وهي ليست حلا، بل نتيجة واقع دولة واحدة.

ويتابع القول إن الفلسطينيين في الضفة وغزة ليسوا مواطني أي دولة معترف بها، وإن مستوى تأثير إسرائيل على تفاصيل حياتهم وحتى على وجودهم على قيد الحياة، مؤشر على كونهم سكان الدولة، مثل “العبيد السود” في الولايات المتحدة والأفارقة في “بانتستونات” جنوب أفريقيا في فترة الأبرتهايد.

كما أن الاحتلال الذي عمره 50 عاما في الضفة الغربية والحصار الذي عمره 12 عاما على غزة، إلى جانب عنف الدولة الذي يعاني منه سكان هذه المناطق بشكل دائم، ليس دليلا على عدم انضوائهم في الدولة الإسرائيلية، بل هو تأكيد على الحقيقة البسيطة أن إسرائيل تسيطر على فئات سكانية مختلفة في مناطق مختلفة بطرق مختلفة؛ وبناء عليه وعلى جملة عوامل أخرى، يأتي على ذكرها في الكتاب، فإن الدولة الواحدة هي واقع على الأرض وآن الأوان للتعامل مع هذا الواقع وليس مع أي برنامج آخر، كنموذج تفكير وعمل جديد.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى