أقلام وأراء

سليمان أبو ارشيد: عودة النقاش حول الخطّ الأخضر؟

سليمان أبو ارشيد 01/09/2022

أثارت الخريطة التي يظهَر فيها “الخطّ الأخضر”، والتي أصدرتها بلدية تل أبيب، وقامت بتعليقها في ألفَي صفّ تعليمي في المدينة، ردود فعل غاضبة من قِبل العديد من الجهات الإسرائيلية، وفي مقدمتها وزارة التعليم التي طالبت البلدية بإزالتها، واللجوء إلى استعمال الخرائط الرسمية التي لا يظهر فيها “الخطّ الأخضر”.

واللافت أنه رغم توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، وإقامة السلطة الفلسطينية، لم تقم إسرائيل خلال كل تلك الفترة وفي أي مرحلة منها، بتغيير القرار الحكومي الذي صدر غداة حرب 1967، التي أسفرت عن احتلال الضفة الغربية، إلى جانب مناطق فلسطينية وعربية أخرى، والقاضي بإزالة “الخطّ الأخضر” الفاصل بين أراضي 48، والأراضي المحتلّة عام 67، والذي رسمته الأمم المتحدة بعد هدنة عام 1949، من الخرائط االمتداولة في مؤسسات التعليم، وفي الشارع الإسرائيلي.

وتُظهِر الخرائط تلك إسرائيل كوحدة جيوسياسية واحدة من البحر إلى النهر، بينما تَظهر فيها أيضا أسماء المستوطنات التي تنتشر في الضفة الغربية، بدون أن تحمل أي إشارة للمناطق التي تديرها السلطة الفلسطينية، ما يعني أن السلطة الفلسطينية غير موجودة على الخارطة الإسرائيلية الرسمية والمعتمدة.

وكان بحث أجراه بروفيسور أفنير بن عاموس من جامعة تل أبيب، قد أظهر أن إسرائيل غيّبت الاحتلال بالكامل تقريبا، من كُتب التعليم الإسرائيلية في مواضيع التاريخ والمدنيات والجغرافيا، وذلك في إطار ما وصفها بعملية “إخفاء وإسكات”، في حين أن التوجّه الذي يتمّ نقله للطلاب، يتحدث عن عدم وجود فرق بين ما يحدث داخل إسرائيل، وما يحدث في “يهودا والسامرة (الضفة الغربية المحتلة)”، كما تسميها كتب التعليم، وفي كون الأخيرة استمرارا طبيعيا من النواحي التاريخية والمؤسسية والجغرافية، بينما تُظهر الخرائط إسرائيل الممتدة على أرض فلسطين التاريخية، كوحدة جغرافية – سياسية واحدة.

أما على الأرض فإن إسرائيل أقامت حزاما استيطانيا على طول الخط الأخضر، يمتدّ عرضا على جانبيه بهدف محوه. كما أنها أقامت “الجدار العازل (جدار الفصل العنصري)” الذي يُعدّ حدودا من طرف واحد، لمنع الفلسطينيين فقط من تجاوزه نحو الداخل، في حين يمتدّ الاستيطان إلى عُمق الضفة الغربية، ويحظى المستوطنون وغيرهم من الإسرائيليين بحرية حركة واسعة داخل الضفة الغربية، في وقت حوّلت الشوارع الالتفافية الضفة الغربية إلى جزء لا يتجزّأ من بُنية المواصلات الإسرائيلية.

في هذا السياق، يقول بروفيسور أورن يفتحئيل وميخائيل سفراد في مقال نشرته “هآرتس”، إن مَحْو الخط الأخضر من الخرائط، يُعطي شرعية للاستعمار الاستيطاني الذي تمارسه إسرائيل في الضفة الغربية، والذي يُعدّ وفقا للقانون الدولي جريمة حرب خطيرة… ويجعل من إحياء الفنان الإسرائيلي (اليساري) أفيف غيفن لحفل في مستوطنة، ومن عضويّة الوزيرين أفيغدور ليبرمان وزئيف إلكين، اللذان يسكنان في المستوطنات، وكذلك عضويّة بن غفير وسموتريتش، والعديد من أعضاء الكنيست الذين يسكنون في المستوطنات؛ أمرا طبيعيًّا.

في المقابل، تجري فلسطينيًّا عملية عكسية تتمثل في قيام إسرائيل خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بتدعيم الخط الأخضر، كما يقول الكاتبان، وتحويل ما اعتُبر في البداية كإجراء وقائي من “العمليات العدائية” إلى عملية هندسة مجددة للعلاقات السياسية بين البحر والنهر، حيث عاد “الخط الأخضر” بقوة إلى حياة الفلسطينيين، وهو اليوم عبارة عن منظومة قمع كاملة من الحواجز والجدران، بضمنها “الجدار العازل” الواقع إلى الشرق منه، هذا إلى جانب الوسائل القانونية مثل “قانون القومية”، أو سياسة التخطيط والأراضي التي تحرم الفلسطينيين على جانبَي الخط الأخضر من حقوق إنسان أساسية ومتساوية مثل الهجرة، وإقامة عائلة أو بلدة.

وإذا كانت الحدود تُثبِت عادةً سيادتيْن منفصلتين على جانبيها، فإن “الخط الأخضر” أُحاديّ الاتجاه، يساهم فقط في توسيع السيادة الإسرائيلية، لأنّ نظام “الخط الأخضر” ذو الوجهين -مفتوح للإسرائيليين ومغلَق للفلسطينيين- يعمل، كما يخلص المقال، لوضع البنية الأساس لنظام أبارتهايد على كامل البلاد، يتمتع فيه اليهود بحقّ التنقل والسكن والعمل والتملُّك في مختلف المناطق، بينما يُعزَل فيه الفلسطينيون في معازل مغلَقة، بدون حقوق سياسية أو تملّك أو تنقّل خارج هذه المعازل، وحتى العرب في إسرائيل الذين يتمتعون بحق التنقل، فإنّ حقوقهم في إقامة عائلة وبلدات ومُلكيّة، محدودة، بسبب الإدارة العنصرية للحيّز المكاني.

مركز الناطور للدراسات والابحاث Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى