أقلام وأراء

سليمان أبو ارشيد – المشتركة… بين شبكة الأمان وإسقاط حكومة بينيت

وغني عن البيان أنه في ائتلاف يقوم على أغلبية صوت واحد (61 عضوا من أصل 120)، يصبح كل عضو كنيست هو “بيضة قبان” وهو ما أدركته رئيسة الائتلاف الحكومي من حزب “يمينا”، عيديت سيلمان، عندما أفقدت بانسحابها حكومة بينيت – لبيد الأغلبية البرلمانية التي تستند إليها، لتنقل بذلك، للمفارقة، بيضة القبان إلى القائمة المشتركة التي سيحدد سلوكها لاحقا بقاء حكومة لبيد – بينيت – عباس أو سقوطها.

والسؤال الذي يُسأل قبل الدخول في السيناريوهات المفتوحة أمام المشتركة مع انتقال “سلاح” بيضة القبان “الفتاك” إليها هو: هل ستنهى عن فعل وتأتي بمثله وتتكلل بـ”العار العظيم”، الذي تحدث عنه الشاعر وتكلل به عباس، وهو يزحف على بطنه إلى ائتلاف بينيت – لبيد بعد أن تعرى من جميع أثواب هويته الفلسطينية والقومية والإسلامية، وأسقط مسؤوليته في التصدي للمس ليس فقط بغزة والضفة والأقصى، بل وبالنقب في وجه الهجمة الاستيطانية التي تستهدف أرضه، وذلك مقابل حفنة من الشواكل؟

انتقال “بيضة القبان” إلى المشتركة يفتح من جديد النقاش التقليدي المتجدد حول الدور المطلوب منا لعبه في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، كممثلي أبناء البلاد الأصليين وكجزء من شعب ما زالت الدولة الكولونيالية تخوض حربا للاستيلاء على كل شبر من أرضه بين البحر والنهر، وتفرض أشكال مختلفة من السيطرة على تجمعاته المختلفة.

وهو واقع يصبح معه فصل المدني عن الوطني ليس غير ممكن فقط بسبب التشابك الوثيق، بل إنه يفضي بالضرورة إلى المقايضة على الحقوق الوطنية كما وقع في حالة منصور عباس، فقضية القرى غير المعترف بها في النقب التي اعتقد عباس أنها قضية مدنية، يمكن إدراجها في برنامجه الائتلافي، اعتقد بالمقابل الصندوق القومي اليهودي (كيرين كاييميت – كاكال) والوكالة اليهودية ووزارة أييليت شاكيد وشرطة إسرائيل وحرس “حدودها”، أنها معركة على الأرض مع الغزاة البدو، وجندوا كل قواهم وقواتهم للتصدي لهم.

الأمر نفسه ينطبق على قضية لم الشمل التي هي في الحقيقة قضية مدنية تقع في أعلى مصاف القضايا الإنسانية، ولا تربطها أدنى علاقة بالأبعاد الإستراتيجية التي حملوها عليها كالأمن والديموغرافية، كما أن مردودها في الحالتين ضئيل جدا، وحتى قضية إمداد البيوت العربية بالكهرباء التي يفهمها عباس في سياق الحقوق المدنية، وهي فعلا كذلك، تكتسب في عرفهم محاولة لإسباغ الشرعية على “سيطرة” العرب على الأرض، ويندرج بمفهومهم في دائرة الصراع على الحيز الجغرافي، ولذلك عملوا على إفراغه من مضمونه وإحباط أي إنجاز قد ينطوي عليه، بل أنهم جيروه ليخدم البؤر الاستيطانية غير الشرعية فقط.

ومن الطبيعي أن يحدث ذلك عندما يوافق أحدنا – في هذه الحالة منصور عباس – التنازل (بمعنى التجرد) عن الحقوق الوطنية تحت ستار القضايا المدنية الحارقة مثل الجريمة والميزانيات، وفي إطار ما يسمى بلعبة التأثير والمنافسة على “الشطارة” في تحصيل الحقوق اليومية المتمثلة بالميزانيات، ويحاول إغفال أن حب الفلسطيني وزواجه وصلاته وصيامه ضمن هذا الواقع الكولونيالي هي قضايا وطنية من الدرجة الأولى، ينظمها قانون منع لم الشمل وأنظمة الحواجز والإغلاق وتصريحات وتقييدات الدخول للمسجد الأقصى المبارك، وأن الاعتراف بالحقوق الوطنية للفلسطيني هو المفتاح لأي حقوق أخرى.

في هذا السياق، نحن نعرف أن أيمن عودة (بصفته رئيسا للمشتركة) ومنصور عباس اجتمعا في التوصية على غانتس، وافترقا في مناورة الأخير باتجاه نتنياهو، والتي كانت سببا لانشقاق الأخير عن المشتركة وخوض قائمته للانتخابات بشكل منفرد، وأن دخول عباس إلى الائتلاف الحكومي الحالي، قد تم بعد أن حظي بالتأهيل المطلوب من قبل نتنياهو، الذي سعى إلى ضمه لحكومة برئاسته، وهي محاولة اصطدمت بمعارضة الصهيونية الدينية.

كما نعرف أيضا أن التوصية على غانتس توخت دعم المشتركة لحكومة برئاسته ولو من الخارج، وهو دعم جرى التنظير له باستحضار تجربة توفيق زياد وحكومة رابين، لولا تردد الجنرال غانتس وهروبه إلى حضن نتنياهو، مثلما نعرف أيضا أن توصية المشتركة على يائير لبيد سعت إلى تنصيب حكومة برئاسة بينيت – لبيد مدعومة بأصوات المشتركة، لولا انتقال الموحدة من حضن نتنياهو إلى حضن بينيت – لبيد، وكلنا يذكر مناورات التصويت على منح الثقة للحكومة وعلى ميزانية الدولة.

نسوق ذلك للتذكير بعلاقة المشتركة بهذا المعسكر، وهي علاقة غير مرتبطة فقط بشعار إسقاط نتنياهو، بل بارتباط تاريخي باليسار الصهيوني وما يسمى بالقطب الديمقراطي الذي جدد أيمن عودة الدعوة إلى تشكيله مؤخرا في مؤتمر جامعة حيفا الذي افتتحه منصور عباس.

وإذا كان الخيار أمام المشتركة اليوم بين التصويت إلى جانب قانون حل الكنيست وتقديم موعد الانتخابات في حال توفر الصوت الـ61 لذلك، وبين المناورة في توفير شبكة أمان لحكومة بينيت – لبيد بشكل رسمي أو غير رسمي، فإنها سترجح الخيار الثاني وستسوغ ذلك بعدم الوقوف في صف نتنياهو ومساعدته في العودة إلى الحلبة السياسية، وفي الحقيقة إنها فرصة لعودة والطيبي ليثبتا لمنصور عباس أنهما أقدر على لعب اللعبة بشكل أكثر ذكاء، خاصة وأن المنافسة بينهم هي حول إتقان اللعبة وليس حول النهج، لأن جميعهم متفقون على “نهج التأثير”.

وفي الحقيقة فإن المشتركة قد تضيع بذلك فرصة ثمينة، ليس لإسقاط أسوأ حكومة في تاريخ إسرائيل، بل في إسقاط نهج منصور عباس وإثبات عقمه أيضا، وإعادة التوازن بين الوطني والمدني في العمل السياسي.

مركز الناطور للدراسات والأبحاث  Facebook سليمان أبو ارشيد

سليمان أبو ارشيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى