أقلام وأراء

بين النبوءة والتشاؤم: إسرائيل في الـ74 أكثر قوّةً وثباتًا

سليمان أبو ارشيد

سليمان أبو ارشيد ٢٨-٤-٢٠٢٢م

بين نبوءة بسام جرّار “الإسلامية”، التي تمنحها إلى نهاية حزيران/يونيو أو حتّى نهاية العام 2022، وشؤم العقد الثامن اليهودي الذي يستند إلى أنّ الدولتين اليهوديتين السابقتين، “مملكة داوود” و”مملكة الحشمونائيم”، لم تتجاوزا العقد الثامن من عمرهما، تحتفل إسرائيل الأسبوع القادم بالذكرى الـ74 لقيامها على أنقاض شعبنا الفلسطيني، وهي أقوى وأغنى وأكثر ثباتا وقبولا في محيطها العربي والإسلامي، الذي طالما رأى في السابق أنّها جسم غريب زُرِعَ في المنطقة أو مرض خبيث يجب استئصاله.

تمكّنت إسرائيل، خلال العقود الأخيرة بشكل خاصّ، من تثبيت أركان وجودها على الأرض، والتوصل إلى اتفاقيات وتفاهمات سلام وتطبيع رسمية وغير رسمية مع الغالبية العظمى من الدول العربية والإسلامية إلى جانب إخضاع وإلحاق القيادة التاريخية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية كوكيل أمني، وذلك بعد أن هزمت حركة التحرّر العربية والفلسطينية واستكملت سيطرتها على كل فلسطين التاريخية واحتلال أراضٍ عربية أخرى وضمها إلى سيادتها بشكل فعلي والهيمنة على أجواء غالبية الدول العربية المجاورة.

ويمكننا القول إن إسرائيل أو الصهيونية، لو كانت فعلا تبتغي حلّ مشكلة اليهود الذين تعرضوا للملاحقة في أوروبا عبر إقامة دولة لهم في ما تدعي أنّه موطنهم التاريخي، فلسطين، كما تدّعي، لكانت قد قبلت اليد الفلسطينية والعربية التي مدت وما زالت ممدودة لها لتقاسم البلاد، في “قسمة ضيزى” تعطيها 80% من فلسطين، ولكن طبيعة إسرائيل الاستعمارية التوسعية تجعل طموحها مرهون بقوتها وبطول يدها العسكرية التي تتعدّى حدود أرض فلسطين، أيضًا، بل أنّ زرعها في فلسطين كان يبتغي استهداف المنطقة العربية بكاملها، وهي ما زالت تقوم بهذا الدور على أكمل وجه.

ومعروف أنّ الصهيونية قامت على مقولة أنّ فلسطين أرض بلا شعب، وقد نظر المهاجرون الأوائل إلى فلسطين إلى أهلها على أنّهم “غرباء”، ولذلك لم يعانوا من أي حرج في ممارسة التطهير العرقي ضدّهم وتهجيرهم من بلادهم عام 48، والحلول محلهم في عشرات آلاف البيوت التي هُجّروا منها في يافا وحيفا وعكا واللد والرملة وصفد وبيسان وطبريا وغيرها، إلى جانب تدمير مئات القرى المهجرة ونسف بيوتها.

وللتدليل على هذه العقلية، لا بأس من اقتباسٍ طويلٍ بعض الشيء من إحدى المحاضرات المسجلة لإيلان بابيه، صاحب كتاب “التطهير العرقي قي فلسطين”، يروي فيه أنّ “اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين في الموجة الثانية (1904- 1914)، كانوا فقراء جدا بالنسبة إلى المستوطنين الأوائل، وكانوا يحملون معهم القليل من المال عندما وصلوا إلى ميناء يافا، كما أنّهم لم يعرفوا أي شيء عن الزراعة، لأن اليهود في روسيا وأوروبا الشرقية لم يكن مسموحا لهم الاشتغال بالزراعة، ولم يكونوا يعرفون كيف سيجلبون قوت يومهم في البلد الجديد المسمى فلسطين، إلّا أنّهم كانوا محظوظين جدا بأن الفلسطينيين استضافوهم وأعطوهم مكانا للنوم وبعض الطعام، وعندما طال بهم المقام علموهم الزراعة ورعاية الأغنام”.

ويواصل بابيه قائلا “ولكن في الليل كان هؤلاء المستوطنون يكتبون مذكراتهم على ضوء الشمع، فقد كانوا يكتبون مذكرات بهوس، يكتبون كثيرا ويوميا، وهذا جيد للمؤرخين، حيث كتبوا عن كل شيء، عن قرصات البعوض، عن أنّهم لم يناموا جيدا، وعن النساء التي لم تعجبها الرجال والرجال الذين لم تعجبهم النساء والرجال الذين لم يحبوا الرجال، لم يتركوا شيئا لم يكتبوا عنه، وفي هذه المذكرات كتبوا عن أكبر خيبة أمل أصابتهم من فلسطين وهي وجود الكثير من ’الغرباء’، وبالأخص الذين استضافوهم – كانوا هم الغرباء الأساسيون، فكان يكتب أحدهم مثلا، وأنا اليوم في بيت أحد هؤلاء الغرباء”.

هذه هي المفارقة التي يتحدث عنها بابيه بنوع من السخرية، فقد نظروا إلينا فور أن وطأت أقدامهم أرض فلسطين، وبينما كنا نستقبلهم ونأويهم ونسد رمقهم على أنّنا “غرباء” وطبّقوا هذا المفهوم بسياسة التطهير العرقي، وما زالوا يطبقونها إلى اليوم بحصرنا على أقلّ بقعة من الأرض، في بانتستونات في الضفة وسجن كبير في غزة ومعازل في الداخل ويخوضون حربا داخلية ضدّنا لـ”تحرير” أي شبر من الأرض يقع بحوزتنا في النقب والجليل والضفة وإقامة المستوطنات عليه.

 

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى